5.8.14

ازدواجية السببية


تُعجبني الخطوط العريضة لنظرة الأشاعرة الى السببية، ذلك أنها تعكس تركيبة هذه الحياة. ويمكن بموجبها الدمج ما بين المادة والروح، العقلي والما ورائي، بحيث تتحقّق الازدواجية والتركيبة التي يتكوّن منها هذا الكون. انها ازدواجية، فوجود المُسَبِّب الأول لا ينفي وجود الآخر، ووجود التفسير العقلي لا يتعارض مع التفسير الما ورائي، وانما هما متواجدان في نفس الوقت ويُفسّران نفس الظاهرة.

يقول الغزالي رحمه الله في كتابه تهافت الفلاسفة: "إن الاقتران بين ما يُعتقد في العادة سببا وما يعتقد مسببا ليس ضروريا عندنا، بل كل شيئين، ليس هذا ذاك ولا ذاك هذا، ولا إثبات أحدهما متضمن لإثبات الآخر ولا نفيه متضمن نفي الآخر، فليس من ضرورة وجود أحدهما وجود الآخر ولا من ضرورة عدم أحدهما عدم الآخر، مثل الري والشرب والشبع والأكل والاحتراق ولقاء النار والنور وطلوع الشمس وهلمّ جرّا كل المشاهدات من المقترنات في الطب والنجوم والصناعات والحرف، وأن اقترانها لما سبق من تقدير الله سبحانه لخلقها على التساوق، لا لكونه ضروريا في نفسه غير قابل للفوت... بل للتقدير وفي المقدور: خلق الشبع دون الأكل وخلق الموت دون جز الرّقبة وهلم جرا إلى جميع المقترنات".

هذا ما كتبه العالم المسلم أبو حامد الغزالي قبل أكثر من 900 سنة، وفي مصطلحات عصرنا يمكننا أن نفسّر قوله بأن تعاقب شيئين من الناحية الزمنية، يُوهم الناس أن السابق يؤدّي الى اللاحق ليصيرا سببا ومسببا، إلا أن الحقيقة أن هذا الرابط السببي غير ملزم، إذ يمكن أن يكون تزامنا ليس أكثر وهذا ما يُطلقون عليه اليوم "correlation". مثل ذلك الاحساس بوجع بطن قبيل الامتحان، فهل الخوف هو ما أدّى الى الوجع في البطن؟ أم وجع البطن هو ما أدّى الى الخوف؟ من هنا تنبع صعوبة تحديد السببية، ولكن الذي يمكن أن نستنتجه أن هناك علاقة ""correlation ما بين وجع البطن والخوف. الأشاعرة أطلقوا على مثل هذه الأسباب الدنيوية أسبابا غير حقيقية، لأن الفاعل الحقيقي هو الله. يقول ابن رشد: "فلا ينبغي أن نشك في أن هذه الموجودات قد يفعل بعضها ببعض، وأنها ليست مكتفية في هذا الفعل، بل بفعل من خارج، فعله شرط في فعلها، بل في وجودها فضلا عن فعلها". ويقول عبد المحسن سلطان: "والغزالي يقصد أن كل حدث يحدث في الكون هو من فعل الله المباشر. لذلك فإنه من الممكن أن تحدث أشياء مخالفة لقانون الأسباب والمسببات، ذلك لأن الله سبحانه وتعالى هو الذي وضع الخواص في الأشياء، التي تظهر في صورة أسباب ومسببات. لذا فإن إرادته وقدرته سبحانه تستطيع أن تنزع هذه الخواص وقت ما شاء". انها غاية التوحيد والتعظيم لله سبحانه وتعالى!

بناءً على هذه النظرة، يمكننا أن نفسر كل ظاهرة من خلال تفسيرين لا يُلغي أحدهما وجود الآخر ولا يُعطّله. وان تواجد أحدهما ولم يتواجد الآخر فإننا ننتظر الآخر ولا نقمع مجيئه لاكتفائنا بالأول. وبهذا يكون التفسير الأول التفسير العقلاني، المُدرك، العلمي، والتفسير الثاني يكون التفسير الغيبي، الغير مُدرك، الما ورائي. الأول يدخل عند الغزالي وعند الأشاعرة بشكل عام في السببية الغير حقيقية والثاني في السببية الحقيقية. لذلك، يمكن أن نؤمن بالتفسير الغيبي لظاهرة الاطمئنان عند قراءة القرآن مثلا، الذي يقول أن القرآن كلام الله ولأنه "ألا بذكر الله تطمئن القلوب" (الرعد، 28) يحدث الاطمئنان. كما يمكن بالمقابل البحث عن تفسير علمي لهذه الظاهرة، كالمحاولة التي أبداها "ماساروا إموتو" عندما قال: "إن الأشكال الهندسية المختلفة التي تتشكل بها بلورات الماء الذي قرئ عليه شيء من الأدعية الصالحة عند التبريد التدريجي هي قدر من المعلومات كونتها الاهتزازات الناتجة عن القراءة على هذا الماء، والتي صدرت على هيئة صورة من صور الطاقة أثرت في ذبذبات اللبنات الأولية للمادة في داخل الذرات المكونة لجزيء الماء، وانعكس ذلك التذبذب في الشكل الهندسي لبلوراته عند تبلورها في هيئة صلبة أمكن تصويرها".

المعاناة !


لا يفهم الحياة من يتوق الى عالم وردي، الى عالم خالٍ من الألم، الى عالم الملذّات التي لا تُعكّر صفوها الآلام! فالآلام موجودة في كل اللحظات (كل اللحظات بما فيها الفرحة، فيها قابلية للألم)، وان لم تكن آلاما جسدية، فإنها ستكون آلاما نفسية! ان الفرح محدود وآني، بمعنى أنه لا يدوم، ففي أحسن الأحوال تنتهي لحظاته سريعا وعندها تأتي معاناة الفراق، معاناة فراق اللحظات الجميلة. وفي حالات أخرى، يمكن أن تعقب أقصى لحظات الفرح، أقصى لحظات الألم، عندما تحدث مصيبة مُفاجئة في خضم الفرح العارم. ان هذه المفاجآت تأتي لتذكّرنا بحقيقة هذا العالم، الذي ينزرع فيه الألم في كل لحظة، في لحظات الفرح كما في لحظات الحزن، وقد أعجبني قولا (رغم أني لا أؤيّده بالكامل وسيأتي التفصيل) سمعته من مريضة اكتئاب فحواه أن وراء كل لحظة فرح، تختبئ لحظة حزن!

