28.6.14

أخلاقية الدين !


لو أمعنا النظر في وظيفة الدين، لفهمنا أنه جاء من أجلنا ولمصلحتنا، فالله غني عن عبادتنا وعنّا وحري بالخالق أن يكون كذلك، أما نحن فلا حول لنا ولا قوة إلا بالله! فمرض السرطان يهزّنا ويهزّ جميع أبناء العائلة، والسرطان أنواع، فمنه سرطان الدم، وسرطان الأمعاء، وسرطان الثدي ... وسرطان الدم أنواع: فهناك الـ ALL والـ AML والـ CML والـ CLL، وأمراض أخرى غير السرطان لا تُعدّ ولا تُحصى. وأخطار أخرى غير الأمراض تحدق بنا من تحتنا كالبراكين والزلازل والهزّات الأرضية، ومن فوقنا كالنيازك وانهيار الأبنية والجسور، وبين أيدينا كحوادث الطرق والإصابات المختلفة والحروب. وفي البحر هناك احتمال للغرق، للضياع وللموت، وفي الجو هناك احتمال لسقوط الطائرة أو لاصطدامها بعائق أو لانحرافها عن مسارها. وهناك كوارث طبيعية أخرى كالفيضانات والأعاصير والحرائق والجفاف والأوبئة، وما لا يخطر على البال من كوارث مُفاجئة. ان الإنسان بهذا المفهوم هو ضعيف وهو محتاج لدعم متواصل ومدد مستمر، وخير دعم وخير مدد يستمده الانسان سيكون من خالقه، لأنه هو أخبر باحتياجاته وهو أعلم بما يُصلح حاله وينجّيه من كل المخاطر الى برّ الأمان.

وليس الدين كما قال قسم من الفلاسفة أنه أداة لتخويف الشعوب، وبالتالي تسهل امكانية فرض القوانين والنظم عليهم. وليس خدعة أو مخدّرا كما قال ماركس: "الدين أفيون الشعوب". وانما جوهر الدين هو الرحمة! فالقوانين والسنن الإلهية تصبّ في مصلحة البشر، والإسلام لم يُحرّم شيئا الا لحكمة معينة عرفناها أم جهلناها. وبالتالي هي قوانين من الخالق الخبير بعباده، لتُساعدهم على النجاح في اختبار الحياة الدنيا. الحياة الدنيا هي اختبار، لكنها اختبار مع اجابات مُعطاة واضحة، وما علينا الا تعبئة هذه الإجابات في المكان الصحيح لنحصل على المكافأة التي تفوق عملنا وجهدنا بأضعاف لا يعلمها الا الله!

ولو تخيّلنا العالم بدون دين وبدون أخلاق وبدون فطرة حسنة، لكان أقرب الى الغاب. فكل شيء مسموح، وبالتالي القوي يأكل الضعيف، والبقاء للأقوى، لأن الفقير سيسرق ليعيش، والغني سيسرق ليغنى أكثر، ولن يأمن أحد على ماله وممتلكاته فالكل يسرق! ولاختار الناس أن يلبسوا ما يريدون وأن يخلعوا ثيابهم متى أرادوا! والمعاشرة ستنتشر في الشوارع، ولن تنحصر بين رجل بالغ وامرأة بالغة، وانما ستكون مُبعثرة، فيمكن أن تكون بين رجل بالغ وطفلة صغيرة، وبين امرأتين أو رجلين، أو بين أخ وأخته، أو بين أب وابنته، أو بين أم وابنتها، أو بين طفلين لم يبلغا سن البلوغ لأنهما يشاهدان الجنس في الشوارع فيفعلان ما يفعله الآخرون تقليدا! وعندها ستفوح روائح الجريمة، فالقوي سيقتل الضعيف، ولربما يأكل من لحمه بعد قتله، اذ لا ممنوع ولا حرام! وسيشرب الناس ما يريدون وسيسكرون الى الذروة وستخدّرهم المخدّرات! ولن يحفظ أحد ممتلكات غيره ولا الممتلكات العامة، لأن الأنانية هي الحاكمة!

لكننا لا نتوقّع أن يصل بنو الانسان الى تلك الهاويات، لأنه حتى بغياب الدين تبقى هناك الأخلاقيات التي يُمليها العقل، وتبقى هناك الفطرة التي زرعها الله في البشر. وحتى لو شُوّهت هذه الفطرة، فإنه يبقى لها آثارا في أحيان كثيرة. وفي أسوأ الأحوال فإنه من الممكن أن تصل جماعة من الناس الى تلك الهاويات وليس كل سكّان الأرض، لأن العقلاء موجودون في كل زمان ومكان. لذلك فإننا نرى علمانيين وملحدين يتحلّون بأخلاق عالية، ذلك أنهم حكّموا عقلهم في تحديد التصرّفات الأخلاقية من غيرها. لكن على الرغم من ذلك، فإن التسامي الأخلاقي لا يصل الى ذروته، الا مع اتباع الدين الحق، لأن العقل البشري يقف عاجزا عن الإحاطة بكل جوانب المسائل الأخلاقية المختلفة، اذ يبقى في القانون الدنيوي ثغرات وفجوات. أما القانون السماوي ففيه الكمال الأخلاقي، لأنه منصوص عليه من الخالق الخبير بعباده وليس من بشر يُخطئ ويُصيب. فالاعتماد المُطلق على العقل البشري وتأليهه، يودي في النهاية الى أخطاء والى استساغة الحرام وفقا للتعريف الديني. فعلى سبيل المثال، يمكن للعقل البشري أن يُبارك معاشرة الحبيب لحبيبته، لأن السعادة ستغمر قلبين ونار الحب ستشتعل في الحبيبين، وهل هناك أحسن من الحب في هذا العالم ؟! ان المحبة هي المطلب الأسمى والكراهية هي المرفوضة ولذلك سيُبرّر العقل لنا ممارسة الحب، بما في ذلك قُبلات الشوارع وممارسة الجنس ما قبل الرباط المُقدّس. هذا التبرير نابع من قصور العقل البشري في ادراك كل الجوانب المحيطة بالمسألة وعن حصر التفكير في المدى القريب. فلربما لم يخطر على بال العقلاء أن خلافا بسيطا يمكن أن يُفرّق بين الحبيبين، لأنه لا رباط مقدّس بينهما، والافتراق يسير نسبيا! ولربما لم يخطر على بال العقلاء أن الحبيبين لا يعيشان في فراغ، فأحقاد الأقارب تتربّص بهما في حال لم يُوافق على الارتباط من أصله!

ثم ان التربية الدينية الصحيحة تُتنج في بني الإنسان رادعا داخليا عن فعل الحرام. فلو سمح قانون الدولة بفعل حرام ولو كان فعل الحرام يسيرا أو على مقربة من الإنسان، لما اقترب منه المتديّن حقّ التديّن، لأن رادعه الداخلي سيمنعه. بخلاف القانون الذي يُنتج لنا رادعا خارجيا، ولو سمح القانون بالفعل لفعله ذاك الإنسان دون أدنى تردّد، ولربما بحث عن ثغرات في القانون ليحتال عليه وليفعل ما تتوق اليه نفسه. ولذلك رغم تغنّي الدول المُتقدّمة بالأخلاقيات، نرى أن هناك نسبة الجريمة من أعلى النسب في العالم، ذلك أن الرادع هو رادع خارجي، وان استطاع المُجرم بذكائه تدبير خطّة محسوبة للهرب من أيدي القانون لفعل فعلته فورا!

