13.9.13

"الفردية"، "العائلية"، "البلدية"، "الوطنية" و "العالمية"


في ظل اقتراب موعد الانتخابات للسلطات المحلية، تبدأ الدعايات الانتخابية البنّاءة والهدّامة، وتزيد العقليات العشائرية والقبائلية من بروزها، ولربما ظهرت على الساحة سجلات قديمة من الكراهية والخلافات، وكل ذلك من أجل دعم المرشح الوحيد والأوحد لعائلة فلان! والأهم من ذلك كسر منافسيه، اذ لا يكون النضال نضالا بدون كسر المنافسين، والكسر يكون بكل الوسائل المتاحة، كالتخريب على الآخرين من خلال المناشير والإعلام وكإطلاق النار على البيوت والتهديد بالقتل ولربما محاولة الابتزاز للتنازل عن الترشّح للانتخابات، وكل ذلك بالطبع يصب في الدعاية الانتخابية الهدّامة، اذ أن هذا النهج يعتمد على قانون الغاب الذي بموجبه البقاء للأقوى. أما الدعاية الانتخابية البنّاءة فهي لا تعنينا بالمقام الأول للأسف الشديد، وان عنتنا فهي لا تكفينا ولا تُشبعنا، فأن يشتغل المرشح على طرح منظومة فكرية جديدة وبرنامج انتخابي خلّاق وخطوات عملية لإصلاح البلد، كل ذلك لا يضمن فوز المرشح في نظرنا، وانما ينبغي التمسّك بالعائلية والاغراءات المادية والوعودات "المصلحجية" واسقاط المرشحين الباقين، وبعد ذلك يصلي المرشح قيام ليل يبكي فيه من خشية الله ويطيل في الدعاء ليطلب الفوز والنصر من عند الله على المُخالفين وعلى الأعداء، ويعلن توكّله على الله بعد أن توكّل على العباد!

ولا يمكن الانكار أن العائلية تُسيطر على عقولنا، فإن كان قريب العائلة مرشحا، أحسسنا بضرورة التصويت له، وان صوّتنا لغيره شعرنا بالخيانة ولخفنا من العائلة ولتستّرنا على موقفنا المتخاذل، لأن الإعدام مصيرنا ان بُحنا بهذه الجريمة النكراء، وان لم يكن اعداما ماديا فهو اعدام بمعنى المقاطعة والمشاحنة والنبذ! ولذا وجب احداث تغيير جذري في منظومة الأفكار المجتمعية، بحيث ينبغي الترويج لاختيار المرشح وفقا لمعايير جوهرية، كقدرة المرشح على القيادة، والأفكار التي يطرحها، والخطوات العملية التي ينوي احداثها، مدى واقعيتها ومدى ملامستها لمتطلّبات أهل البلد، وهذه المسؤولية تقع على عاتق كل فرد من أفراد البلد، فالمرشحون يُدرجون هذه المعايير في دعاياتهم الانتخابية، ورؤساء الجمعيات والحركات والمنظّمات يُوعّون لأهمية الأمر، وخطباء المساجد كذلك، والوالدان في البيت، والصاحب لأصحابه وهكذا. لكن تأكيد فكرة اختيار المرشح على أساس الكفاءات لا تكفي، وانما ينبغي اختراق مفهوم العائلية، من خلال التأكيد على الامتناع عن الاختيار وفقا لمناظير عائلية وانما وفقا لمناظير الكفاءات.