منذ أن يُولد الانسان يبدأ موته، فهو في كل يوم يموت، إذ يقترب من أجله، وكأنها سلسلة فناء تنتهي بالموت (تساقط الشعر، الشيب، التجاعيد كأمثلة محسوسة). الموت موجود داخلنا، ففي كل يوم تموت أعداد هائلة من الخلايا! ان حقيقة الموت هي منبع الآلام من جهة، فلأنّ هناك حدٌ للحياة، لأنّ هناك وقت محدود، فإن اللذّة لا يمكن أن تدوم ولا بدّ للألم أن يأتي عاجلا أم آجلا! ان الشخص عندما يُصاب وكأنّه يموت موتا مُصغّرا، ولو لم يكن الموت موجودا، لما أُصيب أصلا، إذ أن هذا يعني دوام الوجود! إلا أن نهاية المطاف في الحياة الدنيا ستكون في الموت، ولذا كان لا بدّ من الآلام التي هي محطّات في الطريق الى هذا المصير المحتوم! يقول تعالى: "لقد خلقنا الانسان في كبد" (البلد، 4). ويفسر ابن عباس الآية بقوله، إن الله خلق الانسان وهو يكابد أمر الدنيا والآخرة.

ان محاولة فهم غائية الألم بمعزل عن الدين، لأشبه بتغطية النافذة ومن ثم النظر من خلالها! هل يمكن أن تكون الرؤية واضحة؟! أما حينما نحاول فهم الألم ضمن سياقه، من خلال الصورة الكاملة، من خلال النظرة الغير منحصرة في المادية، من خلال النظرة المُنفتحة على عالم الآخرة، عالم الروحانية، عالم الغيب، عالم الما ورائية، عندها فقط يمكن أن نضع الأمور في مواضعها. انه عند دخول الدين الى الصورة، تختفي تلك النظرة التشاؤمية السوداوية التي تُظهر الحياة على انها سلسلة من العذاب مُنتهية حتما بالموت والفناء الأبدي. الفلسفة العدمية تقول: "كل شيء تافه وعدم اذا كان الإنسان يموت الى الأبد".

ان وجود الدين لا يُبقي الانسان حبيس ألمه، إذ يصير يعتبر هذا الألم عدما قبال ما ينتظره من نعيم! ان الألم يصير قطعة صغيرة من حياة قصيرة جدا، إذ أنه عندما تُقابل اللا نهاية بالنهاية والنعيم الخالص بحياة الكدّ والتعب، يبان انخفاض قيمة هذه الحياة! ومن ثم فمن قال أن الألم سلبي في سياق الدين والتربية الروحية؟! ان الألم يمكن أن يكون ايجابيا، اذ يمكنه أن يكون تطهيرا من ذنوب، ويمكنه أن يكون تمكينا، ويمكنه أن يكون ابتلاءً، ليصير الألم بذلك الوسيلة التي توصل الانسان الى برّ الأمان، ليصير مفتاح النعيم الأبدي، والسعادة الأبدية واللذّة الأبدية! انه يصير مفتاح الخير، رغم سلبيته الآنية! والحياة تصير محطة عابرة والموت يصير مولد الانسان وتجدّده! والألم يُعلّم أكثر مما تعلّم اللذّة، والمشقّات تُعلّم أكثر مما تعلّم لحظات الفرح، إذ أن هذه اللحظات الصعبة، تُذكّر الانسان بحقيقة الحياة الدنيا، بالموت! انها تُذكّره بمسيرته منذ ولادته الى حين موته، الى ما بعد موته، وعندها تُعمل العقل والقلب، الفكر والروح، الأفكار والعواطف! أما اللحظات الفرحة فهي تُشعل المحدود والآني وربما تعمي الانسان عن حقيقة هذه الحياة وعن حقيقة الموت!

فقير!


هناك من كلام الناس ما يثير الدهشة، كأن تسمع أحدهم يقول: "هذا الزلمي فقير بجيش بحدا"، والآخر يرد عليه: "انت هيك بتفكّر، يا من تحت السواهي دواهي"، أو "هذا اللي بتحكي عنه حية من تحت التبن"! والناس صارت تُطلق كلمة فقير على من يظهر أنه مسالم، على من يكفّ شرّه عن الناس، على من ليس ذئبا (في عُرف الناس أهبل)، لتُصبغ الصفات الحميدة بالسلبية المقصودة علنا أو ضمنا، فتصير كلمة فقير مرادفة لأهبل، لمن لا حول له ولا قوة! وعندها بالطبع سيحبّ كل واحد لو أن يكون غنيا، ولهذا يحاول أن ينفي عنه كل الصفات الحميدة الملاصقة لمن ينادونه "فقير"، ليصير بذلك ذئبا كما الباقي، وليجتهد على أن يُظهر نفسه أنه ليس شخصا هينا، فهو يخدع، يكذب، يغشّ، ينافق، يرائي، الى ما الى ذلك من صفات تساهم في ابرازه كشخص "ملعلب"!

ان التشدّق بكلمة "فقير" يهدف في الغالب الى رفع المدّعي والحطّ من المدعي عليه، انه يهدف الى تضخيم الأنا على حساب الآخرين، الى البروز من خلال الدوس على "الفقراء" والاستهانة بهم! ولو حدث وأن سمح كِبْر المدّعي له أن يطّلع على عالم من يناديه "فقيرا" لاكتشف الحلاوة وراحة البال في هذا العالم الذي يهزئ منه! انه يهزئ منه لأنه لا يعرف أن يكون فيه! انه لا يعرف كيف يمكن أن يجمع بين الاستقامة وعزّة النفس، بين الصدق والمطالبة بالحقوق، بين اللين (الطيبة) والشدة! ان نظره زائف، إذ يرى الشخص الطيّب فقيرا وهو غني في الحقيقة، فهو يقنع بما عنده (غَنِيَ بِمَا لَدَيْهِ : اِكْتَفَى)! ولقد قال الناس منذ قديم الزمان عن الخالق أنه فقير وهم أغنياء، إلا أن قولهم الزائف لا يُقدّم خطوة واحدة، وانما يؤخّرهم اذ يبقون مخدوعين بكبريائهم، بعنجهيتهم، بتسلّطهم، وكل ذلك زائف لأنه عكس الحقيقة! يقول تعالى: "لقد سمع الله قول الذين قالوا إن الله فقير ونحن أغنياء".

لا أخلاقية ؟!


