5.8.14

البسطاء العظماء


ليس كل من يعمل يعرق ولكنّ هؤلاء يعرقون! ليس كل من يعمل يرجع الى بيته منهار القوى ولكنّ هؤلاء كذلك يرجعون! ليس كل من يعمل يستيقظ فجرا ولكنّ هؤلاء يستيقظون! ليس كل من يعمل تحرقه الشمس ولكنّ هؤلاء يُحرقون! ليس كل من يعمل يخاطر بحياته ولكنّ هؤلاء يُخاطرون! انهم العمّال البسطاء الذين يأبى التاريخ أن يستغني عن خدماتهم وعن عطاءاتهم وعن عُطر عرقهم! هؤلاء المحكومون، "المُستعبدون"، المقهورون وفي نفس الوقت الحاكمون (فمن يستغني عن خدماتهم؟!)، المُناضلون والثائرون. هؤلاء الذين أبَو على أنفسهم أو أبت عليهم أنفسهم أن يجلسوا خلف طاولات المكاتب، في الظلال، في بيئة مُكيّفة! انهم أرادوا أن يخدموا بقوة ساعدهم، بطاقتهم المتفجّرة، بأيديهم الخشنة، ليُنتجوا أروع ما عرفت الحضارة! ليُنتجوا المباني التي تعانق عنان السماء، دور العبادة التي تسمو فيها الروحانيات، وما يحتاجه الانسان من قوت يومي! انهم يُساهمون في بناء الحضارة! وهم عن قصد أو عن غيره يُساهمون أيضا في تيسير الثقافة، اذ تسهل حياة الناس وتسنح لهم فرص أكثر للتثقّف (الروحانيات، الفن، الفلسفة ...).

هؤلاء الذين نراهم بسطاء هم عظماء في الحقيقة ان احسنوا عملهم وأتقنوه، فهم المُنفّذون الحصريون في الوقت الحالي، ولربما نصل الى عصر تمّحي فيه هذه الطبقة من العمال اذ تحلّ الماكنة مكان الانسان، الا أننا بالتأكيد لسنا هناك في آننا. ان المُحاضرين يُعلّمون الهندسة المعمارية، المهندس يضع تخطيط البناء، ولكن اذا لم يتواجد ذاك العامل البسيط الذي يُسمّى بنّاء، فكيف للبناء أن يقوم؟! دُعاة الحفاظ على البيئة يُنظّرون، يُخطّطون ويُطالبون، ولكن اذا لم يتواجد ذاك العامل البسيط الذي يُسمّى عامل نظافة، فكيف للبيئة أن تُحفظ؟! هل يمكن أن يقوم المسجد من غير جهدهم؟! هل يمكن أن تتواجد المدرسة الحضارية من غير عملهم؟! انهم بناؤو الحضارة الذين يستحقّون منا تحية اكبار واجلال على جهودهم الجبّارة، والأهم من ذلك، يستحقّون منا احتراما وتقديرا (بعيدا عن الاستخفاف بهم وبعملهم).

انسان الطوفان البشري


ان حدث وعَلَوت الى برجٍ شاهق ونظرت الى الساحة المليئة بالناس في الأسفل فإنك سترى على الأغلب نقاطا تتحرّك ولربما ستفكّر بصغر الانسان من حيث حجمه، والذي يعكس صغره وقلة حيلته أمام عظمة وضخامة هذا الكون! هذا الانسان الذي صمّم البُرج يُضنيه تسلّق الدرج الموصل الى القمة، يُرعبه ارتفاعه، وفي حالات مرضية يمنعه الخوف المُفرط (الخوف من المرتفعات) من امكانية الوصول الى أعلاه عن طريق المصعد. ان ما صمّمه الانسان يُعجِزه! فكيف بالموجودات التي صمّمها وخلقها رب الانسان؟! هذا الانسان يخترع الآلة وهي أشدّ بأسا منه، أكثر انتاجا، أسرع وأكثر نجاعة. هذا الانسان اخترع الجرافة التي قوامها المعدن الصلب والتي يمكنها أن تقتل انسانا أو تُصيبه إصابات بالغة بضربة واحدة منها، كذلك السيارة والشاحنة اللواتي اخترعهما الانسان، اذ يمكنهما أن يسلبا حياة الانسان في لحظة وثواني. الآلة تتفوّق على الانسان، اذ يمكنها أن تقضي عليه بسرعة البرق، ولك أن تتخيّل المعدّات الثقيلة والآلات الصناعية الضخمة. ذاك العلو الذي يجعلك ترى الانسان كنقطة واحدة من بين نقاط كثيرة، يمكنه ذاته أن يُحدث عندك حالة من الاستخفاف بقيمة الانسان. هذا الاستخفاف يمكن أن يحدث عند وجود كمّ هائل من الناس في مكان واحد، فأنت اذ تُشاهد طوفانا بشريا، يُمكنك أن ترى نُسخا بشرية مُكرّرة، أناسا مُتشابهين، كثيرين، كلهم يتحرّكون كقطيع غنم أو كنقاط اذا نظرت اليهم من أعلى.