ان الانسان وُلد حرا ولذا كان حريّا باختياراته أن تكون حرّة ومستقلة ونابعة من الذات، فلا الضغوط المجتمعية ولا المصالح ولا أواصر المحبة والقرابة هي التي يجب أن تُحدّد اختيارنا، وانما العقل الصريح والمنطق السليم والفطرة الحسنة. لذا فإننا نقترح تبديل عدسات النظر "الفردية" و"العائلية" بعدسات أوسع وأشمل، ليتسع مجال الرؤية ولتتضّح معالم الطريق أكثر، فـ"الفردية" تملي علينا تصرّفا "مصلحجيا" أنانيا، بمعنى أن مصالحي مقدّمة على كل المصالح الأخرى والآخرون لا يعنوني، و"العائلية" تملي عليّ اتباع الآباء والأجداد وان كانوا على جهل وبذلك المساهمة في حفظ "جينات الجهل"، أما "البلدية" فهي اطار أوسع، وهي تعني التفكير في ما يصبّ في مصلحة البلد وأهلها، و"الوطنية" تعني التفكير في ما يصب في مصلحة الوطن كل الوطن، فإن كان هناك مرشحا معروفا بقدراته الفائقة على التواصل فهو مُقدّم على غيره، لأنه سيفيد في الاتصال والتعاون مع رؤساء آخرين لتنظيم احتجاجات قطرية مثلا، ولإخراج وادخال مشاريع من والى البلد، و"العالمية" هي التفكير في ما يصب في مصلحة العالم، فمثلا ان كان أحد الأهداف عند المرشّح هو المحافظة على البيئة فهو مُقدّم على غيره ان فكّرنا في مصلحة العالم. انها دوائر التفكير المختلفة ولو وسّعنا آفاقنا وتنازلنا عن عصبيّتنا القبلية، العشائرية، العائلية والفردية، لاخترنا المرشّح الذي يكون هو الأفضل للبلد، للوطن كله، وللعالم.

4.9.13

اقتلها ولك الجنة!




هو: اقتلها فلم تُطعْ والدها! هي: هل أعطيتها فرصة لتطيعك؟

هو: اقتلها فهي أنثى! هي: أليست الأنثى بشرا؟

هو: اقتلها فهي ضعيفة مسكينة! هي: أتريد أن تُثبت رجولتك عليها؟

هو: اقتلها فهي تتكلّم مع شاب على التليفون! هي: ألم تكلّم أنت في شبابك مئة امرأة؟

هو: اقتلها فهي رخيصة! هي: ألست أنت من ربّاها؟

هو: اقتلها فلا يحقّ لها أن تعيش! هي: هل أنت ربّها حتى تُقرّر؟

هو: اقتلها فقد فضّت غشائها! هي: ألا يخطئ الانسان؟

هو: اقتلها فقد شوّهت سمعتك! هي: هل سمعتك أغلى من بنتك؟

هو: اقتلها ولك الجنة! هي: هل أنت مجنون؟

القول الفصل !


كثير من كبار السنّ أو ممن ظنّوا أنفسهم أساتذة كبار بعد تحصيل قدر من العلم، يُصرّون على اطلاق القول الفصل الذي يحسم النقاش والجدال ويُجهز على خصوبة الحوار ويقضي على حيوية الفكر، ما لم تنتبه المجموعة الى هذا القول الفصل، وتحاول ادخاله مجدّدا الى حلبة النقاش بعد أن قام صاحبه بإخراجه، إما لأنه يريد أن يُريح نفسه من الجدال مع البسطاء وإما لأنه لا يريد أن يُغيّر قناعاته التي بناها على مرّ السنين وعلى أثر الخبرات المتراكمة، وفي كل ذلك كِبْر، إذ صحيح أن للخبرة حقّها وللسنين أثرها، ولكن طريقة عرض القناعات ينبغي أن تكون مرنة، بحيث يعرض الإنسان رأيه، ولا يتعصّب له، فهو واعٍ لضرورة النقد ولا يهمّه ان جاء النقد ممن يصغره في الجيل أو في العلم، فلكل جيل ولكل درجة علمية وجهة نظر ورؤية مختلفة ولو استمعنا الى هذه الرؤى لأغنينا مكتبتنا الفكرية، وان لم تُفدنا آراء الآخرين، فلن تضرّنا، وحسبنا أننا ساهمنا في فتح المجال للنقاش وبالتالي للتفكّر ولم نُغلق بابه بمجرّد اطلاق القول الفصل!