التشدّد والنظرة المنغلقة يمكن أن يصلان بالإنسان الى أن يكتب كتابا، مثل، إسكات الكلب العاوي يوسف بن عبدالله القرضاوي، حيث يقول الكاتب (رحمه الله وغفر له) فيه: "سيقول بعض الحزبيين عالم من العلماء وسميته: كلبا عاوي! أما هذه فكبيرة يا أبا عبد الرحمن، عالم من العلماء! ومفتي قطر!"، ويقول لاحقا: "كفرت يا قرضاوي أو قاربت" و "وأنا أظن أن الشيطان تفرغ ليوسف القرضاوي؛ يلقي في قلبه هذه الوساوس، ويأتيك بالأخبار من لم تزود، وستأتي أشياء عن القرضاوي وأشياء وأشياء". ولنفرض أن القرضاوي أخطأ في مسائل عدّة، وأنكم تختلفون معه في كثير من أقواله، فهل يصحّ أن تُسمّونه كلبا عاويا؟! هل يصحّ أن تُكفّرونه؟! ان لكم اجتهادات وله اجتهادات، فهل من المنطق أن نسعى الى تطابق الاجتهادات؟! ان هناك أدبا للاختلاف وهناك آداب عامة وأخلاق، والرسول عليه الصلاة والسلام يقول: "إنما بُعثت لأتمم مكارم الأخلاق".

هل حافظ على الأخلاق من وصف عالما جليلا بالكلب العاوي؟! هل حافظ على الأدب؟! ألا تقولون أن "لحوم العلماء مسمومة"؟! أليس لحم القرضاوي مسموما أيضا أم أنكم أسقطتم عالميته لاختلافكم معه؟! أم أنكم أنتم من يملكون الحقّ المطلق ومن خالفكم فهم حطب جهنم، وحقّ عليكم أن ترموهم بالمسبّات واللعنات ورخيص القول؟! ان النفس لتكفهرّ من هذه الألفاظ، فما بالك ان كانت موجّه الى شخص أفنى حياته في سبيل تيسير العلم الشرعي للناس؟! انكم تتعرّضون بذلك الى أغلى ما يملك، الى مادة فكرية يمكن أن تساهم في صحوة الأمة، الى انتاج عظيم، الى بناء ضخم! وما يحزّ في النفس أنها صادرة عن عالم آخر، وكأن المسألة صارت ملحمة علماء، ملحمة رخيصة، لا تقارع الحجّة بالحجّة والدليل بالدليل وانما المسبّة بالمسبّة والشتيمة بالشتيمة! ان مثل ما قال هذا العالم كمثل الذي يُطلق النار في كل اتجاه، ليُصيب ما بناه الناس، وليحطّم أبنيتهم، ايمانا منه بأنه يملك هو ومن معه الحقيقة المطلقة وفقط هم!

27.7.14

تأمّلات في الجائزة


لا شكّ أن من صام رمضان، قد بذل جُهدا في الثبات على الطاعات والانتهاء عن المعاصي. هذا الجهد استمرّ شهرا أي أكثر من 8% من أيام السنة. انه موسم ماراثوني يأتي كل سنة! واذا كان الجُهد كبيرا، فلا بدّ أن تكون الجائزة غالية! اذ أن الإله الذي يعطينا عشر حسنات قبال كل حسنة وسيئة واحدة مقابل سيئة (ويمحوها ان تُبنا، بل ويستبدلها بحسنة) هو نفس الإله الذي يُجازي على الصوم وغيرها من الأعمال. يقول تعالى: "من جاء بالحسنة فله عشر أمثالها ومن جاء بالسيئة فلا يجزى إلا مثلها وهم لا يظلمون" (الأنعام، 160).

يقول عليه الصلاة والسلام: "للصائم فرحتان يفرحهما: إذا أفطر فرح بفطره، وإذا لقي ربه فرح بصومه". يمكننا أن نُقسّم الجائزة الى قسمين أساسين: الأولى عاجلة (في الدنيا) والثانية آجلة (في الآخرة). وكل واحد من هذين القسمين يحوي جوائزا فرعية، لنخرج بعدد لا يُحصى من الجوائز، ولكن لتبسيط الصورة، نودّ أن نلفت النظر الى الرئيسية منها. ان الجوائز العاجلة لا تتلخّص في فرحة العيد، ولكنّ فرحة العيد هي واحدة من الجوائز العاجلة وربما تأخذ مركزية لكون الجميع واعٍ لوجودها. فالكل يعلم أن هناك عيد الفطر، والعيد في عُرف الناس يعني الفرح.

اننا يمكن أن نتحدّث عن أربعة جوائز عاجلة يستلمها الصائم فور الفراغ من صوم رمضان. الأولى سنُسمّيها جائزة الانتهاء وهي تعني أن مجرّد الفراغ من الجهد والكدّ والتعب المُضاعف فإن ذلك يُعطي شعورا بالراحة. انه شعور يُشبه ما يشعره الانسان عند الفراغ من عمل مُجهد، كيوم عمل شاق، أو كيوم تعليمي مُطوّل، أو كامتحان مصيري. انه عندما يُدرك الانسان أن المارثون صار من ورائه وأن الفُسحة قادمة، عندها يمكنه أن يشعر بالتخفيف. الجائزة الثانية هي جائزة الإنجاز، فهو انجاز عظيم يُضاف الى سجل الانسان اذا ما أتمّ صيام رمضان وقيامه على أكمل وجه. ان هذه الجائزة لا تضمّ مجموع الأعمال وحدها ولكنها تشمل أيضا تأثيرها على عقل الانسان، نفسه وروحه. انه وفقا لهذا المفهوم فإن الانجاز ينطبع في كيان الانسان، اذ هو ليس عملا عمله الواحد وانتهى، ولكنّ أثره يبقى في الانسان. والحقّ أن الانجاز يضم عددا لا يُحصى من الانجازات، فقراءة القرآن وتدبّره هي انجاز، الصيام انجاز، الصلاة الخاشعة انجاز، قيام الليل انجاز، صلة الأرحام انجاز، الصدقة انجاز وكل عمل صالح هو انجاز. ان استحضار مجموع هذه الانجازات في نقطة النهاية (عند انتهاء شهر رمضان) يثير في النفس مشاعرا ايجابية، ذلك أنها ليست بالإنجازات الهامشية ولا بالغير محسوبة. وهي تُثير في النفس تلك المشاعر الإيجابية لأنها أعمال ايجابية، راقية ومؤثّرة في مضمونها، وكذلك، فإنها تُساهم في تقريب الانسان من كمال الإيجاب (النعيم الأبدي في الجنة).  