بالمقابل اذا جالستَ انسانا، أي انسان كان، فإنك ان كنت كلّك آذان صاغية، سترى حتما عالما لا حدود له من ذكريات، آمال، آلام وطموحات. سترى الكون من منظار انساني، وربما أكثر من الكون، الحياة الدنيا والحياة الأخرى بعيون انسانية. ومهما كان الانسان بسيطا ومهما كانت خبرته الحياتية ضئيلة، فإن له حتما تجربة مع هذا العالم، تجربة تُعطيه فرصة ليحويه داخله أو أجزاءً منه. هذا الانسان الصغير العظيم، الذي أسجد الله له الملائكة اكراما واظهارا لفضله. يقول تعالى: "وإذ قلنا للملائكة اسجدوا لآدم فسجدوا إلا إبليس أبى واستكبر وكان من الكافرين" (البقرة، 34). هذا الانسان الذي كرّمة الله: "وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَىٰ كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا" (الإسراء، 70). لذا، ينبغي علينا أن نحذر من أن نحطّ من قيمة الإنسان، اذا أن كل انسان - مهما ظهر بسيطا - يمكنه أن يكون كنزا انسانيا خفيا عنا، وعلينا أن نحذر من هذا الحطّ لأنه منه تبدأ المصائب (قتل فردي، ابادة جماعية وهلم جرا).

هموم شاب


لطالما قلتُ أن الشباب يجب أن يحملوا هموما تتجاوز همومهم الشخصية، فلا يكفي أن يبقى همّ الشاب الأول والأخير هو ذاته، واذا سألته عن مجتمعه قال لك: "وأنا مالي"! ان هذه الفردية غريبة عن المجتمع العربي، وهي مُستوردة من الحضارة الغربية التي تُقدّس الفرد. ورغم أن ما يتمّ الحديث عنه في الغالب هو استيراد قصات الشعر، الموضة، الملابس، المأكولات وغيرها من الأشياء المحسوسة، الا أننا نعتقد أن الأولى الحديث عن استيراد الأفكار، استيراد المفاهيم، عن التأثيرات الواعية واللا واعية. انه ينبغي للشاب أن يخرج من عالمه المنحصر في ذاته، ليوجّه قسما من همومه واهتماماته الى مجتمعه، وطنه، شعبه، أمته، وإلا بقي الحال على حاله، فمن ذا الذي يقود التغيير؟! هل يُتوقّع من طفل أن يقود التغيير فإن نضجه لم يكتمل؟! أم يُتوقّع من كهل قد حاول أن يقود تغييرا في ريعان شبابه؟! ثم من يستطيع أن يحمل الهموم، ان لم تحملها طاقة الشباب المتفجّرة؟! من يملك الأفكار الجديدة؟! الخطط الجديدة؟!

الشباب هم عماد المجتمع. يقول الرسول عليه الصلاة والسلام: "أوصيكم‌ بالشبان‌ خيرا فانهم‌ أرق أفئدة،‌ بعثت‌ بشيرا ونذيرا فحالفني‌ الشبان‌ وخالفني‌ الشيوخ‌". لذلك، ينبغي أن لا ينحصر تفكير الشاب والشابة في تسريحة الشعر، البنطال الذي يجب أن يكون على الموضة، السيارة وكل ما يتعلّق بها من "شيطنات"، الأرجيلة، السهرات، وانما يجب أن تتوسّع الآفاق لتشمل تفكيرا خارج اطار الذات، تفكيرا بالآخر، تفكيرا بالمجتمع. ان التميّز لا يكون في هذه الأشياء الشخصية، لأن عامة الناس تفعلها وكلها مقدور عليه، إلا أن التميّز والإبداع الحقيقيين يحدثان عندما تعلو همّة شبابية، لتأخذ بأيدي الناس الى التغيير والى الإصلاح. في هذا المجال يمكن أن يترك الشاب بصمة من ورائه، أما في مجال الأشياء الشخصية فلا يبقى أثر، إذ أن الأشياء هناك مُستهلكة وهي بعيدة عن الإنتاج والإبداع!  

هاي كلاس


هل من قلبه مُعلّق في الـ"كنيونات" هو من "الهاي كلاس"؟! هل من يركب المارسيدس هو من "الهاي كلاس"؟! هل من يلبس الـماركات هو من "الهاي كلاس"؟! هل من يبني بيت الـ 500 متر هو من "الهاي كلاس"؟! هل من لديه "بسيخولوجا" شخصيا هو من "الهاي كلاس"؟!

