30.11.11

إسلام لايت أم رهبانية مبتدعة ؟!



في ليلة من ليالي آخر الربيع حدث أمر جَلَل وخطب أثار حماسي وحرّك الدمّ في عروقي حتى نسيت جسدي لوهلة ورحت أبحث عن روحي في متاهات المستقبل ، تركت كلي وذهبت لأبحث عن أجزائي التي تناثرت هنا وهناك ، نظرة يمنة فلم أر إلا حائطا أبيضا عُلّعقت عليه بعض الرسومات الفنيّة ونظرة يسرة فلم أجد إلا سريري ينتظرني لنتبادل دفء الحرارة فيما بيننا ، لكنّي بقيت أغلي وكأنّ من تحتي موقد نار أو كأنّ الشمس خدعت الليل وجائت على غير ذي موعد فكانت فوق رأسي قاب قوسين أو أدنى . دقّات القلب تُنذر بوحش قريب أو كارثة تقترب أو طارئ يستدعي النهوض ولكنّي ما زلت مكاني ، العين أعلنت تضامنها مع طبقات الجلد لتنهمر مني الأمطار بغزارة فتُسقي الأرض العطشى ولكنّي ما زلت مكاني ، الأذن صارت تلتقط أمواجا صوتية غير مألوفة والعين صارت تصوّر أفكاري ونسيت ما تراه آنذاك ولكنّي ما زلت مكاني . لكن ليس هذا الوصف غريب ! إنما الغريب أن ترى الناس من حولك ضاحكون أو سامدون أو نائمون أو لربما يقبّلون أو يتمايلون أو يُضاجعون في هذه اللحظة الحاسمة بالذات ! ولكن أين عقلي ؟! لا بل أين صوابي ؟! هل نسيت أم تناسيت أننا في زمان الغرباء ؟! عفوا يا عالم الأنس فكما يبدو أنني أنا الغريب هنا ولربما خُلقت لزمان غير زماني ولربما لم أستطع التأقلم بوتيرة عصر السرعة ! نعم يا شيطاني ولكنّ الأمر جلل فهل يُعقل أن ينخسف القمر دون أن ينخسف حالي ثم إنّ هذا هو غاية الإنسجام مع طبيعة الكون ؟! خسوف القمر أفزعني وأقلقني وصرت عندها أضرب أخماسا بأسداس ولكنّه لم يفزعني عبثا ، إذ أنّنا لا نعرف للعبثية طريقا ولكنّه أفزعني إلى الصلاة ! القمر آراه ينخسف أمام عينيّ وأنا ما زلت مكاني تائهٌ بين صلاة العشاء وصلاة الخسوف ، إلا أنّ الهاتف لا ينتظر كثيرا فيفزع مع فزعي لأنه يخاف لربما عليّ أو لربما هو يحمل فزع آخرين . يكلّمني أحد الشباب الفازع كما يبدو ويُغذّيني بفزع آخر ويدعوني لنصليَ صلاة الخسوف في الخارج !
أنا : ولكنّي لم أصلِ فريضة العشاء بعد ؟!
الشاب الفازع : لا حرج أخي في الله ، أهم شيء في هذه اللحظة هو صلاة الخسوف ، صلاة العشاء لها متّسع من الوقت !
أنا : ولكنّي أخاف من ويلِ المصلين ؟!
الشاب الفازع : لا تخفْ ! أنا أُفتيك . هيا بنا نسرع ، الوقت يداهمنا !
يبدو أنّ الفتوى صارت مهنة يحترفها القاصي والداني ، الجاهل والعالم ، الصغير والكبير ، كيف لا ونحن في عصر الثورة المعرفية والثقافية ؟! لم أُطل النظر في القضية مع أني أكره الطاعة العمياء ، إذ أنّ رجلاي سبقتاني إلى موقع الحدث فرأيت الشباب الذين أقصدهم من بين كثير ، حيّيتهم وبادلت بعضهم أطراف حديث مختصر ولكنّ الجوّ كان باردا جدا ! ولبُعد نظر شعرت أني لن أصمد بلباسي هذا في مثل هذا الجو البارد مع أني كنت دافئا من فزعي في حينها ! رجعت ويا ليتني بقيت راجعا وعُدت ويا ليتني بقيت عائدا إلى وطني ولكنّ فزعي لم يسمح لي بالنكوص أو أن أوّلي دُبُري ، فلبست ما لبست ونزلت مرة أخرى لنصلي ولكن لسوء حظّي أو لإنعدام حسن التخطيط وجدتهم قد بدأوا يناجون ربهم والمصيبة الكبرى أني لا أعرف كيف هي صلاة الخسوف ! قلت أنها ستكون صلاة