الجائزة الثالثة هي جائزة البقاء. انه ليس مفهوما ضمنا أن نبلغ رمضان ولا أن ننهيه، فلا تدري نفس بأي أرض تموت ولا تدري متى. لذلك يدعو المؤمن ربّه ابّان رمضان: "اللهم بلّغنا رمضان"! انه موسم الخيرات، وأن تُعطى لك فرصة لتحيا فيه، لتعيشه، لتُريَ الله منك خيرا فيه، فإن تلك نعمة كبيرة وفضل عظيم وجائزة لا تُقدّر بثمن. لذلك واجب علينا أن يكون كلنا مشاعر حمد وامتنان لخالقنا على أن بلّغنا هذا الشهر الفضيل الكريم وأن بلّغنا العشر الأواخر منه وليلة القدر التي هي خير من ألف شهر! أما الجائزة الرابعة فهي جائزة العيد. انها الجائزة التي يحدث فيها الانتقال الفعلي من الامتناع عن الأكل الى الأخذ مما لذّ وطاب من المأكولات والمشروبات، ومن الجهد المُضاعف الى تحصيل أقساط من الراحة ومن العمل والحرث الى الفرح بالنتيجة.

ان هذه الجوائز وخصوصا جائزة العيد، لتسير وفقا لما يُسمّى بعلم النفس "Operant conditioning"، والذي بموجبه فإن إعطاء تشجيع (جائزة كمثال) مع إتمام عمل معين فإن ذلك يزيد الإنتاج والعمل. ان هذه الجوائز من شأنها أن تكون مزوّدا للطاقة ومحفّزا للاستمرار والحمد لله رب العالمين.

26.7.14

تأمّلات في النهاية


لكل بداية نهاية، فكما أن لفترة الدراسة الجامعية بداية فلها نهاية أيضا، وكما أن لرحلة استجمامية بداية فلها نهاية كذلك، وكما أن لبداية شهر رمضان بداية فله نهاية أيضا. والنهايات ترتبط بشكل عام بالنهاية الكبرى (الموت)، اذ هي تُحييها في النفوس بشكل واعٍ أو غير واعٍ. ولولا البداية التي تتبع النهاية، لما تخطّت النفس ألم النهاية والوداع والفراق، فنهاية الفترة الجامعية تعقبها فترة عمل، ونهاية الرحلة الاستجمامية يعقبها عودة الى البرنامج الاعتيادي، ونهاية شهر رمضان يعقبها عيد الفطر. لكن علينا أن لا ننكر أن النهاية، الوداع والفراق، كل ذلك يُثير فينا عواطفا جيّاشا ووابلا من المشاعر. ان النهاية بهذا المعنى ليست حدثا عابرا وانما محطة تستحقّ التوقّف والتأمّل.

الموت هو النهاية الكبرى، لأنه بحدوثه تنتهي حياة وتبدأ أخرى (عند من يؤمن بالحياة الأخرى)! حياة أخرى تختلف عن حياتنا هذه، قوانينها تختلف، طبيعتها تختلف! ان كل النهايات داخلة في الحياة الدنيا، ما عدا نهاية الموت، اذ هي الحد الفاصل بين الحياة الدنيا والحياة الأخرى. ولهذا فهي مميّزة عن غيرها من النهايات! بحدوثها يختفي الانسان من على ظهر الأرض ليدخل في باطنها، ينتهي ضحكه، بكاؤه، كلامه ولربما أهمّ ما ينتهي هو عمله (اذ الأمور السابقة داخلة في العمل). عندها ينتهي الحرث ويبدأ الحصاد! عندها ينتهي الامتحان وتظهر النتيجة الأوليّة! ولن ينفع الندم على الحرث الكاسد ولا على الإساءة في الامتحان! يقول تعالى: "حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ رَبِّ ارْجِعُونِ لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحاً فِيمَا تَرَكْتُ كَلَّا إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَائِلُهَا وَمِنْ وَرَائِهِمْ بَرْزَخٌ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ" (المؤمنون، 99-100). ويقول جلّ في علاه في آية أخرى: "وَأَنفِقُوا مِن مَّا رَزَقْنَاكُم مِّن قَبْلِ أَن يَأْتِيَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ فَيَقُولَ رَبِّ لَوْلَا أَخَّرْتَنِي إِلَىٰ أَجَلٍ قَرِيبٍ فَأَصَّدَّقَ وَأَكُن مِّنَ الصَّالِحِينَ ، وَلَن يُؤَخِّرَ اللَّهُ نَفْسًا إِذَا جَاءَ أَجَلُهَا وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ" (المنافقون، 10-11).

انها النهاية التي اذا ما أتت فلا نملك ردّها ولا ينفعنا الفرار منها! ولأن الانسان المؤمن يطمع الى مزيد من عمل صالح ومزيد من تقوى، فإن هذه النهاية تُوجعه وتُحزنه من جهة أولى. وهي تُريحه وتسعده من جهة أخرى لأنها تأخذه من دنيا الكدّ والتعب الى لقاء من يحبّ، الى لقاء ربّه الذي خلقه والى عالم النعيم الأبدي. وبالتالي الموت لا يبقى حدثا سلبيا، اذ تدخل اليه معاني ايجابية، من مثل، لقاء المحبّ لحبيبه (خالقه)، النجاة من العذاب والدخول في النعيم الأبدي. ولعلّ ما يخفّف من وطأة الموت هو استمرار الأثر الطيّب الذي يتركه الانسان خلفه. يقول صلى الله عليه وسلم: "إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث: صدقة جارية، أو علم ينتفع به، أو ولد صالح يدعو له". فرغم أن العمل الآني ينتهي، الا أن آثار الأعمال التي سبقت الموت تستمرّ تُلقي بأثرها على الميت ما استمرّ خيرها.