وحتى لو كنا مُتأكّدين من فضل رأينا على الآراء الأخرى، فلا ينبغي أن نفرضه على الآخرين فرضا، لأنه في الغالب لن يُقبل، ولو كان هو الأصح، ولكنّ الطريقة الأفضل هي الإقناع وعرض الأدلة والبراهين والحجج التي تدعم قولنا! ربنا جلّ وعلا يقول لرسوله الكريم رغم أنه جاء بالحقّ والصواب: "ولو كنت فظا غليظ القلب لانفضوا من حولك"، ففرض الآراء بالقوة والإكراه غير واردين في قاموس مصطلحاتنا.

سذاجة الحياة اليومية !


تمر سنون كثيرة من عمر الإنسان حتى يصطدم بأسئلة مثل: ماذا سأقدّم لمجتمعي؟ وأي أثر سأترك من خلفي؟ وما هي انجازاتي وما هي البصمة التي سأتركها من ورائي؟ وهي أسئلة جوهرية تصبّ في معنى حياة الفرد، لأن الإنسان يدرك من خلالها معنى حياته وما هي مميزاته!

لكن أغلب الناس يعلقون بأمور روتينية وبمتطلبات الحياة اليومية، مثل: التعليم، العمل، بناء بيت، شراء سيارة، زواج، تربية أولاد، زيارة أقارب، أعراس، بيوت عزاء وما الى ذلك، وهذا لا يعني أننا نُقلّل من قيمة هذه الأمور، ولكن القصد هنا أن الانسان الذي يسعى نحو التميّز لا يجب أن يكتفي بأعمال يشترك فيها أغلب الناس، وانما عليه أن يطلب ما يتعدّى حدود الحياة الروتينية. وقد استعملت كلمة "يعلق" لأن الغالبية يحسّون أن حياتهم رتيبة ولا تحمل في طيّاتها بصمات خاصة، وهم لا يعرفون كيف يتحرّرون من ذاك الروتين وتلك الرتابة!

فروتين الحياة في أحيان كثيرة يحول بيننا وبين تحقيق حلمنا وميّزتنا واضافتنا على هذه الحياة، اذ نُفضّل أن نكون كسائر البشر، بدلا من أن نكون مُختلفين لنحقّق أسطورتنا الشخصية، وبذلك تتكرر النسخ البشرية دون أن يأخذ كل فرد منا دوره الشخصي، الخاص والمميّز في اعمار الأرض وتحقيق وظيفة الاستخلاف، ولن نستغرب ان نسي التاريخ هؤلاء الأشخاص سريعا لأنهم لم يتركوا أثرا من بعدهم يدلّ عليهم.

تعليم المرأة وعملها ...


لا يُعقل أن تكون أمّهات أطفالنا واللواتي سيُرضعنهم حليبا وحنانا وحبّا وثقافة وطبائعا، لا يُعقل أن تكون هؤلاء الأمّهات قليلات الاطلاع، ضيّقات الثقافة، قاصرات في العلم، لأنّ قاعدة فاقد الشيء لا يُعطيه تسري في هذه الحالة، لتكون الأمّ من هذا النوع عاجزة عن العطاء الفكري والثقافي، واذا كانت الأم قُدوة الولد فسيمرّ وقت ليس بالقليل حتى يدرك الشبل منابع الثقافة بنفسه، ولذلك كان من المنطقي جدا تفاني المرأة في تثقيف نفسها وإثراء دائرة اطلاعها والارتقاء في سلّم العلم، إذ أنها هي حاضنة الطفل ومُرضعته الأولى.  

أما فيما يتعلق بعمل المرأة فأنا أميل الى فتح الأبواب، بخلاف من يدعون الى غلق الإمكانيات المُتاحة في وجه الإناث كي يبقين في البيوت، ففي ذلك استبداد وظُلم وتحكّم بحرية المرأة، فالأصل أن تكون المرأة حرّة في اختيارها، فإن أرادت أن تعمل في شركة حاسوب فلا يجب أن يمنعها أحد، وكذلك الأمر ان أرادت أن تعمل في أشغال شاقّة مثل: ترميم البيوت وغيرها، لكن عليها أن تنتبه كما على الرجل أن ينتبه الى أن لا يكون العمل على حساب المسؤولية في المنزل، والمرأة عليها أن تنتبه الى هذا الأمر أكثر من الرجل بحكم كون طبيعتها الفيزيولوجية تختلف عن الرجل، فهي التي تحمل تسعة أشهر وهي التي تُرضع وهي التي تفطُم، ولذلك فهي غير مُجبرة على العمل ان كان ذلك يشقّ عليها، ولكن عليها من جهة أخرى أن لا تُمنع من المساهمة في خدمة المجتمع ان وفّقت بين عملها وبيتها.