عادية مثل باقي الصلوات ولهذا بحثت عن مكان مستو في أرض الحصى ، ثمّ كبّرت ربي ورحت أحاول الخشوع وأنا منصت لقراءة الإمام . ولكنّ الخشوع الذي تولّد في الدقائق الأولى أخذ ينطفئ وحرارة الإيمان بدأت تبرد والفزع الذي حوته نفسي صار يتطاير رغم أن القمر ما زال ينخسف ، فما الخطب ؟! نعم إنه الريح العاصف بعثر فزعي وذاك البرد القارس خفّض حرارة إيماني وأرض الحصى المائلة أطفئت خشوعي وصرت أفكّر لماذا تركنا الدنيا كلها وجئنا إلى هذا المكان اللعين ؟! هل الصلاة هنا وفقط هنا تجوز وفي أماكن أكثر راحة واطمئنانا هي خالية من الإخلاص ؟! ألم يسخّر الله لنا الأرض كل الأرض مسجدا ومصلّى ؟! لماذا نضيّق على أنفسنا ونهلكها وكأننا نريد أن نُعلن أننا قادرون يا رب على كل شيء ؟! أليس هو الله وحده هو القادر على كل شيء ؟!
ويستمر الإمام يقرأ وتطول قرائته وكأنّه استمخّ لهذه الأجواء الحيوانية ، والبرد قارس والريح عاصف والحصى جارح وعندي غدا امتحان في جامعتي ! ويركع الإمام بعد طول أمل ويطول ركوعه وأحتار ماذا أقول فقد تجاوزت الألف تسبيحة والإمام راكع والبرد قارس والريح عاصف والحصى جارح وعندي غدا امتحان في جامعتي ! ويعود الإمام ليقرأ وتطول قراءته وتملّ نفسي وأفكّر بالخروج من الصلاة إلا أنني أقول أننا سننهي بعد قليل وأن الله مع الصابرين وإنّ مع العسر يسرا ، والإمام ما زال يقرأ وهو منتصب القامة والبرد قارس والريح عاصف والحصى جارح وعندي غدا امتحان في جامعتي ! ويركع الإمام ركوعه الثاني ويطول كسابقه وتتشنجّ عضلات جسدي كلها وتُعلن أعضاء الجسم كلها الفلاس وأحتار ماذا أقول فأبدأ أستغفر وأسبّح وأدعو الله أن يعجّل فرجنا ، والإمام ما زال راكع والبرد قارس والريح عاصف والحصى جارح وعندي غدا امتحان في جامعتي ! وأستمر أكافح حتى النهاية ونسلّم بالكاد والكل يتضجّر سرّا والكل يصبح حمام مكة عند ساعة النقد والكل يصير كاظم غيظه ! فما هذه الرهبانية المبتدعة ؟! وهل نترك المساطب النظيفة والسجّاد الراقي والغرف الدافئة لنثقل على أنفسنا ونلقي بأيدينا إلى التهلكة ؟! ربما هي ليست تهلكة هنا ولكن ما هذا المنطق الأعوج ؟! وما هذا الفكر المشوّش ؟! هل نترك حضارتنا الإنسانية واختراعاتنا الحديثة من أجل التقشّف ؟! أم أننا نطمح بذلك إلى زيادة في الحسنات رغم التنطّع في الدين ؟! أم يطمح هؤلاء إلى تطبيق النهج النبوي كما كان في العصر الجاهلي ؟! ما هذا السخف وما هذا البعد عن الجوهر ؟! أليس حريا بنا أن نخرج من هذا التفكير السطحي لنطبّق سنة النبي كما هي ولكن مع دمج التطورّات العصرية ؟! أهم يزعمون أنهم يحبون رسول الله ؟! فإننا أيضا نحبه ونريد أن نطبّق نهج الإسلام ولكنّ ديننا لا يمنعنا من التسلّح بالجديد المعاصر ! أم هو إسلامنا إسلام لايت ؟! أم نحن نُميّع الدين عندما ندعو إلى الإستعانة بالإختراعات الإنسانية التي سخّرها الله لفائدتنا ؟! أم هو التخطيط الإسلامي ناقص ويحتاج إلى نظر ؟!
التخطيط الإسلامي هو نتيجة لعملية تفكيرية يُجمع عليها بعض الحاضرين عند الترتيب لأي عمل ، ولذا فإن كان هناك خلل في التخطيط فإنه يوحي إلى خلل بالمصدر وهو ما نقصده في هذه المقالة القصيرة ألا وهو الفكر الإسلامي .