السرقة !

لا يختلف اثنان في عصرنا أن السرقة هي فعل شنيع، والسارق له عقابه في القانون، ولكن كثيرا ما يغيب عن بالنا دور الدين في تحريم السرقة! على الرغم من وضوح شناعة السرقة في عصر حقوق الإنسان، فإن العالم اليوم يعاني من هذه الفعلة، ولو لم يلتفت الى كل محاولات السرقة، فكثير من المسؤولين في الدول المختلفة يسرقون أموالا ويختلسون من خزينة الدولة على حساب الشعب، بمعنى آخر يسرقون من أفراد الشعب! والدول العُظمى تسرق ونحن لا ندري، فهي تفرض هيمنتها على العقول وعلى الكنوز وعلى النفط! وتُعلن الحرب حفاظا على حقوق الإنسان ومنعا للظُلم والاضطهاد، في حين تكون غايتها خسيسة ألا وهي استعمار الشعوب ونهب ثروات البلاد والعباد! ان أمريكا بدخولها العراق قد سرقت وأفحشت في السرقة، وكذلك في دخولها لأفغانستان، والاستعمار الذي كان وما يزال هو أيضا سرقة!

فميثاق حقوق الانسان اذاً لم يضمن لنا استقامة البشر، لأنه - كما قلتُ سابقا - القانون هو مجرّد رادع خارجي. كما أنه يمكن تبرير السرقة بالاستعانة بالعقل من خلال عدة طرق، فيمكن أن يقول الإنسان لنفسه: "الدولة تسرق مني ضرائب كثيرة، وبما أني صاحب حق، يمكنني اذا السرقة من أموال الدولة متى سنحت لي الفرصة" أو "الكل يسرق، واذا لم أسرق بنفسي، فسوف أفقد كل أملاكي" أو "أنا محتاج لمزيد من المال لكي أسعد أبنائي ببيت دافئ وسيارة جديدة، ولذلك أنا مضطر لتحصيل الأموال بطريقة ذكية"! فحتى لو اعتبر الانسان نفسه سيّد العقلاء، يمكن لتفكيره أن يأخذه الى تبرير السرقة والى التخفيف من شناعتها كما يمكن ملاحظة ذلك في التبرير الأخير أعلاه. فلم يُطلق الرجل على فعلته اسم سرقة، لكي لا يشعر بالذنب على أثر فعلته، وانما أطلق عليها اسم "تحصيل الأموال بطريقة ذكية"! أما في التربية الدينية، فإن السرقة تبقى سرقة ولو كانت من عدو! فهو مال حرام لأن الإنسان يأخذ ما ليس له، وهو بالتالي يسرق أتعاب الآخرين. وهذا بطبيعة الحال لا يتّسق مع روح الإسلام الذي يقول أن الأجر على قدر المشقة، ورغم أن القصد هنا هو الأجر الأخروي ولكن المنطق هو نفس المنطق، فأن يتعب آخر وتأتي أنت لتسلبه حصيلة أتعابه دونما تعب وجهد، فهذا مما لا يقبل به الدين!

ثم ان السرقة هي فوضى عارمة بحد ذاتها، لأنها تخترق الحدود، وتخترق حقوق الآخر. فكأنّ شرعنة السرقة تقول لنا أن لا اعتبار للملكية الخاصة وما هو معك اليوم يمكن أن يصبح مع الآخر في غضون ساعات، فالحدود مُخترقة، والأموال تنتقل من المسروق الى السارق بعشوائية غريبة. وبذلك ينعدم الإحساس بالأمن والأمان ويسود احساس بالعشوائية، فلا أمان على الأملاك، وكل ملك مُرشّح لأن يُسرق! وليس يسوى أن يعمل الانسان ويجتهد ويكدّ، لكي يُحصّل قوتَ عيشه، لأن السارق سيأتي ويسرق الأموال بسهولة دونما جهد وتعب! وعندها ستثبط العزائم، وسيقل الدافع للعمل، وبالطبع سيؤثّر ذلك سلبا على سوق العمل، لأن العمال غير مُتحمّسين للعمل، وان عملوا فإنهم سيعملون بجودة منخفضة، إذ أنهم يعلمون أن لا أمان وأنّ أموالهم ستسلب! كما أن الخوف من السرقة سيسيطر عليهم، وربما يُنتج عند أحدهم تخوّفات وأزمات نفسية، كالخوف من المستقبل والخوف من المطاردة.

ومن ثم سيكون الحل الأولّي هو تشديد الأمن على الممتلكات. عندها ينصب صاحب الأملاك كاميرات المراقبة في كل مكان، صافرات الإنذار، الحراس، الكلاب، وكل ذلك يُكلّف مبالغا هائلة! فكأنّه وان نجا من السرقة، فلن ينجو من تبعات السرقة، التي تُجبره على أن يتّخذ كل وسائل الحيطة والحذر. اضافة الى أن هذا الحل ليس يقدر عليه كل أحد، ومن ثم فإن قدر عليه الواحد، فإنه لا يُنتج احساسا صادقا بالأمان، لأن الحرّاس أيضا يمكن أن يتآمروا ضد مُشغّلهم، كما أن أجهزة المراقبة والإنذار يمكن أن تقف عاجزة أمام عملية سطو مدروسة وواسعة النطاق، مما يؤكّد لنا أن هذا الحل هو حل سطحي وخارجي وهو بعيد عن أن يكون حلا جوهريا وعميقا!

أما فيما يتعلّق بسرقة الرُّعاة لرعاياهم، فإن ذلك أعظم أثرا، لأن هؤلاء المسؤولين هم قُدوة الشعب وهم بطبيعة الحال شخصيات معروفة ولها وزنها في المجتمع. فإن هم سرقوا من أموال الشعوب، فما الذي سيمنع الموظّف البسيط من أن يُسوّغ لنفسه السرقة من أموال الدولة بحجّة أنه كما تُعامِل تُعامَل؟! ان الكبار يسرقون الملايين، فهل ان سرق الموظّف البسيط عشرة ألاف سيُعتبر هذا جُرما؟! أي ان القُدوة الفاسدة، تفسد الرّعية وتُصغّر جريمة المواطن في عينه، نظرة لفظاعة جرائم القادة! وهم بالتالي يعملون عكس ما أُمروا به، فبدلا من أن يكونوا المثال الحسن للشعب، عملا بحديث رسولنا الأكرم عليه الصلاة والسلام: "كلكم راعٍ وكلكم مسؤول عن رعيته"، فهم يخونون الأمانة ويخونون الوطن ويخونون الشعب ويخونون الدين، لتقديمهم مصلحتهم الشخصية على مصلحة الأمة والرعية! انها الأنانية والجشع والطمع! ويمكن للسلطة أن تُغرّ الانسان، الا أنها لا تقلب طبائع العباد بأي حال من الأحوال، ولذا وجب في كل بيئة، مؤمنة كانت أم كافرة، تشغيل أجهزة مراقبة على المسؤولين. والمسؤولون بدورهم يقومون بمراقبة الشعوب، مع التشديد على أن هذه الرقابة تُشغّل كرقابة ثانوية للرقابة الذاتية التي ينبغي أن يُطوّرها التربويون في نفس الإنسان، وهي متّصلة بطبيعة الحال بالدين.