كرم الإله !


اذا اتجّهنا من "الماكرو" الى "الميكرو"، فتأمّلنا على سبيل المثال العين الانسانية، وكيف أنها مبنيّة على صغر حجمها من الكثير الكثير من الأجزاء، فهي تتكوّن من ثلاث طبقات أساسية: الصلبة، المشيمية والشبكية، وهذه الثلاث طبقات تتكوّن من أجزاء أصغر، فالشبكية تتكوّن من وريقة صباغية خارجية ووريقة عصبية داخلية، والوريقة العصبية الداخلية تتكوّن من طبقة الخلايا البصرية والطبقة الوسطى وطبقة المشابك الداخلية وطبقة عقدية، ويستمر هذا التعقيد والتناسق وهذا الترتيب والنظام الفائقين الى أن نصل الى الخلية ومن ثم الى البروتين والـ DNA ومنه الى الذرة والى البروتونات والإلكترونات والنيوترونات. نفس الإعجاز يأسرنا ان اتجّهنا من "الميكرو" الى "الماكرو"، فالإنسان هو جزء من مواطني دولته ودولته جزء من مئات الدول وهذه الدول تُشكل 30% فقط من مساحة الكرة الأرضية، والكرة الأرضية هي جزء من المجموعة الشمسية، والمجموعة الشمسية هي جزء من مجرّة درب اللبّانة وهناك مجرّات أخرى غيرها ! فكل محاولة لإحصاء النعم ستبوء بالفشل لكثرة النعم التي أنعم الله بها علينا فله الحمد وله الشكر وله الثناء الحسن !

ومن ثم يأتي من يقول لك بعد كل هذا الإعجاز، أن المصائب التي تنزل على رؤوسنا تدلّ على ظلم الإله وأنه خلقنا لكي يعذّبنا ! وهو يُطلق هذا الادّعاء مُتسرّعا وقبل أن يُفكّر في الحكمة من وراء المُصيبة التي حلّت به، ويعتقد أنه ان لم يفهم غرض المصيبة، فإن ذلك يعني أن هذا العالم عشوائي، وينسى أو لا يفهم أن الحكم الإلهية لا يمكن أن تكون ظاهرة ومفهومة لإنسان يعيش في الزمان والمكان ! فالحكم الإلهية هي خارج الزمان والمكان، وتفكيرنا نحن ينحصر في الزمان والمكان وفي الآني واللحظي ولذا فلا يُمكننا معرفة الحكمة من الفعل الإلهي ومن القَدَر الإلهي، وكل ما نملكه هو مجرّد فرضيات تحتمل الخطأ أو الصواب، وبكل الأحوال علينا أن نكون مؤمنين بأن كل ما حلّ بنا وما يحلّ وما سيحلّ هو لصالحنا، إذ أنه لا يُعقل أن يكون من سخّر لنا كل هذه النّعم والتي لا نفلح في احصائها لكثرتها، قد أراد بنا سوءا، فكرمه في النّعم الحسّية يؤكّد كرمه في النّعم النفسيّة والمصيرية !

19.8.13

الإلتقاء والإفتراق


إن الإلتقاء هو الدخول في حالة إجتماعية جديدة بعد الخروج من سابقة، والإفتراق هو الخروج من الحالة الإجتماعية الحالية من أجل الدخول في أخرى، فحياتنا كلها عبارة عن سلسلة من الحالات الإجتماعية المتنوّعة، والإنفراد هي أيضا إحدى الحالات الإجتماعية (أن تجلس لوحدك تدرس لإمتحان).