ان هذه "الهاي كلاس" مبنيّة على مفهوم ومنبع منحرفين. فمنبعها خاطئ، إذ تُقسّم الناس الى طبقات، هذه طبقة عُليا وأخرى طبقة دُنيا. ومن ثم فإن هذا التقسيم ينبع من نظرة مادية بحتة، فمن يملك أموالا فهو من العُليّة، أما من يتعفّف فلا يُغنيه تعفّفه، إذ حقّ عليه القول أنه من أذناب القوم. هذا التفاضل يعكس تكبّرا على الآخر، تكبّر الغني (ماديا) على الفقير (ماديا)، تأليها لصنم المال، رفعا لشأن الغني وبخسا لشأن الفقير. انه يعكس قانون الغاب بأبشع صوره (البقاء للأفضل ماديا). والمفهوم كذلك خاطئ، إذ هل المادية هي التي تُقرّر الأفضلية؟! هل المادية هي التي تُقرّر من يدخل في "الهاي كلاس" ومن يخرج منها؟! انها نظرة محصورة مقصورة على المادية، بل وعلى جزء واحد منها وهو المالية ان صحّ التعبير، في حين المادية هي جانب واحد من جوانب هذه الحياة، إذ هناك، الفن، الروحانيات، الأخلاق، العلم وغيرها من الأمور التي يمكن أن يتسامى بها الانسان على غيره من الكائنات الحية. انه رغم رفضنا لاستعمال كلمات من مثل "الهاي كلاس"، الا أننا نريد "هاي كلاس" في العلم، الروحانيات، الأخلاق وغيرها من الأمور التي تدور في دائرة الثقافة. نريد أناسا راقيين، نعم راقيين، في تعاملاتهم، أخلاقياتهم، تفكيرهم، كلامهم، تصرّفاتهم. وبتعبير أصحّ، نريد أن يتنافس الناس وأن يسعَوا الى القمة في العلم كما في الروحانيات كما في الأخلاق. وعندها سيدرك حتى من يراه بعض المثقّفين أنه من أهل القمة، أنه لا ينتمي الى "الهاي كلاس" تواضعا واقرارا بالحقيقة، إذ كلما اقترب من القمة، اتضّح له كم هي بعيدة!

ازدواجية السببية


تُعجبني الخطوط العريضة لنظرة الأشاعرة الى السببية، ذلك أنها تعكس تركيبة هذه الحياة. ويمكن بموجبها الدمج ما بين المادة والروح، العقلي والما ورائي، بحيث تتحقّق الازدواجية والتركيبة التي يتكوّن منها هذا الكون. انها ازدواجية، فوجود المُسَبِّب الأول لا ينفي وجود الآخر، ووجود التفسير العقلي لا يتعارض مع التفسير الما ورائي، وانما هما متواجدان في نفس الوقت ويُفسّران نفس الظاهرة.

يقول الغزالي رحمه الله في كتابه تهافت الفلاسفة: "إن الاقتران بين ما يُعتقد في العادة سببا وما يعتقد مسببا ليس ضروريا عندنا، بل كل شيئين، ليس هذا ذاك ولا ذاك هذا، ولا إثبات أحدهما متضمن لإثبات الآخر ولا نفيه متضمن نفي الآخر، فليس من ضرورة وجود أحدهما وجود الآخر ولا من ضرورة عدم أحدهما عدم الآخر، مثل الري والشرب والشبع والأكل والاحتراق ولقاء النار والنور وطلوع الشمس وهلمّ جرّا كل المشاهدات من المقترنات في الطب والنجوم والصناعات والحرف، وأن اقترانها لما سبق من تقدير الله سبحانه لخلقها على التساوق، لا لكونه ضروريا في نفسه غير قابل للفوت... بل للتقدير وفي المقدور: خلق الشبع دون الأكل وخلق الموت دون جز الرّقبة وهلم جرا إلى جميع المقترنات".