واذا كان الشهر يُولد، فإنه يموت أيضا. شهر رمضان الذي أظلّنا يهمّ بالذهاب، انه سيذهب دونما عودة (القصد رمضان الحالي)، انه سيطوي صحائفه. انه يلفظ أنفاسه الأخيرة، فمن أحسن فيه فطوبى له ومن أساء فلا يملك اعادة عجلاته الى الوراء، ولكنّه يُعوّل على ما بقي من الزمن بعده. انها نهاية محزنة، مؤلمة، مميتة، اذ أن شهر الخيرات يولّي! شهر الإحسان يُعلن انتهائه! أجوائه تنسلّ من بيننا! نسماته تتراجع! ويبقى الانسان مع ما قدّم فيه، ويحاسب نفسه على ما لم يقدّم ويؤنّب ضميره على التقصير أو حتى على عدم الزيادة في الإحسان. ان هذا الجو الحزين يمكن التماسه في النفوس التي تعلّق قلبها برمضان، ولعلّ ما تردّده المآذن في ليالي رمضان الأخيرة "لا أوحش الله منك يا رمضان"، لهو تعبير جليّ عن مثل هذه المشاعر الحزينة ابّان الفراق. أما من جهة أخرى، فالمؤمن يفرح بالأعمال التي قدّمها ويرجو الله أن تُتقبّل. انه يصحو فجأة من انغماسه وخشوعه لتأسره لحظات رمضان الأخيرة، فتدفعه الى تلخيص جهوده وتتويجها بالتاج الرمضاني. وتُفرح المؤمن أيضا هدية تعقب الصيام مباشرة وهي عيد الفطر. يقول عليه الصلاة والسلام: "للصائم فرحتان يفرحهما: إذا أفطر فرح بفطره، وإذا لقي ربه فرح بصومه".

25.7.14

تأمّلات في البحث عن الليلة


اذا تأمّلنا في الغموض الذي يُحيط بليلة القدر من حيث زمانها، فإننا نخرج بحكم ودروس يجدر بنا أن نستحضرها. انها ليلة ثمينة وهي تتواجد في زماننا كل عام، ولكننا لا نملك أن نُحدّدها بسهولة. وبالطبع لا يمكننا تحديدها مُسبقا، على خلاف من يفترضون وقوعها في ليلة السابع والعشرين من رمضان. انها مجرّد فرضية تحتاج الى اثبات! هذه الليلة التي يقول فيها الحقّ تعالى: "لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ. تَنَزَّلُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيهَا بِإِذْنِ رَبِّهِمْ مِنْ كُلِّ أَمْرٍ. سَلَامٌ هِيَ حَتَّى مَطْلَعِ الْفَجْرِ" (القدر، 3-5). انها خير من ألف شهر! أي هي خير من 29000 يوم! قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من قَامَ لَيْلَةَ القَدْرِ إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا، غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِه"، وقال عليه الصلاة والسلام: "إنَّ هذا الشهر قد حضركم، وفيه ليلة خير من ألف شهر، مَن حُرمها، فقد حرم الخير كله، ولا يحرم خيرها إلا مَحروم". ان فضلها كبير وأكبر من أن يُوصف، وأجرها عظيم وأعظم من يُتصوّر، وهي غنيمة لا تُقدّر بثمن!

ولكن لماذا أُخفيت عنا؟! لماذا لم تكن واضحة كالشمس خصوصا وأنها فريدة من نوعها؟! يقول صلى الله عليه وسلم: "خرجت لأخبركم بليلة القدر فتلاحى فلان وفلان فرفعت، وعسى أن يكون خيراً لكم فالتمسوها في التاسعة والسابعة والخامسة"، ويقول أيضا: "أريت ليلة القدر ثم أيقظني بعض أهلي فنُسيتها، فالتمسوها في العشر الغوابر". ان احتمال تواجدها في العشر الأواخر من رمضان هو كبير جدا، ولكن هذا لا يمنع تواجدها في غير ليلة من لياليه. الحافظ ابن حجر أورد أكثر من أربعين قولا فيها، منها أنَّها أول ليلة من رمضان، ومنها أنها ليلة النصف. ان اخفائها يدفع الى البحث عنها، فلو كانت مُحدّدة لما بزغت حاجة البحث. والبحث هو رسالة من رسائل اخفائها، اذ أن الأهداف لا تأتي الينا على طبق من ذهب، الاكتشافات لا تكتشف نفسها بنفسها. انها بحاجة الى الانسان الذي يملك مَلَكة العقل ليُشّغل قدراته في البحث، السعي، الاجتهاد والاكتشاف. وكل ذلك يصبّ في مصلحته، اذ أن الاكتشافات الدنيوية، ستساهم في تيسير المعيشة، والاكتشافات المُتعلّقة بالعالم الآخر (كإصابة ليلة القدر)، ستساعد هذا المخلوق المحدود عمره بمضاعفة أجره.

ان اخفاء هذه الليلة يتّسق مع روح شريعة الإسلام، اذ أن المسائل القطعية محدودة ومعدودة، في حين أن المسائل التي يبرز فيها الاجتهاد أكثر من أن تُعدّ وتُحصى. انه لم يُرَد لنا أن نتناول كل تفاصيل حياتنا مكتوبة جاهزة، لأن ذلك لا يُنشئ انسانا فاعلا في بناء الحضارة. انه لو كانت كل التفاصيل مكتوبة فستكون حياة الناس آلية، ستفقد روحها وربما معناها! انها رسالة للناس لئلا يبقوا يُردّدوا: "المكتوب ما منه مهروب"، ولكن ليأخذوا بالأسباب، ليعقِلوا وليفهموا أن الحياة تحتاج الى جدّ واجتهاد! انها رسالة للبحث عن الخالق، عن آياته، عن الحضارة، عن الثقافة وعن الحكمة! انها الرسالة التي تسعى الى تحفيز الانسان! انها تُعيد للإنسان ايمانه بقدراته، فخالقه يتوقّع منه نجاحا في التحدّي!

أما الرسالة الأخرى لإخفاء الليلة فتتلخّص في محدودية علم الانسان. انه رغم التقدّم العلمي ورغم التطوّر الحضاري، الا أن الانسان ما زال يقف عاجزا أمام آيات الله الكونية، كالزلازل والبراكين (هل يملك الانسان أن يمنعهما؟!)، وحتى الظواهر الايجابية كالشمس والرياح (هل يملك الانسان أن يُخفي ضوء الشمس أم هل يمكنه أن يُسكن الرياح؟!). كذلك الحال مع ليلة القدر وغيرها من الأمور التي لا تزال غير واضحة، فلا جهاز سحري يمكنه أن يُحدّد هذه الليلة الثمينة ولا مجموع العبقرية البشرية يستطيع فعل ذلك. انه في هذه الحالات يبرز العجز الانساني ومحدودية العلم. واذا جمعنا هذه الرسالة مع الرسالة السابقة، وجدنا أنهما يعكسان تركيبة هذا الانسان، فمن جهة هو قادر بإذن خالقه على بناء حضارة واختراع واكتشاف الكثير من الخبايا. ومن جهة أخرى، يبرز عجزه وقلة حيلته في حالات أخرى، ليعلم أن الله هو القادر وهو الفاعل الحقيقي ولئلا يغترّ بعلمه. 