29.8.11

نونية رمضان



وداعا رمضان إذا ما رحلت عنا ... ودموعا وأحزانا إذا ما هلالك غاب عنا
جئتنا تسابق الرياح فسَعِدت أيامنا ... وليالينا طابت والناس من حبك أرونا
هلا تمهلّت قليلا إن كنت ذاهبا ... فنسائمك رحمة وقلبك مغفرة وليتنا من المعتقينا
إني سمعتك ناديتنا أين الطائعينا ... فهنيئا لمن أجاب الدعوة وصام يقينا
وإني نظرتك فرأيتك مبتسما لمن صام وقام ... ومتوعّدا لمن كان عن أمرك من المتخلّفينا
فطوبا لمن قام الليالي مؤمنا محتسبا ... وويل لمن غفل عن وعظك وكان من المجاهرينا
يا من أنت خير الشهور كلهم ... لا تغب عني دهرا فلقياك غاية المحبينا
فيك تحلو الحياة والحياة لحظة وثواني ... وليلة القدر هي ثقيلة في ميزان الزمان
وقلبك يفاخر بنصر عظيم يوم بدر ... وعشرك الأواخر ختام كل خير وكنز للمحسنينا
لعمرك إنك لشهر الخيرات والبركات ... وغيابك يبشّر بفرحة العيد والجائزة للصائمينا

18.8.11

قصيدة بعنوان اسمي محمد وينادونني حمادة


اسمي محمد وينادونني حمادة *** وجدّي مصطفى يحب الريادة
وأبي عبد للكريم ولشغل العيادة *** وأمي تنادي بالتحرّر والقيادة
وأخي البكر يريد تحرير الوطن *** من كل سفيه ومن ليس له سيادة
وأختي مصونةٌ لا تستوقفها الدنايا *** وتأخذ زينتها عند كل مرآة كالعبادة
قابعة بين جدران أربعة تنتظر الفرج *** ومن يأخذها إلى بيت الزوجية والسعادة
لكنّ بنت الجيران تتبختر في مشيتها *** وتسأل الشباب حبّها وهجران الحدادة
وتغمز لهذا وذاك وتتحدّى الحياء *** وتقول ليست ليلى أحسن مني ولا ودادَ
ها هو أبي ذا يتصفّد جبينُهُ العرقَ *** وأنا جالس أكتب لحبيبتي عن المراد
وألحّن رومنسيات أوجعَت قلبي *** وأقول لها لولاك ما نطقت بالشهادة
ويدخل أبي على غفلة فأغلق المحادثة *** وأسئله فلاحة الأرض ونبذ الوسادة
أخرج من البيت إلى مقهى الهداية *** فيناديني أحدهم يا ولد أين مسجد الصلادة
يصدمني سؤاله وأتعذّر عن الوصاية *** وتخذلني نفسي فتبدأ تبحث عن القلادة
أدخل المسجد القريب على أمل الإنابة *** ولكنّ شيخا كبيرا يرقبني بعجب وبلادة
وينهال بمرّ الكلام على صغيرين تضحّكا *** ولا ينتظر سماع رد منهما أو إفادة
وأرجع إلى البيت فأعلن دولة التطرّف *** وآخذ التلفاز والحاسوب إلى الإبادة
ويعبس وجهي وأتّخذ لي صومعة *** وأصير مثلا يُضرب للغلظة والعنادة
فهل يا ترى محمد خير البشر *** ترك الدنيا أم الآخرة للإشادة
وهل هو إلا رحمة للعالمين *** وهيهات نادوه مرة حمادة