هذا ما كتبه العالم المسلم أبو حامد الغزالي قبل أكثر من 900 سنة، وفي مصطلحات عصرنا يمكننا أن نفسّر قوله بأن تعاقب شيئين من الناحية الزمنية، يُوهم الناس أن السابق يؤدّي الى اللاحق ليصيرا سببا ومسببا، إلا أن الحقيقة أن هذا الرابط السببي غير ملزم، إذ يمكن أن يكون تزامنا ليس أكثر وهذا ما يُطلقون عليه اليوم "correlation". مثل ذلك الاحساس بوجع بطن قبيل الامتحان، فهل الخوف هو ما أدّى الى الوجع في البطن؟ أم وجع البطن هو ما أدّى الى الخوف؟ من هنا تنبع صعوبة تحديد السببية، ولكن الذي يمكن أن نستنتجه أن هناك علاقة ""correlation ما بين وجع البطن والخوف. الأشاعرة أطلقوا على مثل هذه الأسباب الدنيوية أسبابا غير حقيقية، لأن الفاعل الحقيقي هو الله. يقول ابن رشد: "فلا ينبغي أن نشك في أن هذه الموجودات قد يفعل بعضها ببعض، وأنها ليست مكتفية في هذا الفعل، بل بفعل من خارج، فعله شرط في فعلها، بل في وجودها فضلا عن فعلها". ويقول عبد المحسن سلطان: "والغزالي يقصد أن كل حدث يحدث في الكون هو من فعل الله المباشر. لذلك فإنه من الممكن أن تحدث أشياء مخالفة لقانون الأسباب والمسببات، ذلك لأن الله سبحانه وتعالى هو الذي وضع الخواص في الأشياء، التي تظهر في صورة أسباب ومسببات. لذا فإن إرادته وقدرته سبحانه تستطيع أن تنزع هذه الخواص وقت ما شاء". انها غاية التوحيد والتعظيم لله سبحانه وتعالى!

بناءً على هذه النظرة، يمكننا أن نفسر كل ظاهرة من خلال تفسيرين لا يُلغي أحدهما وجود الآخر ولا يُعطّله. وان تواجد أحدهما ولم يتواجد الآخر فإننا ننتظر الآخر ولا نقمع مجيئه لاكتفائنا بالأول. وبهذا يكون التفسير الأول التفسير العقلاني، المُدرك، العلمي، والتفسير الثاني يكون التفسير الغيبي، الغير مُدرك، الما ورائي. الأول يدخل عند الغزالي وعند الأشاعرة بشكل عام في السببية الغير حقيقية والثاني في السببية الحقيقية. لذلك، يمكن أن نؤمن بالتفسير الغيبي لظاهرة الاطمئنان عند قراءة القرآن مثلا، الذي يقول أن القرآن كلام الله ولأنه "ألا بذكر الله تطمئن القلوب" (الرعد، 28) يحدث الاطمئنان. كما يمكن بالمقابل البحث عن تفسير علمي لهذه الظاهرة، كالمحاولة التي أبداها "ماساروا إموتو" عندما قال: "إن الأشكال الهندسية المختلفة التي تتشكل بها بلورات الماء الذي قرئ عليه شيء من الأدعية الصالحة عند التبريد التدريجي هي قدر من المعلومات كونتها الاهتزازات الناتجة عن القراءة على هذا الماء، والتي صدرت على هيئة صورة من صور الطاقة أثرت في ذبذبات اللبنات الأولية للمادة في داخل الذرات المكونة لجزيء الماء، وانعكس ذلك التذبذب في الشكل الهندسي لبلوراته عند تبلورها في هيئة صلبة أمكن تصويرها".

المعاناة !


لا يفهم الحياة من يتوق الى عالم وردي، الى عالم خالٍ من الألم، الى عالم الملذّات التي لا تُعكّر صفوها الآلام! فالآلام موجودة في كل اللحظات (كل اللحظات بما فيها الفرحة، فيها قابلية للألم)، وان لم تكن آلاما جسدية، فإنها ستكون آلاما نفسية! ان الفرح محدود وآني، بمعنى أنه لا يدوم، ففي أحسن الأحوال تنتهي لحظاته سريعا وعندها تأتي معاناة الفراق، معاناة فراق اللحظات الجميلة. وفي حالات أخرى، يمكن أن تعقب أقصى لحظات الفرح، أقصى لحظات الألم، عندما تحدث مصيبة مُفاجئة في خضم الفرح العارم. ان هذه المفاجآت تأتي لتذكّرنا بحقيقة هذا العالم، الذي ينزرع فيه الألم في كل لحظة، في لحظات الفرح كما في لحظات الحزن، وقد أعجبني قولا (رغم أني لا أؤيّده بالكامل وسيأتي التفصيل) سمعته من مريضة اكتئاب فحواه أن وراء كل لحظة فرح، تختبئ لحظة حزن!