إن الحالات الإجتماعية التي نتكلّم عنها متنوّعة بشكل كبير ولا يمكن حصرها أو إحصاؤها، فيمكنك أن تذهب لزيارة صديق في بيته أو تذهب أنت وإياه لمطعم أو تخرج في رحلة مع أصدقاء أو تجلس جلسة عمل أو تجلس في قاعة المحاضرة في الجامعة وهكذا، وكلها حالات إجتماعية تختلف إحداها عن أخراها، ومعها يختلف أيضا تصرّفنا وسلوكنا تبعا للحالة الإجتماعية التي ندخل بها وبالإستعانة بالخبرات السابقة التي نكتسبها وبشخصيتنا التي تُوجّهنا. ومن القدرات المُدهشة التي يتمتّع بها كل منا هي القدرة على الإنتقال من حالة إلى أخرى بسرعة عجيبة والتأقلم مع كل حالة والإنخراط بعمق، فهذه المرونة الإجتماعية تجعلنا قادرين على الجلوس مع العائلة على مائدة الصباح ومن ثم ملاقاة زملاء العمل مع فنجان قهوة، وبعدها الدخول إلى المكتب على إنفراد والتهيّء لعمل يوم جديد، إستقبال عشرات الزبائن، الخروج للعشاء مع الأصدقاء وغيرها الكثير من التفاصيل التي تعكس قدرتنا على الإنتقال من وظيفة إجتماعية إلى أخرى: فنفس الشخصية ظهرت كأب، كزميل عمل، كالأنا (إنفراد الشخص)، كموظّف وكصديق!

لكن، رغم هذا التنوّع الكبير، إلا أننا نلاحظ من نظرة فوقية أساسا مُشتركا لغالبية الحالات الإجتماعية والتي أغلب ما تحويه علاقات إنسانية، وهو ما يتمثّل بالإلتقاء والإفتراق. الحالة الإجتماعية الطبيعية هي أن يأخذ للإنسان وقتا حتى يدخل في الحالة الإجتماعية ويتكيّف معها ولكن هذا الوقت لا ينبغي أن يكون طويلا، ومن ثم تجري الحالة الإجتماعية بالقرب الكافي للشخص منها، وفي النهاية يحدث الإفتراق بأن يبدأ الإنسان بالخروج من تلك الحالة ليرجع كل إلى عالمه أو ليدخل في حالة أخرى، الخروج أيضا لا ينبغي أن يستغرق كثيرا من الوقت (انظر الصورة، الرسمة "أ"). لكن إلى جانب كل طبيعي تتواجد الحالات الخاصة وهن ثلاث حالات:

1- الإلتقاء المُتأخّر: وهو أن يأخذ للشخص وقتا طويلا يزيد عن الطبيعي حتى يندمج مع الحالة الإجتماعية التي يُواجهها، وبالتالي يكون ذلك على حساب نجاعة هذه الحالة، ولكنّ الخروج منها يكون عاديا ولا يستغرق وقتا إضافي (انظر الصورة، الرسمة "ب")، ونضرب مثالا على حالة إجتماعية كهذه: هناك من الأشخاص من يستصعبون البدء بمهمة ما ولكنهم إذا بدءوا بتلك المهمة فإنهم يُنجزونها وينجحون في الخروج من تلك الحالة بسهولة، فالبداية عندهم تستغرق وقتا حتى يدخلوا جيدا إلى الحالة التي هم في صددها، وذلك يكون على حساب وقتهم المُخصّص لتلك الحالة. كثيرا ما يظهر الإلتقاء المُتأخّر عند مواجهة أمور غير مرغوبة أو حالات مُخيفة أو حالات جديدة.

2- الإفتراق المُتأخّر:  وهو أن يأخذ للشخص وقتا عاديا حتى يدخل إلى الحالة الإجتماعية، ومن ثم تمر بشكل طبيعي، ولكن الخروج منها لا يكون سهلا إذ أنه يستغرق وقتا طويلا (انظر الصورة، الرسمة "ج")، ونضرب مثالا على حالة كهذه: عندما يلتقي الإنسان بشخص طال فقدانه أو إنسان يُحبّه فإن الخروج من تلك الحالة الإجتماعية يطول. كثيرا ما يظهر الإفتراق المتأخّر في الأمور التي نرغب بها، أو نحبها، لأننا نرغب ونريد هذا الإفتراق المتأخّر، وعلى العكس يمكن أن يظهر في حالات مُفزعة وعندها نريد أن نتخلّص من تلك الحالة بسرعة ولكننا نبقى عالقين فيها بحكم تأثيرها السلبي القوي، كأن نفقد شخصا عزيزا. 