تأمّلات في الاطمئنان


كلمة "اطمأنّ" تعني: سكن وثَبَتَ واستقر (معجم المعاني). وهي تُشير الى الراحة النفسية والى السكينة والهدوء بعد اندثار القلق والهلع. وقد وردت كلمة "اطمأن" ومشتقاتها في القرآن الكريم في عدّة مواضع، منها قوله تعالى: "ألا بذكر الله تطمئن القلوب" (الرعد، 28)، وفي قوله تعالى: "يا أيتها النفس المطمئنة ارجعي إلى ربك راضية مرضية فادخلي في عبادي وادخلي جنتي" (الفجر، آخر السورة). ان الله سبحانه وتعالى قد سمّى هذه النفس بالمطمئنة وأمرها أن ترجع اليها، وهذا يعني أنها مطمئنة ما قبل موتها، مطمئنة في حياتها الدنيا. أي أن حصول الاطمئنان في هذه الحياة ممكن.

انه من طبيعة الحياة الدنيا أنها لا تستقرّ على حال، فهي متقلّبة، متغيّرة بتغيّر الزمان والمكان. انه كما قيل: "يوم لك ويوم عليك" وأيضا "يوم عسل ويوم بصل"، وذلك تعبيرا عن عدم الاستقرار، وعن الصعود والنزول. ان في الحياة مسرّات وفيها أحزان، فيها ملذّات وفيها مشقّات، فيها نجاحات وفيها صعوبات، فيها حلول وفيها مشاكل، فيها حلو وفيها مر. وليس فقط أن هذه الحياة لا تستقرّ على حال، وانما هي لا تستقرّ على الايجاب أيضا، فالسلبية داخلة فيها سواء رغبنا بذلك أم لم نرغب. ان الهوّة واسعة بين ذروة الايجاب (ازدهار حضارة كمثال) وبين ذروة السلب (حرب طاحنة ودمار شامل كمثال). ولنا أن نتخيّل حال من يبقى حبيس هذا التذبذب بين الايجاب والسلب، ومن يرى بحياته الدنيا حياته الوحيدة التي لا وجود لما بعدها. انه سيتذبذب بتذبذب هذه الحياة، سيفرح عندما تُفرحه، وسيحزن عندما تُحزنه، ولو أطالت عليه الحزن لربما سيكتئب. انه عندها تُضحي الحياة المُتحكّم بهذا الانسان الضعيف، وهو يصير منصاعا لأوامرها. صحيح أن الانسان يُحاول أن يُغيّر أي أن يؤثّر على هذه الحياة، ولكن هذا التأثير يعكس تأثّرا أوليا بطبيعتها (طبيعة الحياة التي تحوي الايجاب والسلب)، فهو عمليا يحاول أن يزيد من لحظات الفرح وأن يستبعد قدر الإمكان لحظات الحزن. انه يحاول أن يزيد من اللذة وأن يُقلّل من الألم قدر الإمكان، أو يحاول أن يحوّل هذه الحياة الدنيا الى جنة الله على الأرض. لذا فإننا ندّعي أن النفس المحصورة في هذه الحياة، لا يمكنها تحصيل الاطمئنان وذلك لسببين: الأول وهو أنها تتقلّب بتقلّب هذه الحياة (نوع من الاضطراب). الثاني لأنها تُريد اقحام الحياة الدنيا ما ليس يتلاءم مع طبيعتها، وهو جعلها جنة الله على الأرض. انه عند محاولة خلق الجنة في هذه الحياة، فستتعدّد خيبات الأمل وسيكثر اليأس، لأن هذه محاولة غير ممكنه من أصلها.

لكنّ النفس المؤمنة تختلف عن سابقتها، اذ هي تؤمن بعالم آخر، عالم ما وراء المادة، عالم مثالي لا ألم فيه، وهي تربط جزءا من آمالها بذاك العالم الذي لم يأتِ بعد. بمعنى أنها لا تظلّ محصورة في تقلّبات الحياة الدنيا، وبالتالي تقلّ وطأة هذه التقلّبات عليها. بل ان هذه التقلّبات تُستبدل باستقرار مُستمدّ من العالم الآخر. ان العالم الآخر هو العالم المثالي، هو الذي لا سلبية فيه، انه مستقرّ على الايجاب. وايمان به وسعي اليه، سيُدخل استقرارا على النفس من استقراره. وعندها يمكن للاطمئنان أن يظهر، اذ هو كما قلنا مرادف للسكون، للاستقرار وللسكينة. 

انه عندما يدخل الايمان بالعالم الآخر الى الصورة، فإنها تزداد تركيبا، اذ الأمور لا تعود أحادية الجانب (كما في النظرة المادية) ولا تعود مسطّحة. فما نكره يمكن أن يكون خيرا لنا، وما نحبّ يمكن أن يكون شرّا لنا. يقول تعالى: "وعسى أن تكرهوا شيئا وهو خير لكم وعسى أن تحبوا شيئا وهو شر لكم" (البقرة، 216). ولنضرب مثالا على ما نكره وهو المرض. انه يمكن أن يكون هذا المرض فرصة للعودة الى الخالق أو تنقية من ذنوب أو امتحان الهي، وبكل الأحوال فالسلبية الآنية تضمحل اذا ما قورنت بالنعيم الأبدي. بالمقابل المال شيء نحبّه، ولكنه يمكن أن يودي الى بُعد عن طريق الحقّ، وبالتالي رغم الايجاب الآني، الا أن تأثيره بعيد الأمد سلبي الى أبعد الحدود (في هذه الحالة وليس دائما)، اذ هو يضرّ بالنعيم الأبدي ولربما يُوصل الانسان الى العذاب. النبي صلى الله عليه وسلم يقول: "عجبا لأمر المؤمن إن أمره كله خير، وليس ذاك لأحد إلا للمؤمن؛ إن أصابته سرّاء شكر؛ فكان خيراً له، وإن أصابته ضرّاء صبر؛ فكان خيراً له". ان نوائب الدهر والمصائب التي تقع على رؤوس العباد، لا يمكن أن تُحطّم هؤلاء المؤمنين، اذ هم يرون أن هذه الحياة محطّة ولذا لا قيمة لها قبال النعيم الأبدي الذي ينتظرونه. ولا يعني هذا أنهم لا يتأثّرون، ولكنّ الايمان الذي عندهم يجعلهم ثابتين، مستقرّين، متوازنين في انفعالاتهم، وهم لا يخرجون عن دائرة الشكر والصبر. دائرتان (على عكس الاندفاعية) يجلبان لهم الاستقرار ويُنمّيان عندهم الطمأنينة.