منذ أن يُولد الانسان يبدأ موته، فهو في كل يوم يموت، إذ يقترب من أجله، وكأنها سلسلة فناء تنتهي بالموت (تساقط الشعر، الشيب، التجاعيد كأمثلة محسوسة). الموت موجود داخلنا، ففي كل يوم تموت أعداد هائلة من الخلايا! ان حقيقة الموت هي منبع الآلام من جهة، فلأنّ هناك حدٌ للحياة، لأنّ هناك وقت محدود، فإن اللذّة لا يمكن أن تدوم ولا بدّ للألم أن يأتي عاجلا أم آجلا! ان الشخص عندما يُصاب وكأنّه يموت موتا مُصغّرا، ولو لم يكن الموت موجودا، لما أُصيب أصلا، إذ أن هذا يعني دوام الوجود! إلا أن نهاية المطاف في الحياة الدنيا ستكون في الموت، ولذا كان لا بدّ من الآلام التي هي محطّات في الطريق الى هذا المصير المحتوم! يقول تعالى: "لقد خلقنا الانسان في كبد" (البلد، 4). ويفسر ابن عباس الآية بقوله، إن الله خلق الانسان وهو يكابد أمر الدنيا والآخرة.

ان محاولة فهم غائية الألم بمعزل عن الدين، لأشبه بتغطية النافذة ومن ثم النظر من خلالها! هل يمكن أن تكون الرؤية واضحة؟! أما حينما نحاول فهم الألم ضمن سياقه، من خلال الصورة الكاملة، من خلال النظرة الغير منحصرة في المادية، من خلال النظرة المُنفتحة على عالم الآخرة، عالم الروحانية، عالم الغيب، عالم الما ورائية، عندها فقط يمكن أن نضع الأمور في مواضعها. انه عند دخول الدين الى الصورة، تختفي تلك النظرة التشاؤمية السوداوية التي تُظهر الحياة على انها سلسلة من العذاب مُنتهية حتما بالموت والفناء الأبدي. الفلسفة العدمية تقول: "كل شيء تافه وعدم اذا كان الإنسان يموت الى الأبد".

ان وجود الدين لا يُبقي الانسان حبيس ألمه، إذ يصير يعتبر هذا الألم عدما قبال ما ينتظره من نعيم! ان الألم يصير قطعة صغيرة من حياة قصيرة جدا، إذ أنه عندما تُقابل اللا نهاية بالنهاية والنعيم الخالص بحياة الكدّ والتعب، يبان انخفاض قيمة هذه الحياة! ومن ثم فمن قال أن الألم سلبي في سياق الدين والتربية الروحية؟! ان الألم يمكن أن يكون ايجابيا، اذ يمكنه أن يكون تطهيرا من ذنوب، ويمكنه أن يكون تمكينا، ويمكنه أن يكون ابتلاءً، ليصير الألم بذلك الوسيلة التي توصل الانسان الى برّ الأمان، ليصير مفتاح النعيم الأبدي، والسعادة الأبدية واللذّة الأبدية! انه يصير مفتاح الخير، رغم سلبيته الآنية! والحياة تصير محطة عابرة والموت يصير مولد الانسان وتجدّده! والألم يُعلّم أكثر مما تعلّم اللذّة، والمشقّات تُعلّم أكثر مما تعلّم لحظات الفرح، إذ أن هذه اللحظات الصعبة، تُذكّر الانسان بحقيقة الحياة الدنيا، بالموت! انها تُذكّره بمسيرته منذ ولادته الى حين موته، الى ما بعد موته، وعندها تُعمل العقل والقلب، الفكر والروح، الأفكار والعواطف! أما اللحظات الفرحة فهي تُشعل المحدود والآني وربما تعمي الانسان عن حقيقة هذه الحياة وعن حقيقة الموت!

فقير!


هناك من كلام الناس ما يثير الدهشة، كأن تسمع أحدهم يقول: "هذا الزلمي فقير بجيش بحدا"، والآخر يرد عليه: "انت هيك بتفكّر، يا من تحت السواهي دواهي"، أو "هذا اللي بتحكي عنه حية من تحت التبن"! والناس صارت تُطلق كلمة فقير على من يظهر أنه مسالم، على من يكفّ شرّه عن الناس، على من ليس ذئبا (في عُرف الناس أهبل)، لتُصبغ الصفات الحميدة بالسلبية المقصودة علنا أو ضمنا، فتصير كلمة فقير مرادفة لأهبل، لمن لا حول له ولا قوة! وعندها بالطبع سيحبّ كل واحد لو أن يكون غنيا، ولهذا يحاول أن ينفي عنه كل الصفات الحميدة الملاصقة لمن ينادونه "فقير"، ليصير بذلك ذئبا كما الباقي، وليجتهد على أن يُظهر نفسه أنه ليس شخصا هينا، فهو يخدع، يكذب، يغشّ، ينافق، يرائي، الى ما الى ذلك من صفات تساهم في ابرازه كشخص "ملعلب"!