طفل يتألّم!


عندما نتحدّث عن الطفولة، فإننا نتخيّل في الغالب عالما ورديا، مليئا بالدمى، مفعما بالحب والعطف والحنان، لذلك نقول: "خليه يعيش طفولته". ان الطفولة عندنا هي البداية، الشروق، النبوت، الخروج من الظلمات الى النور، الحياة! أما الألم فهو من عالم آخر، غريب عن الطفولة، مألوف للكبار خصوصا المسنين منهم، وهو مرتبط بالنهاية، بالغروب، بالموت! انهما عالمان غريبان عن بعضهما البعض، الأطفال حياة والألم موت! الأطفال أمل والألم يأس! الأطفال عالم وردي والألم عالم قاسٍ!

وكم تكون صدمتنا قوية عندما نرى طفلا يتألّم، عندما نرى طفلا يعاني من مرض السرطان، عندما نرى طفلا موصولا بجهاز طبي، عندما نرى طفلا بريئا في مشفى، في بلد حلّت به كارثة الجوع أو الحرب أو كارثة طبيعية كزلزال أو إعصار! كم يؤلمنا رؤية طفل يتألّم! كم يؤلمنا رؤية طفل يتعذّب! كم يؤلمنا رؤية طفل يقضي طفولته في المستشفى! كم يؤلمنا رؤية طفل يصرخ ألما! كم يؤلمنا ألم الصغار، أبناء الحياة! كم يؤلمنا رؤية طفل يموت أو ميت!

نتساءل عندها أين العدل في هذا العالم؟! ماذا فعل هذا الطفل المسكين ليلقى من العذاب ما يلقى؟! هل يستحمل جسده الضعيف، قلبه الصغير، لحمه الطري، عظمه اللين؟! هل تستحمل نفسيته الناشئة؟! انه عصفور من عصافير الجنة، فلماذا تصيبه نفحة من نفحات جهنم؟! انه صغير، لكنّ ألمه كبير! انه متجّه الى الحياة، الا أن الألم (أو الموت) يُلاحقه، يُطارده! انه في البداية، الا أن النهاية تقف في وجهه! بداية ونهاية؟! هل يمكن أن يتزامنان؟! في غياب الدين، مثل هذا المشهد يمكن أن يؤدّي الى الكفر أو الى الإلحاد، نظرا لأنّ القوة الإلهية (وفقا لرؤياهم) لا تحمي هذا الطفل المسكين وغيره من الضعفاء، لا تحميهم من الشقاء، البؤس والعذاب! واذا انعدمت الحماية الإلهية، فإما أنه لا وجود للرعاية الإلهية وإما لا وجود لإله وكلاهما كفر! الا أنه اذا تأمّلنا القانون الذي يؤدّي الى استنتاجهم هذا، نكتشف أن أصله ديني، فلأن الطفل بريء (صالح باللغة الدينية) فإنه لا يستحقّ حياة الشقاء، ولأن الظالم مجرم (طالح) فإنه يستحقّ عقابا! نفس القانون الديني: الحياة الطيبة للصالحين، حياة الشقاء للطالحين! إلا أن عيب الملحدين في هذه المسألة، أنهم أرادوا تطبيق قانون سماوي على حياتهم المادية، مما أدّى بهم الى الضلال! انهم ظنوا أن الحياة الطيبة تقتصر على الرفاهية والصحة والمال، وظنوا أنها تقتصر على الحياة الدنيا، ذلك لأنهم ألغو الآخرة من حساباتهم! ان هذه الدنيا لا يتحقّق فيها عدل، وانما تمام العدل يكون يوم القيامة عند الله العدل! وما قيمة الحياة الدنيا قبال الآخرة؟! ان هذه الحياة التي حصر فيها الملحدون فكرهم لا تسوى عند الله جناح بعوضة! وبالتالي هذا الطفل الذي يتألّم، يعاني، يتعذّب، ويظهر لنا جرّاء ذلك أنه يعيش حياة البؤس والشقاء ولذا لا عدل في هذا العالم، فإنه عند عدم تغييب الآخرة، يبان لنا صغر هذا الألم قدّام النعيم المنتظر، وقصر هذه السنين قدّام حياة البقاء، وعندها نوقن أن العدل قائم، غير مُفنّد!

ذكريات، حاضر وأحلام


الماضي يحمل لنا ذكريات، منها فرحة وأخرى حزينة، منها جميلة وأخرى بشعة، منها ما نحب استذكاره وأخرى نودّ لو تمّحي من تاريخنا. وهي أي الذكريات تحمل تجاربا سابقة، ولربما أساسها تجارب سابقة، مما يمدّ بالخبرة الحياتية التي تساعد على فهم هذا العالم والتأقلم معه بصورة أفضل. والذكريات يمكن حفظها من التشوّش هذه الأيام، عبر توثيقها بمساعدة الكتابة أو التصوير أو الفن أو غيرها. لهذا الحفظ أهمية، إذ كما أن هناك تاريخ للإنسانية، فهناك تاريخ لكل انسان، ويمكن أن يكون هذا التاريخ وتلك الذكريات مصدرا للطاقة وحافزا على الاستمرار وعلى الأقل مُعلّما ومرشدا في التعامل مع اللحظة الحاضرة.

أما المستقبل فإليه تنصبّ الآمال، الأحلام، الأهداف، ولأنه لم يأتِ بعد، فإليه تُلقى الرغبات التي لم تتحقّق وكل ما تتوق إليه النفس، على أمل أن تصير هذه الأحلام وتلك الأهداف واقعا وحاضرا موجودا بين يدي المتأمّل. ولا أميل الى النظرة التشاؤمية التي تدّعي أننا لا نملك إلا اللحظة الحاضرة، فبإمكاننا أن نُغيّر الماضي عبر بناء نظرة مختلفة لنفس الذكريات والتجارب الماضية، انه بإمكاننا أن نُعيد خلق ماضينا من جديد، لنراه بصورة أخرى غير تلك التي علقت بذهننا، وذلك عن طريق Narrative Therapy مثلا. كما أنه يمكننا أن نؤثّر على مستقبلنا، اذا خطّطنا، فكّرنا وأردنا، عقلنا وتوكّلنا، لنرسم بأيدينا لوحة مستقبلنا التي نودّ رؤيتها. إلا أن مُلكنا للحظة الحاضرة أشدّ وتأثيرنا عليها أقوى، إذ أنها شاخصة بين أيدينا، موجودة، مُذلّلة، بمعنى أنها خاضعة لسيطرتنا. لذا من المنطقي أن نحاول عيشها بكل الحواس، بعقلنا وقلبنا، بكلّنا، لأننا هي ما ستُحدّد مجموعنا (عمر الإنسان عبارة عن سلسلة من اللحظات الحاضرة، ما مضى منها صار ماضيا، وما سيأتي يُعدّ مستقبلا). ورغم ملكنا وتأثيرنا وسيطرتنا عليها، الا أن ملكنا لها هو ملك غير حقيقي وسيطرتنا عليها غير حقيقية، إذ يمكن لثواني معدودة أن تُفقدنا سيطرتنا تماما اذا ما فاجأتنا سيارة على طريق سريع، على سبيل المثال. لقد كانت السيطرة على اللحظة موجودة قبل الحادث، الا أن المفاجأة (القضاء والقدر باللغة الدينية) أخفتها تماما، لتبرز أمامنا السيطرة الحقيقية، الملك الحقيقي (القدرة الإلهية). يقول ربنا جلّ وعلا: "قل اللهم مالك الملك تؤتى الملك من تشاء وتنزع الملك ممن تشاء وتعز من تشاء وتذل من تشاء بيدك الخير إنك على كل شيئ قدير" (آل عمران، 26).