10.6.11

لأواء وأمل



مع إنفجار كل صباح تتجد الحكاية نفسها وتتماثل مع ما قبلها دون تعديل أو تغيير , وكأنها أضحت جزءا من الثوابت الكونية كشروق الشمس أو غروبها . والغريب أننا في عصر يقال له عصر السرعة إلا أنه لم يصل بعد إلى عالمنا العربي والإسلامي , أو أنه وصل بغير جد وجهد منا , فنحن ساكنون نائمون في أوج النهار والعالم يسهر الليالي للتقدم والتحضر والبقاء في أعالي الجبال . إن من طبيعة النفس الإنسانية أن تملّ من الجمود والسكون و"الروتين" الثابت , لذا فإننا نلاحظ ثورة لا مثيل لها في كل مرة يتم فيها وخزنا أو التعرض لنا بسوء , وكثير منا يظن حينها أن الأمور بدأت تتقلّب والأمواج المرتقبة بدأت ترتفع والصحراء المقفرة بدأت تزهر , ولكن نظرة في الواقع تحرمنا من أحلامنا الوردية هذه وتقذف بنظراتنا إلى واقع بئيس لا يعلم حاله إلا الله , فسرعان ما تسكن الرياح وتعود المياه إلى مجاريها فتصب في البحار خبر هواننا على الناس وضعفنا وقلة حيلتنا . إن حقيقة كوننا مسلمين فلسطينيين يضعفنا مرتين عن غيرنا , إذ أن المركب الأول من هويتنا (الإسلام) مضطهد في كل العالم لأنهم يخشون من إنتشاره وتزايد قوته , وهم يعلمون أن في هذا الدين عظمة وقوة تهدد علمانيتهم تماما كما خاف كبراء قريش على تجارتهم , فلم يسلم المسلمون من عداون جبهات كثيرة ابتداءا بمحاولات إعتداء على رموز هذا الدين وأسسه , آخرها محاولة حرق المصحف الشريف وقبلها الإعتداء على الرسول الأكرم بالرسوم المسيئة وحرمان المسلمات المحجبات المنقبات من حرية الدين والتعبير عن الرأي بحجج واهية والإعتداء على أم المؤمنين من قبل الشيعة وإساءة الصحف وإغلاق قنوات إسلامية , وكأن البطولة أصبحت أنه من أراد الشهرة من أسهل الطرق فليتجرأ على الإسلام والمسلمين . أما حقيقة كوننا فلسطينيين فهي تجعلنا ضعافا بحكم كوننا أقلية محكومة , فنحن في لأواء مشهودة وفي هذا تصديق لقول رسولنا الكريم من قبل أكثر من أربعة عشر قرنا في الحديث الشريف : " لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق لعدوهم قاهرين لا يضرهم من خالفهم إلا ما أصابهم من لأواء فهم كالإناء بين الأكلة حتى يأتيهم أمر الله وهم كذلك" قالوا: يا رسول الله وأين هم؟ قال: " ببيت المقدس وأكناف بيت المقدس" . كم نحلم أن نستيقظ يوما لنرى مملكة الإسلام قائمة والقرآن العظيم وسنة المختار هما الدستور الأعلى ! كم نشتاق لأن نكون في الصدارة كما كنا في الأندلس فنملك التقدم العلمي والحضاري وننتقل بذلك من التبعية إلى منزلة القيادة ! كم نطمح أن نصنع بأيدينا الطائرة والحاسوب والمركبة الفضائية ! كم نتأمل أن نرى لغة العالم هي لغة العرب وكم نتأمل أن نملك عملة إسلامية وعلم يمثل أمة الإسلام بأسرها ! إذا نظرنا في الحديث الشريف أعلاه فإننا نرى تجسيدا للواقع الذي نحياه وإن كان شطر الحديث الأول قد صار حقيقة فإن شطره الثاني حتما قادم , والنصر وعد ولكننا نستعجل من شدة ألمنا وإنّ مع العسر يسرا . لا بد لكل فرد منا أن يحمل همّ أمته فيرى في نفسه المخلّص والقائد القادم لا لمنصب دنيوي , وإنما من منطلق صون الأمانة وبذل الغالي والرخيص من أجل النهوض من سنوات الظلام . مفاتيح النجاح نعلمها جميعا ولكنّ مشكلتنا أن التطبيق العملي بعيد كل البعد عن نظرياتنا وأفكارنا التي نؤمن بها ونعلم مدى صحتها وصدقها . أهم مفاتيح من هذه هي ضرورة عودة المسلمين إلى دينهم نظريا وعمليا فلا فصل بين الدين والدولة كما هو الحال في الفلسفة الغربية المادية , فمسلمي الهوية كثر وهم كغثاء السيل ولكن من أسلم وحَسُنَ إسلامه هم قليل , والحقيقة أننا نشهد صحوة إسلامية مباركة والدليل على ذلك هو أنه في مواسم الخيرات كشهر رمضان وموسم الحج وصلاة الجمعة نرى تدفقا واسعا على المساجد , وهذا إن دلّ فإنما يدل على وجود الجذر الإسلامي المتأصّل في نفوس كثيرة إلا أنه غير مفعّل على الدوام ولم يتمّ تنميته كما هو مطلوب . لكن بالإضافة إلى هذه الصحوة نشهد أيضا "صحوة غربية" وخاصة في أوساط الشباب الذين راحوا ضحية الفكر الغربي والتحرّر والتمرّد على القيم الحضارية الإسلامية , فبهرهم جمال الحياة المادية ولولا قيود ومراقبة المجتمع لأضحو في أراض بعيدة . عناصر النهضة كلها بين أيدينا فالقرآن والسنة مصونان وفي متناول الأيادي والمساجد موجودة بكثرة والحمد لله , ولكن ينقصنا تفعيل هذه العناصر في ركب الحياة اليومي والخروج من الصمت والسبات العميق إلى الحركة والفعل ورسم الواقع وكتابة التاريخ بالوسائل المتاحة لنا . فلنترك عيبنا للزمان ولنعب أنفسنا على تقصيرنا , ولنترك خلافاتنا جانبا ولنعمل ولنخرج من إنغلاقنا على أنفسنا فنوسّع نظرتنا فنأخذ من الأمم الباقية ما ينفعنا ونطوّره ونبقي لهم كل ضلالة وفساد جاؤوا به , فنباهي الأمم بتاريخنا الحالي وليس فقط بتاريخ الأجداد وأيام بعيدة عنا قرونا . خلاصة القول أنّ بداية كل إصلاح هو من أنفسنا أولا والأيام دُول , وإن كان في هذه الأثناء ظلام دامس فإنه لا يدوم لأن النهار آتٍ بإذن الله .

كفاني شرفا !