ان التشدّق بكلمة "فقير" يهدف في الغالب الى رفع المدّعي والحطّ من المدعي عليه، انه يهدف الى تضخيم الأنا على حساب الآخرين، الى البروز من خلال الدوس على "الفقراء" والاستهانة بهم! ولو حدث وأن سمح كِبْر المدّعي له أن يطّلع على عالم من يناديه "فقيرا" لاكتشف الحلاوة وراحة البال في هذا العالم الذي يهزئ منه! انه يهزئ منه لأنه لا يعرف أن يكون فيه! انه لا يعرف كيف يمكن أن يجمع بين الاستقامة وعزّة النفس، بين الصدق والمطالبة بالحقوق، بين اللين (الطيبة) والشدة! ان نظره زائف، إذ يرى الشخص الطيّب فقيرا وهو غني في الحقيقة، فهو يقنع بما عنده (غَنِيَ بِمَا لَدَيْهِ : اِكْتَفَى)! ولقد قال الناس منذ قديم الزمان عن الخالق أنه فقير وهم أغنياء، إلا أن قولهم الزائف لا يُقدّم خطوة واحدة، وانما يؤخّرهم اذ يبقون مخدوعين بكبريائهم، بعنجهيتهم، بتسلّطهم، وكل ذلك زائف لأنه عكس الحقيقة! يقول تعالى: "لقد سمع الله قول الذين قالوا إن الله فقير ونحن أغنياء".

لا أخلاقية ؟!


التشدّد والنظرة المنغلقة يمكن أن يصلان بالإنسان الى أن يكتب كتابا، مثل، إسكات الكلب العاوي يوسف بن عبدالله القرضاوي، حيث يقول الكاتب (رحمه الله وغفر له) فيه: "سيقول بعض الحزبيين عالم من العلماء وسميته: كلبا عاوي! أما هذه فكبيرة يا أبا عبد الرحمن، عالم من العلماء! ومفتي قطر!"، ويقول لاحقا: "كفرت يا قرضاوي أو قاربت" و "وأنا أظن أن الشيطان تفرغ ليوسف القرضاوي؛ يلقي في قلبه هذه الوساوس، ويأتيك بالأخبار من لم تزود، وستأتي أشياء عن القرضاوي وأشياء وأشياء". ولنفرض أن القرضاوي أخطأ في مسائل عدّة، وأنكم تختلفون معه في كثير من أقواله، فهل يصحّ أن تُسمّونه كلبا عاويا؟! هل يصحّ أن تُكفّرونه؟! ان لكم اجتهادات وله اجتهادات، فهل من المنطق أن نسعى الى تطابق الاجتهادات؟! ان هناك أدبا للاختلاف وهناك آداب عامة وأخلاق، والرسول عليه الصلاة والسلام يقول: "إنما بُعثت لأتمم مكارم الأخلاق".

هل حافظ على الأخلاق من وصف عالما جليلا بالكلب العاوي؟! هل حافظ على الأدب؟! ألا تقولون أن "لحوم العلماء مسمومة"؟! أليس لحم القرضاوي مسموما أيضا أم أنكم أسقطتم عالميته لاختلافكم معه؟! أم أنكم أنتم من يملكون الحقّ المطلق ومن خالفكم فهم حطب جهنم، وحقّ عليكم أن ترموهم بالمسبّات واللعنات ورخيص القول؟! ان النفس لتكفهرّ من هذه الألفاظ، فما بالك ان كانت موجّه الى شخص أفنى حياته في سبيل تيسير العلم الشرعي للناس؟! انكم تتعرّضون بذلك الى أغلى ما يملك، الى مادة فكرية يمكن أن تساهم في صحوة الأمة، الى انتاج عظيم، الى بناء ضخم! وما يحزّ في النفس أنها صادرة عن عالم آخر، وكأن المسألة صارت ملحمة علماء، ملحمة رخيصة، لا تقارع الحجّة بالحجّة والدليل بالدليل وانما المسبّة بالمسبّة والشتيمة بالشتيمة! ان مثل ما قال هذا العالم كمثل الذي يُطلق النار في كل اتجاه، ليُصيب ما بناه الناس، وليحطّم أبنيتهم، ايمانا منه بأنه يملك هو ومن معه الحقيقة المطلقة وفقط هم!

27.7.14

تأمّلات في الجائزة


لا شكّ أن من صام رمضان، قد بذل جُهدا في الثبات على الطاعات والانتهاء عن المعاصي. هذا الجهد استمرّ شهرا أي أكثر من 8% من أيام السنة. انه موسم ماراثوني يأتي كل سنة! واذا كان الجُهد كبيرا، فلا بدّ أن تكون الجائزة غالية! اذ أن الإله الذي يعطينا عشر حسنات قبال كل حسنة وسيئة واحدة مقابل سيئة (ويمحوها ان تُبنا، بل ويستبدلها بحسنة) هو نفس الإله الذي يُجازي على الصوم وغيرها من الأعمال. يقول تعالى: "من جاء بالحسنة فله عشر أمثالها ومن جاء بالسيئة فلا يجزى إلا مثلها وهم لا يظلمون" (الأنعام، 160).