3- الإلتقاء والإفتراق المتأخّران: وهو أن يأخذ للشخص وقتا طويلا حتى يدخل في الحالة الإجتماعية ومن ثم يأخذ منه وقتا طويلا للخروج من تلك الحالة، وهي أفظع الإحتمالات لأنها تكون على حساب نجاعة الحالة وعلى حساب الوقت المُخصص لتلك الحالة (انظر الصورة، الرسمة "د"). نضرب مثالا على مثل هذه الحالات: شاب صغير يذهب مع أصدقائه للسباحة في بركة، فيرى الكثير من الحوافز حوله عند وصوله المنتجع السياحي، مما يُربكه ويأخذ منه وقتا إضافيا حتى يندمج مع أصدقائه، ولكنّه بعد الإندماج يصرّ على البقاء إلا أن المنتجع سيُغلق أبوابه فيجبره ذلك على الخروج ولكنّه يبقى يفكّر في تلك المغامرة لساعات أو ممكن لأيام!

إن عمليتي الإلتقاء والإفتراق لا يحدثان في الواقع بالبساطة التي نعرضها هنا وليس بهذا البُطء، فأغلب الحالات الإجتماعية تكون سريعة المرور وعلى أرض الواقع تكون مُفصّلة أكثر، ولك أن تتخيّل عندما تخرج إلى رحلة مع العائلة أو مع أصدقائك إلى "مدينة الملاهي" الكم الهائل من الحالات الإجتماعية التي تمر بها. كما أن هاتين العمليتين لا يتمّان بترتيب صارم، إذ يمكن لحالات إجتماعية مختلفة أن تتداخل ببعضها، والمثال على ذلك هو عندما تخرج إلى رحلة العمر زائرا إحدى الدول التي لطالما حلمت أن تكون فيها، فعند رجوعك إلى البلاد تدخل في حالات إجتماعية كثيرة ولكن تأثير الرحلة لا يزال قائما، كما أننا نلاحظ في هذا المثال إمكانية إندماج عدد من الحالات الإجتماعية لتتشكّل حالة واحدة عامة، حيث أنك في رحلتك تلك قد مررت بالكثير من المحطّات ولكنّك تصوغ من كل ذلك حالة إجتماعية عامة وتسمّيها تأثير الرحلة.

إضافة إلى ذلك فإن الحالات الإجتماعية تختلف عن بعضها بقوة تأثيرها على الفرد (أن تتكلّم مع أخيك هي حالة تختلف كثيرا عن تكلّمك مع خطيبتك)، وكذلك تختلف بمدّة تأثيرها (أن تجلس مع العائلة في البيت هي حالة تختلف عن سفرك إلى خارج البلاد للتعلّم ودخولك إلى سكن جديد وبيئة لم تعهدها من قبل). كما أن الألفة والإعتياد على الحالة الإجتماعية تجعلها تمر بسلاسة وبصورة أوتوماتيكية أكثر، ولك أن تتخيّل الفرق بين أيامك الأولى في قيادة السيارة وبين قيادتك بعد ثلاث سنين، أو اليوم الأول عند استلام وظيفة جديدة وحالتك بعد سنة كاملة من مزاولة نفس العمل، فهذا يدل على أن التكرار هنا يزيد من الخبرة المُكتسبة ويجعل تنفيذ كثير من الأمور يتم بصورة غير واعية ولهذا تمر بسرعة. كما أن الدخول في الحالة، أي المرحلة التي بين الإلتقاء والإفتراق، لا تعني وتيرة واحدة من الإندماج، ولكن لتبسيط الصورة تم التعبير عن هذه المرحلة بخطّين متوازيين، إلا أنه في الحقيقة يبدأ الشخص بالدخول رويدا رويدا حتى ينخرط في عمق الحالة التي هو في صددها، ومثالنا على ذلك أن الكاتب بعد عشر دقائق من بداية الكتابة يكون عادة إندماجه مع ما يكتب أقل من إندماجه بعد ربع ساعة، إن قرّر أن يكتب لمدة ساعة كاملة مثلا. 
 