كفاني شرفا أني وُلدت مسلما على ملة إبراهيم حنيفا مسلما وما كان من المشركين ... كفاني شرفا أن خلقني ربي لأم وأب مسلمين ... كفاني شرفا أن رعاني ربي في ظلمات ثلاث وأنا لا أملك حولا ولا قوة ولا إدراكا ولا تفكيرا ... كفاني شرفا أن أخرجني ربي من بطن أمي سالما دونما نقص أو عيب ... كفاني شرفا أن منحني ربي نفس الحياة وروحا منه ... كفاني شرفا أن خلقني ربي في أحسن تقويم ... كفاني شرفا أن جعلني ربي من بني الإنسان مكرما بعقله على سائر المخلوقات ... كفاني شرفا أن رزقني ربي سمعا أتواصل به مع المحيط ... كفاني شرفا أن أنشأ لي ربي بصرا أرى فيه عالمي ... كفاني شرفا أن وهبني فؤادا لا ينفك ينبض ما لم يغرغر الإنسان ... كفاني شرفا أنّ لي يدين تبطشان ورجلان تمشيان ... كفاني شرفا بكل ثانية ونبضة رزقني إياها الله لعبادته في الدنيا الفانية ... كفاني شرفا أن أنعم الله عليّ بالصحة والعافية لأقوى على طاعته وشكره ... كفاني شرفا أن رزقني ربي نعمة الأمن في بيتي وبلدي ... كفاني شرفا أن أنعم علي ربي بالصلاة التي هي صلة بين العبد وربه وراحة وسكينة ... كفاني شرفا أن طهر ربي أموالي بالزكاة والصدقات ... كفاني شرفا أن وقاني ربي وداواني بالصوم ... كفاني شرفا أن خصني ربي برمضان شهر الخير والبركة والغفران والعتق من النيران ... كفاني شرفا أن رُزقت بليلة القدر التي هي خير من ألف شهر ... كفاني شرفا أن خصني ربي بالقرآن العظيم المعجزة الخالدة وبأجمل وأبلغ لغة , لغة العرب ... كفاني شرفا أن خصني ربي بسيد ولد آدم وشفيعنا وقائدنا وقدوتنا وخاتم الأنبياء والمرسلين سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم ... كفاني شرفا أن خصني ربي بهدي سيد المرسلين وإمام المتقين وبالسنة الشريفة المطهرة ... كفاني شرفا أن خصني ربي بأعظم صحابة وخير تابعين وخير خلف لخير سلف ... كفاني شرفا أن حمّلني ربي الأمانة التي أبت الأرض والجبال حملها لثقلها ... كفاني شرفا أن أطعمني ربي من الطيبات ومن كل الثمرات وحّرم علي الخبث والخبائث ... كفاني شرفا أن أذن لي ربي بالزواج الحلال وحرّم علي البغي والفحش والتفحش ... وكفاني شرفا أن الله قال في محكم تنزيله : " وإن تعدوا نعمة الله لا تحصوها " ...