البعد الديني، البعد الواقعي والبعد العلمي، هل من سبيل الى لقاء؟


البعد الديني يبحث في غائية الظواهر ويحاول الإجابة عن أسئلة "لماذا؟"، من خلال عرض أسباب ما ورائية. والأمثلة على ذلك كثيرة، "لماذا أصابه مرض السرطان، مع أنه كان رياضيا طوال حياته ولم يُدخّن سيجارة واحدة؟"، "لأن هذا قضاء الله وقدره، إذ يمكن أن يكون ابتلاءً من الله سبحانه وتعالى". "لماذا انتصر الشر على الخير؟"، "لحكمة إلهية نجهلها نحن، (لا تدري لعل الله يحدث بعد ذلك امرا)".

البعد الواقعي يصف الظواهر كما هي ويحاول أن يُصوّرها للمشاهد أو للمستمع، ليراها شاخصة أمامه فيحلّلها كيفما شاء. ان هذا البعد يمكن أن نجده كثيرا في الروايات والمسرحيات والقصص التي تُصوّر شخصيات وأحداث عن طريق الوصف الدقيق العميق. انه يعالج أسئلة "ماذا". أما البعد العلمي فيتّخذ منهج الملاحظة والتجريب وتحليل الظواهر وتجزئتها ليكون بالإمكان وضع فرضيات علمية، ومن ثم فحص امكانية توكيدها. ان العلم (Science) يبحث فيما يمكن ادراكه ويستبعد أي تفسير ميتافيزيقي (غيبي) لأي مشكلة علمية. انه يحاول الإجابة عن أسئلة "كيف"، عبر بيان الآلية أو الكيفية. من هنا نلاحظ اقصاء العلم لكل ما هو ديني أو حتى لكل ما هو ما ورائي، فما عجزت الحواس عن ادراكه، فلا وجود له في العلم. هذا الانكفاء الذي أصاب العلم، كان بمثابة ردة فعل للاتجاه المعاكس تماما، حين كان العلم هو عين الدين المسيحي، لدرجة أن رجال الدين هم من كانوا يُعالجون المرضى والعلماء "الهراطقة" أُعدموا دونما رحمة.   

لقد انكفئ العلم على ذاته وصار صارما في اختيار ما يدخل إليه، وليست هنا المشكلة، إذ على العكس، فإننا نحتاج الى مثل هذه الصرامة، كي لا تُخالطه الخرافات والأساطير التي لا أساس لها. إلا أن المشكلة في خلق هذه الفجوة وهذا البعد بين العلم والدين، وكأنه لا تماس بينهما، ولا مشترك. وفي الجانب الآخر، هناك من المتديّنين من يحاولون عزل أنفسهم عن الواقع، عبر تشبّثهم بأقوال السلف دون محاولة تطوير نظرات جديدة الى الدين تكون أكثر تلائما مع الواقع المُعاش. انهم بعملهم هذا يحاولون الفصل بين البعد الديني والبعد الواقعي، لتتسع الفجوة كذلك بينهما.

ان ما أرمي اليه عبر مقالتي هذه هو محاولة التقريب بين هذه الأبعاد الثلاث والتقليل من عزلتها عن بعضها البعض، إذ هي أبعاد ونظرات مختلفة للظواهر، وهي تُكمّل بعضها البعض، غير مُتعارضة، متجاذبة، غير متنافرة، وان حدث التنافر فإنه يرجع على الأغلب الى خطأ في احدى (واحد على الأقل) هذه الأبعاد. ولنأخذ مثالا ظاهرة الزلازل. البعد الواقعي يحاول أن يصف ما جرى بالتفصيل، وكيف أن الأرض اهتزّت بعنف وخرّت الأبنية من أعلاها، الى ما الى ذلك من دمار مُوجع. كما أن هذا البعد يمكن أن يصف حالات الناس النفسية من خلال ما يتراءى للمشاهد، ورغم وعينا بأنّ البعد الواقعي لا يمكن أن يكون نقيّا خالصا، إذ لكل واحد رؤيته الخاصة للواقع، إلا أننا سنُبقي على انفراد هذا البعد. البعد العلمي يمكن أن يُسطّر الأسباب العلمية للزلزال مُستعينا بعلم الجيولوجيا، كأن يفترض حدوث حركة غير طبيعية في طبقات الأرض. البعد الديني يمكنه أن يقول أن الزلزال بمثابة ذكرى للناس، ليرجعوا الى خالقهم وليتّعظوا. هل هناك تعارض بين هذه الأبعاد؟ ان الواقعي يصف، الديني يبحث في الما ورائية، والعلمي يبحث في المُدرك، وهي أبعاد مختلفة لنفس الظاهرة، من شأنها أن تزوّدنا بالصورة المركّبة.       

لماذا ندّعي تلاقي هذه الأبعاد؟ لأنها صادرة عن نفس المصدر، ومن ذات النبع، فالذي خلق الظواهر (البعد الواقعي)، هو الذي أنزل إلينا الدين عبر الوحي (البعد الديني)، وهو الذي وهب الإنسان نعمة العقل والتفكير ليبحث ويفكّر ويُحلّل (البعد العلمي)، "عَلَّمَ الْإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ" (العلق، 5).

اماطة الالتباس عن الاقتباس!


أحدهم قال لي مرةً: "أستغرب كيف يقتبس الخطيب أقوالا لعلماء غربيين ليسوا مسلمين خلال خطبة الجمعة. كيف يمكن اقتراف مثل هذا العمل؟!". ولو أننا استمررنا في الحديث، لكان ربما سيزيد من تطرّف رأيه، ليقول: كيف يمكن اقتراف مثل هذه الجريمة النكراء؟! انه يجب أن ندعوَ لهذا الخطيب أن يهديه ربّه الى سواء الصراط، فلا يحيد عن أقوال علماء الإسلام! انه لقول مثير للاشمئزاز ولكل تلك المشاعر السلبية البدائية، خصوصا وأن القول صادرٌ عن شاب منخرط في التعليم الأكاديمي! إلا أن هذا القول يعكس رأيا مُسبقا، والذي وفقا له، كل ما يأتي من غيرنا هو خطر على أبنائنا، هو خطر على عقولهم، انه يُعرّضهم لعملية غسيل دماغ، متناسين بذلك، أنهم هم من بدأوا عملية غسيل الدماغ عند تخويفهم من الآخر وآرائه التي يعتبرونها مضلّلة! ما الذي يُخيف في الآخر؟! ما الذي يُخيف في مُفكّر أوروبي؟! في عالم كيمياء أوروبي؟! في عالم رياضيات أمريكي؟! في فيلسوف استرالي؟!    