يقول عليه الصلاة والسلام: "للصائم فرحتان يفرحهما: إذا أفطر فرح بفطره، وإذا لقي ربه فرح بصومه". يمكننا أن نُقسّم الجائزة الى قسمين أساسين: الأولى عاجلة (في الدنيا) والثانية آجلة (في الآخرة). وكل واحد من هذين القسمين يحوي جوائزا فرعية، لنخرج بعدد لا يُحصى من الجوائز، ولكن لتبسيط الصورة، نودّ أن نلفت النظر الى الرئيسية منها. ان الجوائز العاجلة لا تتلخّص في فرحة العيد، ولكنّ فرحة العيد هي واحدة من الجوائز العاجلة وربما تأخذ مركزية لكون الجميع واعٍ لوجودها. فالكل يعلم أن هناك عيد الفطر، والعيد في عُرف الناس يعني الفرح.

اننا يمكن أن نتحدّث عن أربعة جوائز عاجلة يستلمها الصائم فور الفراغ من صوم رمضان. الأولى سنُسمّيها جائزة الانتهاء وهي تعني أن مجرّد الفراغ من الجهد والكدّ والتعب المُضاعف فإن ذلك يُعطي شعورا بالراحة. انه شعور يُشبه ما يشعره الانسان عند الفراغ من عمل مُجهد، كيوم عمل شاق، أو كيوم تعليمي مُطوّل، أو كامتحان مصيري. انه عندما يُدرك الانسان أن المارثون صار من ورائه وأن الفُسحة قادمة، عندها يمكنه أن يشعر بالتخفيف. الجائزة الثانية هي جائزة الإنجاز، فهو انجاز عظيم يُضاف الى سجل الانسان اذا ما أتمّ صيام رمضان وقيامه على أكمل وجه. ان هذه الجائزة لا تضمّ مجموع الأعمال وحدها ولكنها تشمل أيضا تأثيرها على عقل الانسان، نفسه وروحه. انه وفقا لهذا المفهوم فإن الانجاز ينطبع في كيان الانسان، اذ هو ليس عملا عمله الواحد وانتهى، ولكنّ أثره يبقى في الانسان. والحقّ أن الانجاز يضم عددا لا يُحصى من الانجازات، فقراءة القرآن وتدبّره هي انجاز، الصيام انجاز، الصلاة الخاشعة انجاز، قيام الليل انجاز، صلة الأرحام انجاز، الصدقة انجاز وكل عمل صالح هو انجاز. ان استحضار مجموع هذه الانجازات في نقطة النهاية (عند انتهاء شهر رمضان) يثير في النفس مشاعرا ايجابية، ذلك أنها ليست بالإنجازات الهامشية ولا بالغير محسوبة. وهي تُثير في النفس تلك المشاعر الإيجابية لأنها أعمال ايجابية، راقية ومؤثّرة في مضمونها، وكذلك، فإنها تُساهم في تقريب الانسان من كمال الإيجاب (النعيم الأبدي في الجنة).  

الجائزة الثالثة هي جائزة البقاء. انه ليس مفهوما ضمنا أن نبلغ رمضان ولا أن ننهيه، فلا تدري نفس بأي أرض تموت ولا تدري متى. لذلك يدعو المؤمن ربّه ابّان رمضان: "اللهم بلّغنا رمضان"! انه موسم الخيرات، وأن تُعطى لك فرصة لتحيا فيه، لتعيشه، لتُريَ الله منك خيرا فيه، فإن تلك نعمة كبيرة وفضل عظيم وجائزة لا تُقدّر بثمن. لذلك واجب علينا أن يكون كلنا مشاعر حمد وامتنان لخالقنا على أن بلّغنا هذا الشهر الفضيل الكريم وأن بلّغنا العشر الأواخر منه وليلة القدر التي هي خير من ألف شهر! أما الجائزة الرابعة فهي جائزة العيد. انها الجائزة التي يحدث فيها الانتقال الفعلي من الامتناع عن الأكل الى الأخذ مما لذّ وطاب من المأكولات والمشروبات، ومن الجهد المُضاعف الى تحصيل أقساط من الراحة ومن العمل والحرث الى الفرح بالنتيجة.

ان هذه الجوائز وخصوصا جائزة العيد، لتسير وفقا لما يُسمّى بعلم النفس "Operant conditioning"، والذي بموجبه فإن إعطاء تشجيع (جائزة كمثال) مع إتمام عمل معين فإن ذلك يزيد الإنتاج والعمل. ان هذه الجوائز من شأنها أن تكون مزوّدا للطاقة ومحفّزا للاستمرار والحمد لله رب العالمين.