5.6.11

عُمرة العمر : أطول قصيدة خطّها يراعي



ودّع الأرض فالركب لا ينتظر *** وهل الوداع إلا من لعب القدر
وقل سلاما يا أرض الإسراء والدرر *** وفارق حب الوطن يوم يحين السفر
وانظر عبرات الفراق والنحيب فاسمعه *** فليس البكاء يخالف حنين البشر
ركبنا الحافلة فانطلقت وهي تحملنا *** وسألنا الله التوفيق في المسير
فاحتار قلبي بين حب مكة وفلسطين *** ولكنّ الشوق غلبني فركنت إلى النفير
دخلنا بلاد العُرب فعرفتها هويتي *** وسلّمت على أهلها بكل حب وتعبير
أنا مهما رُوّضت فلن أنسى جرحي *** فالذاكرة لا تُمحى والثورة تأنّ للتغيير
وغضنا في البوادي وحريقة النهار *** والليل أتى مسرعا ليُعلن حالة استنفار
أين أنت يا عمل النهار وأين العلم *** وأين ذاك الفراش الوثير ودفء السرير
السفر قطعة من العذاب والكل ذائقه *** وهو يهوى الرجال ومن عنده الصبر
وتراني متقلّب الأحوال لأقذف بالملل *** فتارة أتغنّى بالقرآن وأخرى يشدّني الذكر
يا مدينة رسول الله ما أبهاك *** وسلام عليك يا قمر المدينة والبدر
عمرتنا أشرقت من آبار علي لما أحرمنا *** وصدحت أصواتنا بالتلبية مع كل زفير
وصارت النيران تشتعل في كياني *** والقلب يرجف وكأنه الحشر والنشر
يا مكة جئناك وأضنانا طول الرحيل *** فهل يقوى العقل للقياك أم ينهار
ولما ولجنا أم القرى وشممنا شذاها *** هرعنا للبيت العتيق كالفار من النار
زاد الحماس والكل صار يترصد الأخبار *** فليس لقيا الحبيب بحبيبه من الأسرار
هلا فرشت لنا الأرض حرما آمنا *** فلقد سئمنا الخوف وهرمنا من حكام وجور
وتلك مآذن الحرم تعانق السماء وتتباهى *** وأبنية كلها حضارة ورُقي وزينتها الأنوار
وساعة مكة تذكّرنا بخطورة الوقت ومعناه *** والناس حولي أمواج عاتية يستعجلون النهار
واختلط الحلم بالحقيقة لما خطفت الكعبة ناظرينا *** وشدّنا جمالها إليها كالسحر وقت السحر
وخشعت الأصوات للرحمان وبدأنا نطوف *** فمن حب مكة فاضت من لساني الأشعار
سبعة طفناها ولم ننسَ الحجر الأسود *** وعند المقام صلّينا وسلبتنا الأذكار
شربة هنيئة من ماء زمزم أحيتنا *** وطمعنا بشربة مثلها عند الحوض يوم الحشر
وتتبعنا خُطى أمنا هاجر في المسعى *** من صفا إلى مروة وغايتنا كثير الأجر
ثم تحلّلنا بحلق الرأس أو التقصير *** ونبذنا ذنوبا أعيتنا لنلحق بالأخيار
هذه مناسك العمرة وشعائرها بكل إيجاز *** ولنا في الحج نصيب من خلال المزار
إلى منى رحلنا لنرجم إبليس وننتقم *** من حقدنا على من يريدنا له مهر
وفي مزدلفة طاب لنا ظل الخيام *** وصعقتنا ضخامة المكان وبُعد النظر
وإلى عرفات سرنا بخُطى الحجّاج *** وصعدنا جبل الرحمة بكل همة وإصرار
وذاك غار حراء ليس كأي غار *** وغار ثور ومسجد نمرة يكملان المسار
جمعة مكة وشمسها بكل مال لا يُشريان *** وعذب الأصوات تُطرب الجسد والأحجار
جدّة السعودية لم تغب عن البال *** فما أشد الشوق لبلاد العرب والأحرار
وموج اليمّ سلّم عليّ هناك وحيّاني *** وفي مسجد الرحمة صلّينا وفوق البحر
وسمك الأحمر غذّى الروح مني ووجداني *** والذكريات نسيت النسيان في الذاكرة والصور
إلى مكة عدنا لنعلن الفراق بسرعة الرياح *** فالوداع كل الوداع يا بكة الخير والطهر
ووداعا يا حب العدنان وقبلتنا والكعبة *** ووداعا لطواف وسعي وزمزم وعصر وفجر
فالله أدرى إن كانت لنا عودة أو لا ثاني *** للغمس في العسل وتذوّق جنة الدهر
وهاجرنا هجرة رسولنا إليه واشتقنا *** لمدينة السلام وللقيا الحبيب والقبر
وغنيتُ طلع البدر علينا لما هاجرنا *** ألا ليت شعري ما هذه النشوة والحبور
يا طيبة ما أهيب طلّتك وما أحلى *** سحرك فهل تقبليني ضيفا بين الأنصار
هذا مسجد خاتم الأنبياء يطلبنا ونطلبه *** وليس من يرى جمال الحرم ينسى المختار
وروضة الجنان هي زينة المكان وحلّته *** وبيت العدنان ومنبره كالذهب والقناطير
عند قبر رسول الهدي فاض الدمع شلالات *** وأبو بكر وعمر سلّمنا عليهم وانقضضنا كالصقور
إلى أحد شددنا الرحال وذكرنا الخسران *** فهلا أطعنا الوالي وتركنا عصيان الأمير
وهذا قبر حمزة يذكّرنا بشِيَم الرجال *** فهل نتلقّن عبر التاريخ أم نختلق الأعذار
وهذا مسجد قباء قد سطّر فجر الإسلام *** وقبور صحابة في البقيع أولئك الأبرار
وداعا يا مذكّرات سائح في أرض الحجاز *** وإلى اللقاء يا ليل المدينة والأسحار
أقصانا نحن عائدون إليك في مسرانا *** والشوق يزداد ما اقتربنا من الأهل والديار
هذه حكاية رحلة العمر في العمرة *** ولله الحمد على جميل النعم في العلن والإسرار