ان أوروبا أبدعت في مجال العلم (Science) والبحث العلمي، في حين نحن تأخرّنا، فلماذا لا ننهل من العلم حيث كان؟! أليست الحكمة ضالة المؤمن أنى وجدها فهو أحق الناس بها؟! ولماذا لا نُدخل هذا العلم الى الخطب الدينية وبذلك نضيّع الفرصة الثمينة لرفع ثقافة الناس؟! ولماذا نبني الحواجز بين الدين والعلم؟! ان الخطبة هي فرصة للقائهما، لاتساقهما، لربط الدين بالواقع، للتجدّد وللتجديد! ان البحث العلمي موضوعي الى حد ما، فهو يكفر بكل ما يتّصل بالدين، وبذلك يمكننا أن نأخذ من هناك العلم الخالص. وبالنسبة للمفكّرين والفلاسفة يمكن أن نأخذ ونقتبس الأقوال المُنصفة، فنُدّعم بها كلامنا، ولا مانع من أن نقتبس الأقوال التي تتعارض مع ديننا وفكرنا اذا مع أتبعناها بنظرة نقدية. 

ورغم المسوّغات الكثيرة التي من الممكن أن نسمعها، إلا أن الأسباب الباطنية لرفض الاقتباس، تنبع كما يبدو من احساس بالنقص تجاه المتفوّق (ماديا، اقتصاديا، وربما أخلاقيا)، ولذا فإننا بدلا من أن نعترف بتخلّفنا وتقصيرنا في جانب العلم الخالص والبحث العلمي، نحاول بكل الوسائل أن نُصغّر المتفوّق، نحتقره ونزدريه، ويمكن أن نلمس ذلك من خلال أقوال مثل، "أوروبا كلها فساد وستمّحي عما قريب"، "الغرب الجاحد"، "اللا حضارة الغربية" وغيرها. اننا نظنّ أنه عندما نقتبس من أقوالهم، فإننا نعطي أهمية لهم، ونعرض تفوّقهم أمام ناظرينا، مما يثير احرجنا ويولّد احساسا بالنقص. ونبقى نظنّ أننا سنتقدّم، دون أن نأخذ من المتقدّم، فكيف سيحدث ذلك؟! الله أعلم!

انسانية هذا الدين


يقول الدكتور إدوارد غالي الذهبي في كتابه معاملة غير المسلمين في المجتمع الاسلامي: "لقد استخلصت من دراساتي وقراءاتي الشخصية أن الإسلام يرفض العنف، وأنه دين العدالة والمساواة والرحمة والمودة وحسن المعاملة للبشر جميعا، وخاصة أهل الكتاب منهم. بل إن الإسلام يأمر بالرحمة والشفقة على الحيوان، وإذا كان هذا هو موقف الإسلام بالنسبة للحيوان، فكيف بالأحرى يكون موقفه بالنسبة للإنسان؟!".

ويقول فهمي هويدي: "ان التفرقة بين الناس فيما هو دنيوي حسب اعتقادهم أو جنسهم أو لونهم، ليست من منهج الإسلام، إذ القاعدة هي المساواة، والجميع في ديار الإسلام أمة واحدة، والخلق كلهم عيال الله بالتعبير النبوي، فضلا عن أن الناس جميعا خُلقوا من نفس واحدة بالتعبير القرآني".

ويقول الشيخ الشعراوي: "ان الاسلام هو صاحب مبدأ الوحدة الوطنية بين الأكثرية والأقلية، وبين المختلفين في العقائد على السواء".

لقد أُسيء الى الإسلام عبر الزمان بسوء فهمه على أيدي أبنائه وعلى أيدي أعداءه، فأبناؤه "تعنصروا" لدينهم وانغلقوا على أنفسهم وظنّوا أنفسهم أفضل وأعلى شأنا من الآخرين. أما أعداءه فحاولوا وما زالوا يحاولون تخويف الناس من هذا الدين لينفروا منه وعنه، من خلال عرض الحقائق منزوعة عن سياقها التاريخي أو حتى تزييفها وإدخال الأكاذيب الى فيض الصدق (من مثل تحميل النبي أو العلماء ما لم يقولوا). ورغم أن هذا الدين انساني بالدرجة الأولى، إلا أن انسانيته غير بارزة كفكرة عامة عنه، ولكن كجهود فردية، فهم يُصوّرونه أنه دين السيف ودين إراقة الدماء ودين التكفير، ولكن اذا نظرتَ نظرة الميكرو الى أبنائه، فإنك ترى أكثرهم في حياتهم اليومية أقرب ما يكونون الى الإنسانية. 

هذا الدين يُصرّح بشكل واضح ويربّي أبنائه على المساواة ونبذ التفرقة، فكما يحقّ لك أنت تؤمن بما تودّ أن تؤمن به، يحقّ للآخر أن يؤمن بما يودّ أن يؤمن به! ان قضية الإيمان هي قضية بين العبد وربّه، والعبد حرٌ في اختياره، ولكن هذا لا ينفي تأثير الإيمان على العلاقات الإنسانية. إلا أن ما يجب أن يوجّه علاقاتنا هذه هي الإنسانية أو الأخلاق أو القيم الدينية السامية، ولا ينبغي للإيمان أن يشوّش على صفو هذه العلاقات، وان فعل فإنه على الأرجح ايمان زائف. انه لا فرق بين عربي ولا أعجمي في أمور الدنيا (يقول نبي الإسلام النبي محمد صلى الله عليه وسلم: "لا فرق بين عربي و لا أعجمي و لا أبيض ولا أسود إلا بالتقوى")، ولا فرق بين مسلم ومسيحي، ولا فرق بين ملحد ومؤمن في أمور الدنيا، إلا أن الفرق ينحصر في التقوى، في الإيمان، وهذه قضية بين العبد وربه. ان هذا يعني حقوقا متساوية في النظر وفي العمل، إذ يحقّ للمسيحي أن يمارس طقوسه الدينية كما يحقّ للمسلم، ويحقّ للمسلم أن يدعو الى دينه كما يحقّ للمسيحي وهكذا في الحقوق كلها. ثم ان التعامل ينطلق من كون الذي أمامك انسان، يفكّر ويشعر، يغضب ويفرح، وليس من الخلفية الدينية. لذلك يجب المحافظة على خطوط عريضة للإحسان في التعامل مع المسلم ومع المسيحي، مع اليهودي ومع الدرزي، مما لا يمنع ميل القلب الى أحد دون آخر، ولكن مرة أخرى يجب المحافظة على الإحسان، على الإنسانية، على الأخلاق في التعامل مع الجميع.