22.7.14

تأمّلات في القُرب


لنفرض أن شخصين بدءا يقتربان من بعضهما وزادا في القُرب بشكل ملحوظ، الى أن زالت كثير من الحواجز والتكلّفات الاجتماعية بينهما. هل سنرى تفرّغا من أحدهما للآخر طوال الوقت؟ بمعنى، هل يمكننا القول أن الأول اذا طلب الثاني، فإنه حتما سيجده في كل وقت؟! وهل يمكننا القول أن اذا أصابت الأول مشكلة فإنه سيجد الثاني كله آذان صاغية وسيحلّ له مشكلته بشكل حتمي؟! وهل يمكننا أن نجزم أن كل فِعْلٍ من أحدهما، يأخذ بالحسبان مصلحة الآخر؟! وهل يمكننا أن نجزم أن لن يحدث أن يضرّ أحدهما بالآخر؟! ماذا لو تمزّقت العلاقة؟! ماذا لو دخلت العداوة مكان المحبة؟! أيأمن الواحد على أسراره المكشوفة في هذه الحالة؟!

ولو تأمّلنا في أصدق علاقة انسانية في هذا الكون، في علاقة الأم بولدها، لوجدنا أن فيها بُعدا معيّنا لا يمكن انكاره، فالأم هي الأم، والولد هو الولد. هذا البعد حيوي لمثل هذه العلاقة الانسانية، وهو يصبّ في انشاء كائنين بشريين مستقلّين. الأخصائيين النفسيين يتحدّثون عن انفصال الولد عن الأم. مالير (Margaret Mahler) تتحدّث عن ولادة جسدية وعن ولادة نفسية للطفل. في الولادة النفسية، ينتقل الطفل تدريجيا من الحالة التي يشعر فيها أنه ممزوج مع أمه الى الحالة التي يكون فيها تمييز بين شخصيتين منفصلتين، واللتان يجمعهما اتصال عاطفي متواصل. أي أنه رغم وجود الاتصال العاطفي المستمر والعميق، الا أنه يبقى هناك كيانين وشخصيتين بينهما بعد معين. هذا البعد رغم أنه صغير، الا أنه موجود! ولنا أن نفكّر أنه في كل علاقة بشرية تبقى هناك أسرار غير مكشوفة، وتبقى هناك مصالح، ويبقى هناك بُعد معين!

لكن اذا تأمّلنا علاقة الانسان بخالقه، وجدنا فيها ما لا ينوجد في أي علاقة انسانية. عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ أَنَّهُ قَالَ: "قَدِمَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم بِسَبْي فَإِذَا امْرَأَةٌ مِنَ السَّبْي تَبْتَغِي إِذَا وَجَدَتْ صَبِيًّا فِي السَّبْي أَخَذَتْهُ فَأَلْصَقَتْهُ بِبَطْنِهَا وَأَرْضَعَتْهُ، فَقَالَ لَنَا رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: أَتَرَوْنَ هَذِهِ الْمَرْأَةَ طَارِحَةً وَلَدَهَا فِي النَّارِ؟ قُلْنَا لاَ وَاللَّهِ وَهِي تَقْدِرُ عَلَى أَنْ لاَ تَطْرَحَهُ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: لَلَّهُ أَرْحَمُ بِعِبَادِهِ مِنْ هَذِهِ بِوَلَدِهَا". انه الخالق العظيم، الذي يمكننا أن نجده في كل وقت وحين، في كل مكان. في الليل كما في النهار. وقت الضراء كما وقت السراء. وحاشاه أن يقول لنا – كما يفعل البشر - أن لا مجال لمناجاتي في لحظة معينة! انه جلّ في علاه الذي قال في كتابه العزيز: "وإذا سألك عبادي عني فإني قريب أجيب دعوة الداع إذا دعان فليستجيبوا لي وليؤمنوا بي لعلهم يرشدون". ان سمائه مفتوحة لنا على الدوام وهو غني عنا، وأرض قلوبنا نُغلقها أحيانا كثيرة ونحن محتاجون اليه على الدوام! ومع ذلك فهو لا يرفضنا وانما يدعونا اليه! "أوحى الله إلى داود عليه السلام فقال: يا داود لو يعلم المدبرون عني انتظاري لهم ورفقي بهم وشوقي إلى ترك معاصيهم لماتوا شوقا إلي ولتقطعت أوصالهم لمحبتي، يا داود هذه إرادتي بالمدبرين عني فكيف بالمقبلين علي" (الإحياء). وليس التعامل مع الخالق كالتعامل مع البشر، فالإنسان يضع حدودا (مصرّح عنها أو مفهومة ضمنا) اذا ما ازداد الاقتراب، أما في علاقة العبد بربّه، فإن العبد كلما تقرّب الى ربه، اكتشف أن بإمكانه زيادة القُرب أكثر، ولم يرَ حواجزا وانما على العكس قبولا ونشوة. روى النبي صلى الله عليه وسلم فيما يرويه عن ربه عز وجل، قال: "إذا تقرب العبد إلي شبراً تقربت إليه ذراعاً، وإذا تقرب إلي ذراعاً تقربت منه باعاً، وإذا أتاني يمشي أتيته هرولة".

انه الخالق المطّلع على سرّنا وجهرنا، على ما أعلنا وما أخفيا، على تفكيرنا، على قلوبنا، على أحاسيسنا، على تصرّفاتنا. اننا مكشوفون بالكامل أمام خالقنا، ومع ذلك لا نشعر أن ذلك يُهدّد أمننا، وانما على العكس فإن هذا يطمئننا من جهة (اذ هناك من هو مطّلع على همومنا ومشاكلنا) ومن جهة أخرى يُثير فينا قلقا وجوديا طبيعيا (نظرا للمراقبة الإلهية الدائمة). اننا نتوجّه الى خالقنا بمشاعر مختلطة، مشاعر الرغبة والرهبة، رغبة برحمته وعدله، وخوفا من غضبه وعذابه! ورغم أننا نتوجّه الى القادر على كل شيء، الى القوي، الى القاهر، فإن مشاعر الرهبة لا تمنعنا من الرغبة، اذ لا ملجأ ولا منجا منه الا إليه! ولأننا نؤمن أنه لن يضرّ بنا حاشاه (وانما على العكس يريد أن يُسعدنا وينجينا من الهلاك)، فنحن نشعر بطمأنينة وأمان أكثر كلما زدنا في القُرب منه.