 
 
 

القدس !


القدس ! كلمة وأي كلمة ! إنها كلمة خماسية مباركة من ألفها إلى سينها . أوسطها يربطها بمركزها . إنها كلمة تهمس في الآذان همسة سينية مُثقّلة بكل أصناف الحب والشوق والحنان والألم من أجلك يا أيتها السخية الصامدة . القدس ! كلمة رنانة تبدأ بأول محطة في مشوار أبجديتنا وتقفز بقوتها الأبدية قفزة نوعية إلى أن تستقر في نهاية المطاف في وسط الطريق الذي يفديها بكل عناصره. سلام عليك يا من وقفتِ في وجه من أرادوا أن يدفنوك تحت التراب لترث أورشليم مكانك . لك ولمن حماك النصر القادم إن شاء الله .

البحر لنا !


اشتقتُ إليك رغم برد الشتاء ! اشتقت لموجك ولمدّك وجزرك ! اشتقت إلى هدوئك وسكينتك ! اشتقت إلى هيجانك وجدّيتك ! أحببتك لأني لامستك كثيرا ، عشقتك لأنك بعُدتَ عني ، تُهت في هواك لأني ما زلت أبحث عنك في ثقافتي . هنا وجدتك في ثقافتي الإسلامية مُعشعشا فيها ، وهذا لا يعني أني قرأت تاريخ الإسلام من بدايته إلى نهايته ، ولكنّي أعلم أنّ ديننا هو دين الفطرة السليمة ولذا كان إدعائي . أما في ثقافة مسلمي اليوم فلم أكد أشمُّ رائحتك الفريدة ، ولم أكد أشعر أنك مصاحب لمصليي المسجد ولا للقانتين في ليلاهم ولا للباكين من خشية الله .

وصيّتي ما قبل الرحيل !



اليوم أودّع بلادي وأوطاني وأبتعد عن الجُرح الفلسطيني ولا أدري ءأعود أم لا . اليوم أترك أحبابي وأقربائي في ديارهم ولا أدري إن سيحالفني قدري برؤيتهم مرة أخرى . وداعا يا فلسطين ! وداعا يا أيها الأقصى الحزين ! وداعا يا كل أصحابي !

يا أبنائي وأبناء هذا الوطن التليد لا تتركوا أرضكم فهي عِرضكم، ولا تجدّدوا نكبتنا وإنّما تشبّثوا بها تشبّث الحبيب بمن يحب، ولا تشروها بمال الدنيا كلّه فالمال يزول والتاريخ يبقى محفورا في الأذهان . أريد منكم أن تُكملوا مسيرة نضالنا وكفاحنا لعيش كريم يتّصف بالحرية وبكل مظاهر الإنسانية وإياكم أن تناموا أو تسكن أنفاسكم أو يصيبكم الوهن .

يا أبنائي لا تنسوا رفع راية هذا الدين العظيم، ولا تخجلوا يوما من عمل صالح ولو احتقرته الأنفس فرب عمل صغير تعظّمه النيّة . أكملوا مسيرة الوحدة ولُمّوا الشّمل ولا تدعوا الأعمال الشيطانية والأفكار الدنيوية تفرّقنا وتباغضنا وتشاحننا، وابحثوا عن منهج الوسطية وإياكم من التشدّد أو التساهل . كونوا أينما يُحب الله أن يراكم وابتعدوا عن حيثما يريد الله أن يفتقدكم . هذه الدنيا حقيرة فلا تُشغلكم عن غيرها، وادخلوا في كل المجالات المباحة، فالإسلام هو دين الشمولية وهو رحمة للعالمين .
- كُتبت قبل الخروج الى رحلة العُمرة لعام 2011م – 1432هـ