الهيبة


كلمة "هيبة" هي واحدة من الكلمات المثيرة للجدل بين الشرق والغرب، وهي منتشرة عندنا (في الشرق) انتشار النار في الهشيم، فكلّنا يسمع جملا مثل: "خليك مِهْيِب!" أو "العرض مش مِهْيب" أو "هالزلمي ما شاء الله عليه، هيبة وعظمة". هذه الكلمة مثيرة للجدل لتعدّد دلالاتها ومعانيها، ففي معجم الرائد يمكن أن نجد لها معنيين ايجابيين: احترام وكرامة، ومعنيين سلبيين نوعا ما: مخافة وحذر. والكلمات التي تقابلها في الإنجليزية تتنوّع، بدءا بـ prestige (وقار) وانتهاءً بـ fear و panic وحتى terror!

وعندما نُطلق هذه الكلمة، فإننا غالبا ما نرمي الى الوقار والى الرزانة، نرمي الى أن يكون الشخص متّزنا، عزيزا بأعين الناس الذين يرونه. انه يجب أن يتصرّف تصرّفا محدّدا حتى يُكتب من المهيبين، انه يجب أن ينصاع لقوانين مجتمعه الصارمة، وان تجرّأ على الانفلات، فإنه يتنازل عن هيبته. بكلمات أخرى، ان الهيبة هي نتاج اجتماعي، أكثر من كونها نابعة من داخل الانسان، وذلك لما فيها من تمثيل وكبت ومحاولة لإرضاء الجماهير. لكنّ الكلمة تبقى ذات اسقاطات ايجابية في الشرق، والمعنيان (احترام وكرامة) يمكن أن يتلاءمان مع المفهوم الشرقي لكلمة هيبة.

في الغرب يمكن أن يُنظر الى الشخص المهيب على أنه محافظ بشكل مبالغ فيه، منطوٍ على نفسه، منغلق، اذ لا يُصارح بأحاسيسه، فإن أحبّ أن يتقهقه، فإنه لا يفعل، لأن ذلك يحطّم هيبته أمام الناس، وان أراد أن يبكي، فإنه كذلك لا يفعل لنفس السبب. ولكونه منغلقا غامضا يمكن أن يكون مخيفا وحتى ارهابيا في النظرة الغربية، فهو شاذّ وشذوذه بارز لا يمكن تجاوزه. أي أن نفس الكلمة يمكن أن تقترن بمعنييها الآخرين (المخافة والحذر) في السياق الغربي.

لذا يمكن استعمال كلمات مثل، وقار، رزانة، بدلا من كلمة هيبة، اذ انهما ينبعان من داخل الانسان أكثر من كونهما نواتج اجتماعية. وهما نقيّتان أكثر، وأقل اثارة للجدل. يقول الرسول عليه الصلاة والسلام في الحديث الشريف: "عليكم بالسكينة والوقار". وعند استعمال هذه الكلمات يمكن أن يصبح الهدف المرجو تحقيقه، أكثر صدقا (لأنه نابع من الداخل)، أوضح معالما (بدلا من هدف مثير للجدل مثل كلمة هيبة)، فأن تسعى لأن تكون انسانا وقورا رزينا، خير لك من السعي المُضني وراء الهيبة، لما ذكرنا من تعليلات أعلاه.

التخلّف الذي كان، التقدّم الذي لم يأتِ


لا يمكنني أن أصف مدى التخلّف الذي كان حين كان الأولاد يُضربون في المدارس وفي البيوت وفي الطرقات "علحامية والباردة". وعلى أيدي من؟! على أيدي مُعلّمين جَهَلَة وعلى أيدي "كبار القوم" المتفوّقين بجهلهم وتخلّفهم (في الحقيقة هم سَفَلَة القوم)! ألا تبّا لكم أيها المتخلّفين وتبّا لتربيتكم الفاشلة! أنتم لا تستحقّون خلفا، لأنكم ستعوجونهم بعد استقامتهم وستُغلقونهم بعد انفتاحهم وسترهبونهم بعد اطمئنانهم! وإلا فما الذي يُبرّر ضرب الأطفال والتنكيل بهم، شتمهم واهانتهم؟! لماذا هذا الإرهاب؟! ان الطفل عندما ينشئ في مثل هذه البيئة العنيفة، فإنه سيفهم أن العنف جزء لا يتجزّأ من هذا العالم، ان لم يفهم أنه العالم كلّه، وعندها سيحاول تطبيق العنف الذي لُقّنه، فما ان تحين الفرصة حتى يُخرج عدوانيّته دون سابق انذار. انها عملية تحفظ العنف من الانقراض عبر الأجيال!

ألم يسأل المعلّمون أنفسهم هل هناك طرقا بديلة عن التخويف والعقاب؟! لماذا لم يُفكّروا في الجانب الآخر: الجزاء على الفعل الحسن وعلى القيام بالواجب؟! لكنّهم كانوا يسعون الى رفع مقام المعلّم واحاطته بهالة من القداسة والكبرياء والعظمة، ليصل الى منزلة الإله، إله العذاب! ألا بئس به من إله! وعندما يخاف الطلاب من المعلّم ويهابونه ولا يجرؤون على النظر إليه، عندها يمكن للمعلّم أن يُعلّم كيف يشاء وبالتالي ليس مجبرا على أن يُظهر كفاءته، إذ لا يجرؤ أحد على معارضته ولو كان مخطئا! وبذلك تستمر سلسلة الدكتاتورية والسلطوية ويبقى الطالب أسيرا عند معلّمه، بدلا من أن يكون المعلم معينا له على تحقيق حرّيته وانسانيته عبر التعلّم والتثقّف. 

لكنّ اندثار عنف المعلّمين تجاه الطلاب يُعتبر قفزة نوعية الى الأمام. وربما أشعلت هذه القفزة تفاؤلا كبيرا لإمكانية التغيير، واحباطا في أعقابها إذ لم تتحقّق كل الآمال بالسرعة التي تمنيناها. على سبيل المثال، التعليم ما زال يعتمد على التلقين أكثر من اعتماده على التفكير والبحث، فالمعلّم يأتي بالمادة جاهزة ليزرعها في عقول الطلاب، ولا يترك مجالا للتعلّم التفاعلي الذي يكون فيه الطالب عنصرا فعّالا. والتخويف ما زال مستمرا ولكن بصورة ألطف، عبر أقوال مثل: "اذا ما بتدرس منيح، بتجيب علامة واطية"، "اذا ما بتقعد هادي، بقول لأبوك"، وذلك بدلا من استعمال نفس الجمل على طريق الإيجاب: "اذا درست منيح، راح تحصّل علامة منيحة"، "اذا بتقعد هادي، راح أقول لأبوك انك طالب شاطر".  

الديكتاتورية المتديّنة


هناك نوع من الديكتاتورية ترتدي لباسا دينيا لتبرّر وجودها ولتُقنع الناس بحتميّتها. انها تحتمي بغطاء الدين لتلمّع نفسها ولتبيّض وجهها القبيح ولتستقطب البسطاء، ولكن اكتشاف حقيقتها لا يستعصي على النبهاء، فالغطاء يبقى غطاءً ومن تحته ستبرز حقيقتها. انها دكتاتورية تدّعي وجود الحكم الإلهي جاهزا ولذا لا مجال للنقاش وللبحث وللأخذ والعطاء، فهذا حكم الله، وهل تجرؤ يا هذا على مخالفة حكم الله؟! هل تقول بعد قول الله قولا؟! وستُتلى عندها الآية 36 من سورة الأحزاب: "وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْراً أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالاً مُبِيناً"، ليكتمل فيلم الترهيب والتخويف، وبالتالي ينساق الواحد وراء قولهم خوفا من عقاب الرحمان.