27.5.11

في ذكرى النكبة 2011



عربيتي هويتي وهي عنواني ... وحبي لوطني مزروع في كياني
نابت في جسدي متجذّر في أرضي ... وأوراق الزيتون تغطي الرأس ووجداني
ليس هذا من أضغاث الأحلام ... وليس كابوسا أو مسا من الشيطان
ولكنّها ذاكرة تأبى النسيان ... وواقع شعب لعق الصبر والنيران
سماء الحرية بقيت مطلبنا ... ودحر الظلم هي غاية الأماني
لسنا إرهابا ولكنا أصحاب البلاد ... والمحتل يكتب تاريخ البهتان
شلّت يد من كذب على نكبتنا ... وملعون ذاك المنكر للعدوان
هم الكلام والباء مكان الميم ... وهم قتلوا وشرّدوا ثم يطلبوا الغفران
إن ظنوا يوما أن السلاح يغلب ... فذاك الدهر رددها وهيهات يفهم العقلان
لا يُغلب أصحاب حق وإن قلّوا ... فنحن عند الزحف أشجع من الثيران

5.4.11

في ذكرى يوم الأرض



ثورة تأتي وثورة تروح ونحن حائرون ... وهل ينفع الصمت في عصر الجنون
حائرون بفكرنا قاعدون بعزيمتنا ساكتون ... لا نملك أن نقول لا ولكنّا لسنا نهون
أرضنا في يوم أرضنا تصرخ من آلآمها ... وهي عرضنا ولأمانتها نحن نصون
في كل يوم تتجدد نكبتنا وصرخة المظلوم ... والأراضي تُصادر والأبرياء يقتّلوا والعالم في سكون
ووديان الدموع تجري شلالات في نكستنا ... وليس ذبح الأطفال واستحياء النساء يُنسينا فرعون
هذا قانون عنصري آخر لمحو وجودنا وثقافتنا ... وتلك جرافة شيطانية تسطّر الإرهاب المكنون
تراب بلادي يشهد بفلسطين وعروبتي ... والزعتر يعرفني والصبر والزيتون والليمون
لا تحزنِ يا فلسطين إن داس عليك المعتدون ... فالظلم يدوم ساعة وليته جائهم خبر قارون
وليتهم قرأوا صفحات التاريخ وقلّبوها جيّدا ... ليعلموا أنّها ليست الطائرة تُخيفنا ولا المارون
فلنا الماضي هنا ولنا البحر والشّجر والحجر ... والموت في أرضنا شرفنا والفرد منّا مليون