19.7.14

تأمّلات في العمل الصالح


كل انسان، مؤمن كان أم مُلحد، مسلم كان أم غير مسلم، يمكنه أن يعمل أعمالا صالحة، كمثل، اطعام الفقير، مرافقة الكفيف، اماطة الأذى عن الطريق وغيرها من الأعمال التي يتفق جُلّ الناس ان لم يكن كلّهم على صلاحها، حُسنها وجمالها. انها أعمال تحظى باحترام وتوقير المجتمع، كما أن فاعلها يحظى بردّ فعل ايجابي من مجتمعه. بعض الناس يفعلها ليتحصّل له هذا الاحترام والتوقير، أي المكانة الاجتماعية بين أبناء مجتمعه. البعض الآخر يفعلها ليشعر أنه شخص جيّد، وليستمتع بذاك الشعور الجميل الذي يُخلّفه العمل الصالح. وهناك من يؤمن بمبادئ معينة ويتشبّث بأخلاق عالية، ولذا يعتبر مساعدة الآخر على سبيل المثال ضرورة يصعب عليه تخطّيها.   

إلا أنه عندما نُضيف الجانب الديني فإن دائرة العمل الصالح تتوسّع، وتُضاف لها معاني جديدة. ان الدائرة تتوسّع لأنه تُضاف أعمال أخرى الى العمل الصالح، كمثل، الصلاة، الزكاة، الصوم، الحج والعبادات بمجملها. كما أن دائرة أهداف الأعمال الصالحة تتوسّع، اذ هي لا تبقى حبيسة النظرة قصيرة الأمد، وانما تتجّه العيون بالأساس الى الهدف طويل الأمد، الى العالم الأخروي، الى عالم البقاء. انه لا يبقى همّ عامل العمل المكانة الاجتماعية ولا الشعور الجميل اللحظي ولكن همّه الأساسي يتجّه الى ارضاء خالقه سبحانه وتعالى. اننا لا ننكر الأهداف المرحلية ولا نُقلّل من قيمتها، ولكننا نضعها في مكانها، اذ صحيح أن الشعور الجميل اللحظي هو شيء جيد وهو نوع من مكافأة أولية على العمل الصالح، ولا مانع من أن نستمتع بهذا الشعور، ولكن الذي يجب أن يقف أمام ناظرينا طوال الوقت هو تلك الغاية السامية التي خُلقنا من أجلها. ربنا جلّ وعلا يقول: "وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون" (الذاريات، 56). ان هذه الآية تدفعنا الى الوقوف على تعريف العبادة. ابن تيمية يُعرّف العبادة على أنها: "اسم جامع لكل ما يُحبه الله ويرضاه، من الأقوال والأعمال الباطنة والظاهرة". ابن القيم يُعرّفها على أنها: "غاية الحب لله عزَّ وجلَّ مع غاية الذل له، التي تحث على العمل لطاعته، والانزجار عن نواهيه". أي أن العبادة لا تنحصر في العبادات والشعائر، وانما يدخل فيها العمل الصالح بكل أنواعه وكل الأعمال المُباحة اذا ما رافقتها النية. ان الحياة تُضحي كلّها لله، فالأكل، النوم، الجماع، التعليم، العمل، يصبح كل ذلك عبادة، ان كان على منهج الخالق وخالصا لوجهه. ان الحياة تُضحي ملآى بالأعمال الصالحة. "العمل الصالح لا يُقْبَل إلا إذا كان خالصاً وصواباً. خالصاً ما ابتغي به وجه الله، وصواباً ما وافق السُنَّة" (النابلسي).

ثم ان بين العمل الصالح والايمان علاقة متبادلة، اذ أن الايمان يؤثّر على العمل الصالح وتأثيره كبير، وكذلك العمل الصالح يؤثّر على الايمان. ان التأثير الأول يظهر، لأن الايمان ما وقر في القلب وصدّقه العمل، فالعمل الصالح حلقة تُكمّل الايمان. ان القصة تبدأ بالإيمان، اذ أنه موجود منذ لحظات الانسان الأولى متمثّلا بالفطرة. لذلك فإن العمل الصالح يتبع الايمان. يقول تعالى في مواطن عديدة من الذكر الحكيم: "الذي آمنوا وعملوا الصالحات". انه التغيير الداخلي الذي يعقبه تغيير خارجي، انها الثورة الداخلية التي تعقبها ثورة خارجية، وهذا ما ينسجم مع روح هذا الدين وروح هذا القرآن. "إِنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ" (الرعد، 11). أما التأثير الثاني (تأثير العمل الصالح على الايمان) فهو أشبه بالأثر الرجعي (العائد) الذي تتركه الأعمال الصالحة على صاحبها. انه عندما يتبرّع الواحد لبناء مؤسسة عامة ويرى الفائدة والتيسير الذي جلبه عمله الصالح للناس، فإن ذلك يترك أثرا فيه، أثرا يزيد من شعوره الايجابي، أثرا يرفع به ايمانه. واذا ما أردنا أن ندمج التأثيرين فإننا نخرج بسلسلة مُركّبة بعض الشيء. هذه السلسلة تبدأ بالفطرة أي بالإيمان الأولي واقامة الشعائر لا تنفكّ تُنمّي هذا الايمان كلما ضَعُفَ، كما أن الشعائر هي أجلّ الأعمال الصالحة لأنها تدفع الى الأعمال الصالحة الأخرى (في شتى مجالات الحياة). فالفطرة أو الإيمان الأولى يدفعان الى اقامة الشعائر (أجلّ الأعمال الصالحة)، واقامة الشعائر تُلقي بأثرها على الايمان (ترفع نسبه)، مما يدفع الى مزيد من الأعمال الصالحة، ومن ثم تُلقي هذه الأعمال بأثرها على الايمان وهكذا فإن هذا التفاعل المُتبادل المركّب لا يعرف نهاية. واذا ما تذكّرنا مفهوم العبادة العام (كما عرّفناه أعلاه)، فهمنا أن هذه السلسلة يمكنها أن تندمج مع حياة كل واحد منا، فالعبادة لا تشتمل فقط على الشعائر، والعمل الصالح لا يشمل فقط انفاق الأموال، وانما الأعمال الدنيوية التي يمكن أن تبدو لنا وضيعة يمكنها أن تدخل في دائرة العبادة والعمل الصالح. يقول صلى الله عليه وسلم: "وفي بضع أحدكم صدقة". قالوا: يا رسول الله! أيأتي أحـدنا شهوته ويكون لـه فيها أجر؟! قال: "أرأيتم لو وضعها في حرام أكان عليه وزر؟! فكذلك إذا وضعها في حلال كان له أجر".