ان النية (نية المنساق) حسنة ولكن هل انتبه الى المطبّ الذي أوقعه فيه ذلك الفاشي المتديّن؟! لقد مارس تلاعبا مقصودا أو غير مقصود في طريقة عرض الأمور، فصحيح أن الأمر والحكم الإلهي هو الحاسم في نظرتنا، الا أن السؤال يبقى ثائرا: هل هناك حكم شرعي قطعي في المسألة المعروضة؟! أم أن هناك عدة اجتهادات وعدة أفهام؟! ان المسائل القطعية في ديننا ضئيلة مقابل المسائل التي فيها يبرز الاجتهاد وتتعدّد فيها الآراء، فهي أفهام بشرية للكلام المُنزل، ولذا فهي تحتمل الاختلاف. من هنا فإنه في حالة تواجد عدة اجتهادات، فلا ينبغي التضليل والتشبث باجتهاد واحد والادعاء بأنه هو أمر الله وحكمه وبالتالي ينبغي تطبيقه دون تفكير أو بحث، وانما ينبغي الاعتراف بالحقيقة أن هذا هو اجتهاد واحد من عدّة وعندها يمكن أن تغيب الديكتاتورية المتديّنة.  

19.6.14

بدايات نفسية



وما أوتيتم من العلم إلا قليلا

نقطة الإنطلاق هي أن الله هو خالق هذا الكون، الذي يُبهر الناس بعجائبه على مدى الأيام، كما أنه هو الله خالق الإنسان بجميع مركباته النفسية والجسدية، وهذا مما لا شك فيه، ولذا كان من البديهي أن يكون خالق الإنسان هو أعلم العالمين به وبنفسه الإنسانية، لأنه هو الله الذي خلقه من حمأ مسنون.

إن الله عندما خلق بني آدم، كرّمهم على سائر المخلوقات بالعقل البشري وبروحه، ولكن يجب أن يعلم الإنسان أن عقله الذي يتفضّل به على مملكة الحيوان والنبات، هو من صنع الله! ومهما علت قدرات الإنسان العقلية والتفكيرية، ومهما بلغ حجم علمه، فإنه قطرة في بحور علم الله، وهذه الفكرة أشار إليها القرآن الكريم، عندما قال الله تعالى: "وما أوتيتم من العلم إلا قليلا"، فقد جاء في تفسير هذا الجزء من آية 85 في سورة الإسراء، في مختصر تفسير إبن كثير: "وما أطلعكم من علمه (أي علم الله) إلا على القليل، فإنه لا يحيط أحد بشيء من علمه إلا بما شاء تبارك وتعالى، والمعنى أن علمكم في علم الله قليل".

لذا مهما بلغ علم الإنسان ومهما تطاول في العلم عامة وفي علم النفس الإنسانية خاصة، فإنه يبقى ناقصا وبعيدا عن الكمال، لأن علم الإنسان محدود مقارنة بعلم الله. أنا هنا لا أنكر أي من التقدمات العلمية العظيمة في نظر الإنسان، ولكني أقول أن الإنسان لا يملك إلا الجزء القليل من العلم، فدائرة العلم هي أوسع مما نتخيّل، ولا يمكن للعقل البشري أن يستوعب أكثر مما أذن الله له به، وربما أن من رحمة الله بنا أن رزقنا هذا العلم القليل في ميزانه. لذا كان على الإنسان أن يكون متواضعا في علمه مهما بلغت درجته ورتبته في العلم، وكما يُقال فإن فوق القوي من هو أقوى منه وكذلك فوق العالم من هو أعلم منه.

الإنسان لديه رؤية محدودة في واقع الحياة، وربما تخفى عنه أمور معينة، ربما ينسى ويغفل، وربما يفقد موضوعية رؤيته. لذا فإن الإنسان يصيب أحيانا ويخطئ أحيانا أخرى والخطأ وارد ومستشرس في قاموس الإنسان، ورغم ذلك فإن سلسلة التقدمات العلمية لا تتوقف، وهنا يصرّح الكثير من العلماء الكبار أننا ما زلنا نجهل الكثير عن كذا وكذا، والبحوثات القادمة ربما توضّح لنا الصورة أكثر، ولهذا فإن العلم البشري يستمر تقدّمه مع إستمرار الحياة، وهذا يدل على أن العلم الإنساني والتقدّمات التكنولوجية المشهودة تبقى وستظل تحتمل التعديل والتغيير والتحسين والإضافة لأنه علم بعيد عن الكمال. إضافة إلى ذلك فإن العديد من الظواهر في علم النفس تحتمل التفسير على أكثر من وجه، وغالبا ما تحمل مسبّبات كثيرة محتملة، سواء كانت وراثية أو بيئية، فعلم النفس لا يعطي جوابا مؤكدا بصورة مطلقة، بل يطغى عليه علم الإحصاء والاحتمال.

ومن ثم فإذا نظرنا حولنا فإننا نرى العديد من مصادر المعرفة وعالما واسعا يستحيل على الفرد أن يتلقاه كله من غير تنازل عن أمور دون أخرى، فنرى ملايين الكتب بجميع اللغات ونرى التلفاز وملايين الإذاعات والمحطات ونرى الراديو ونرى الإنترنت وعالم لا نهائي من المواد ونرى البيئة المحيطة، أضف إلى متطلبات الحياة التي لا غنى عنها، كالأكل والشرب والعمل والنوم والتي تستغرق منا الوقت الكثير! لذا نخلص إلى أن الإنسان يعجز حتى عن الخوض في محصلة العلوم البشرية كلها، ولهذا فهي في نظره عظيمة وتمثل تطورا لم يشهد التاريخ له مثيلا! إلا أن الإنسان يحتاج إلى أن يتركّز في مجالات ويتخصّص بها، ليتمكّن من السيطرة عليها ومتابعتها والإبداع فيها، وهذا يتماشى مع قول الله سبحانه وتعالى في سورة النساء آية 28: "وخُلق الإنسان ضعيفا".

الإنسان أحرز تقدمات مذهلة بعون خالقه

أنا لا أعرض الحقائق بصورة سلبية ولا أنتقص من قدر الإنسان ومن علمه لا سمح الله، ولكني أحاول أن أبقى في سياق الموضوعية ورؤية الأمور على حقيقتها دون أن نخدع أنفسنا، وكما قيل الحقيقة المرة خير من الوهم المريح. رغم أنها كما تقدّم الوصف غير مُرّة بتاتا، فالعلم بأن علم الإنسان ناقص يحث الفرد على العمل والسعي لكي يطوّر نفسه وعلمه ويفيد عالمه، فالأمور قابلة للتحسّن والتقدّم. منذ بداية الخلق، مرّ الإنسان بسلسلة جليلة من التطوّرات، فكان الإنسان البدائي لا يملك شيئا سوى عقله ومواد خام في الطبيعة من حوله، فبدأ يبحث ويفكّر فاخترع الأدوات الحربية وأدوات الصيد والخيمة وبعدها البناء المعماري واختراع الكهرباء ووسائل النقل التي تسابق سرعة الصوت والحاسوب والإنترنت والهاتف النقال وأجهزة متطورة لا تعد ولا تحصى! وعلم النفس سار على نفس الدرب، فبدأ من نقطة الصفر إلى أن أخرج لنا اليوم مكاتب كاملة في هذا العلم وطرق علاج ناجعة وأدوية فعّالة. لقد نجح الإنسان بعون خالقه بالمحافظة على بقائه تحت الظروف المتغيّرة والتي تختلف من عصر إلى آخر، ونجح في إقامة مجتمعات إنسانية وتنظيمها، وليس ذلك فحسب، بل نجح في تطوير نفسه وعلمه.

طبيعة النفس الإنسانية

إن الله سبحانه وتعالى عندما خلق الإنسان، أودع فيه شهوات وغرائز، وقد وضّح لنا القرآن ذلك في مطلع سورة آل عمران في الآية 14، عندما قال الله تعالى: ﴿زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاء وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ ذَلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاللّهُ عِندَهُ حُسْنُ الْمَآب﴾، وقد جاء في تفسير هذه الآية على لسان سيد قطب في كتابه "في ظلال القرآن": "الشهوات مستحبّة مستلذّة، وليست مستقذرة ولا كريهة. والتعبير لا يدعو إلى استقذارها وكراهيتها، إنما يدعو فقط إلى معرفة طبيعتها وبواعثها، ووضعها في مكانها لا تتعداه، ولا تطغى على ما هو أكرم في الحياة وأعلى، والتطلع إلى آفاق أخرى بعد أخذ الضروري من تلك "الشهوات" في غير استغراق ولا إغراق! وهنا يمتاز الإسلام بمراعاته للفطرة البشرية وقبولها بواقعها، ومحاولة تهذيبها ورفعها، لا كبتها وقمعها... والذين يتحدثون في هذه الأيام عن "الكبت" وأضراره، وعن "العقد النفسية" التي ينشئها الكبت والقمع، يقررون أن السبب الرئيسي للعقد هو "الكبت" وليس هو "الضبط" ... ".

فالشهوة موجودة في النفس الإنسانية، ولا يمكن إنكارها أو تجاهلها أو كبتها، وإنما يجب التعايش معها وتسخيرها في ما أحل الله ورسوله، وإبعادها وصرفها عما هو حرام وما يُفضي إليه. إن الإنسان عندما يطلق العنان لنفسه، فيجعلها جندا لهواه، يصبح أشبه بالحيوان، لأنه لا يعرف ضوابط وحدود ومحظورات في تصرفاته، فكل ما خطر بباله قابل للتنفيذ، وفي هذا الفخ وقع سارتر وغيره، إذ أنه يدعي أن لا مثاليات ولا أخلاق والإنسان حر طليق يفعل ما يشاء في دنياه لأنه هو رب نفسه. يا لها من أفكار سخيفة، عار على الصحة وتناقض بعضها البعض! والحقيقة أن كل عالم مهما بلغ علمه وقدرة عقله فإنه حتما سيناقض نفسه بنفسه إذ لم يبنِ أفكاره ونظرياته على شرع الله. الشهوات كثيرة ومتعددة ومنها: شهوة الجنس، شهوة الأكل، شهوة النوم، شهوة المال... كل هذه التصرفات محببة إلى النفس، لأنها تحمل في طياتها الراحة والمتعة، ولكنها راحة مؤقتة ولا تدوم، فالنفس تهوى كل عاجل وتكره كل آجل، ولذا فإن النفس لأمارة بالسوء إلا ما رحم ربي.

دور الشرع في تهذيب النفس

لما كانت هذه طبيعة النفس الإنسانية، كان لا بد من ترويضها والرقي بها لتترفع عن عالم الحيوان وتستقر في العالم الإنساني، ولهذا فإن الله سبحانه وتعالى ومن رحمته بنا لم يتركنا عبيدا لشهواتنا ولا تائهين، وإنما هدانا إلى صراطه المستقيم وبيّن لنا أوامره ونواهيه وحثّنا على فعل الخيرات وترك المنكرات لنطهّر هذه النفس فنرقى بها إلى أعلى عليين.

الحياة الدنيا عبارة عن مرحلة حاسمة والتي فيها يتحدّد مصير الإنسان الأبدي في حياة الخلود، ولذا فهي أشبه بالامتحان، والعاقل من فهم واقعية الحياة وعلم أنها منتهية، وأنّ الراحة الحقيقية ليست دنيوية وإنما تستدعي الصبر. لذا فإن الحياة تتطلب العمل والاجتهاد من أجل الوصول والفوز. الإسلام بتعاليمه جاء ليضبط شهوات النفس الإنسانية وليس ليكبتها أو ليحتقرها، فالنفس الإنسانية تهوى الراحة العاجلة والإسلام يريد من الإنسان أن يجدّ ويعمل ويجتهد، وليس ذلك عبثا، وإنما ليفوز بالجنة التي فيها كل أنواع الراحة النفسية وغيرها. النفس الإنسانية تريد إشباع شهوة الأكل عاجلا، وهي تطلب كل أنواع الأكل والشراب، ما لذ منه وطاب وبلا حدود، والإسلام يحرّم علينا الخبائث والمُضرات كالخمر والمخدّرات ويدعونا إلى الإعتدال في الأكل وعدم الإسراف وليس ذلك عبثا وإنما ليبقينا قادرين على العبادة، واعين لما نقوم به من أعمال ولما نقول من أقوال. النفس الإنسانية تهوى إشباع الشهوة الجنسية بكاملها والإسلام يدعو إلى العفاف والطُّهر والإبتعاد عن الرذيلة، ويحلّل لنا الزواج الشرعي بل ويحث عليه لأنه من شأنه أن يحافظ على بقاء النوع الإنساني. النفس الإنسانية تهوى الراحة والنوم والإسلام يريد منا أن نصلي خمسا في اليوم ونقوم الليل ونجتهد في الطاعة، النفس تهوى جمع المال السهل المنال سواء كان حلالا أم حراما والإسلام يدعو إلى إنتقاء المال الحلال ونبذ الحرام منه. استنتاج: إتباع النفس وهواها سهل للغاية ولكن ضبطها عن طريق الصبر على الطاعة والصبر عن المعصية يحتاج إلى جهد.

وهكذا فإننا نلاحظ أن الحياة الدنيا ليست للتمتع فقط ولإشباع الشهوات، وإنما فيها الكثير من الكدّ والتعب، لأن الجنة ليست رخيصة، ومن الطبيعي أنه من أراد أن يحصل على شيء ما، فإنه يحتاج إلى أن يعطي بالمقابل، وهذا في المعاملات بين الخلائق، فكيف بالمعاملة مع الخالق ذاته؟! قال تعالى: "إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنْ الْمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمْ الْجَنَّةَ".

كُتب منذ زمن