26.7.14

تأمّلات في النهاية


لكل بداية نهاية، فكما أن لفترة الدراسة الجامعية بداية فلها نهاية أيضا، وكما أن لرحلة استجمامية بداية فلها نهاية كذلك، وكما أن لبداية شهر رمضان بداية فله نهاية أيضا. والنهايات ترتبط بشكل عام بالنهاية الكبرى (الموت)، اذ هي تُحييها في النفوس بشكل واعٍ أو غير واعٍ. ولولا البداية التي تتبع النهاية، لما تخطّت النفس ألم النهاية والوداع والفراق، فنهاية الفترة الجامعية تعقبها فترة عمل، ونهاية الرحلة الاستجمامية يعقبها عودة الى البرنامج الاعتيادي، ونهاية شهر رمضان يعقبها عيد الفطر. لكن علينا أن لا ننكر أن النهاية، الوداع والفراق، كل ذلك يُثير فينا عواطفا جيّاشا ووابلا من المشاعر. ان النهاية بهذا المعنى ليست حدثا عابرا وانما محطة تستحقّ التوقّف والتأمّل.

الموت هو النهاية الكبرى، لأنه بحدوثه تنتهي حياة وتبدأ أخرى (عند من يؤمن بالحياة الأخرى)! حياة أخرى تختلف عن حياتنا هذه، قوانينها تختلف، طبيعتها تختلف! ان كل النهايات داخلة في الحياة الدنيا، ما عدا نهاية الموت، اذ هي الحد الفاصل بين الحياة الدنيا والحياة الأخرى. ولهذا فهي مميّزة عن غيرها من النهايات! بحدوثها يختفي الانسان من على ظهر الأرض ليدخل في باطنها، ينتهي ضحكه، بكاؤه، كلامه ولربما أهمّ ما ينتهي هو عمله (اذ الأمور السابقة داخلة في العمل). عندها ينتهي الحرث ويبدأ الحصاد! عندها ينتهي الامتحان وتظهر النتيجة الأوليّة! ولن ينفع الندم على الحرث الكاسد ولا على الإساءة في الامتحان! يقول تعالى: "حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ رَبِّ ارْجِعُونِ لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحاً فِيمَا تَرَكْتُ كَلَّا إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَائِلُهَا وَمِنْ وَرَائِهِمْ بَرْزَخٌ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ" (المؤمنون، 99-100). ويقول جلّ في علاه في آية أخرى: "وَأَنفِقُوا مِن مَّا رَزَقْنَاكُم مِّن قَبْلِ أَن يَأْتِيَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ فَيَقُولَ رَبِّ لَوْلَا أَخَّرْتَنِي إِلَىٰ أَجَلٍ قَرِيبٍ فَأَصَّدَّقَ وَأَكُن مِّنَ الصَّالِحِينَ ، وَلَن يُؤَخِّرَ اللَّهُ نَفْسًا إِذَا جَاءَ أَجَلُهَا وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ" (المنافقون، 10-11).

انها النهاية التي اذا ما أتت فلا نملك ردّها ولا ينفعنا الفرار منها! ولأن الانسان المؤمن يطمع الى مزيد من عمل صالح ومزيد من تقوى، فإن هذه النهاية تُوجعه وتُحزنه من جهة أولى. وهي تُريحه وتسعده من جهة أخرى لأنها تأخذه من دنيا الكدّ والتعب الى لقاء من يحبّ، الى لقاء ربّه الذي خلقه والى عالم النعيم الأبدي. وبالتالي الموت لا يبقى حدثا سلبيا، اذ تدخل اليه معاني ايجابية، من مثل، لقاء المحبّ لحبيبه (خالقه)، النجاة من العذاب والدخول في النعيم الأبدي. ولعلّ ما يخفّف من وطأة الموت هو استمرار الأثر الطيّب الذي يتركه الانسان خلفه. يقول صلى الله عليه وسلم: "إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث: صدقة جارية، أو علم ينتفع به، أو ولد صالح يدعو له". فرغم أن العمل الآني ينتهي، الا أن آثار الأعمال التي سبقت الموت تستمرّ تُلقي بأثرها على الميت ما استمرّ خيرها.

واذا كان الشهر يُولد، فإنه يموت أيضا. شهر رمضان الذي أظلّنا يهمّ بالذهاب، انه سيذهب دونما عودة (القصد رمضان الحالي)، انه سيطوي صحائفه. انه يلفظ أنفاسه الأخيرة، فمن أحسن فيه فطوبى له ومن أساء فلا يملك اعادة عجلاته الى الوراء، ولكنّه يُعوّل على ما بقي من الزمن بعده. انها نهاية محزنة، مؤلمة، مميتة، اذ أن شهر الخيرات يولّي! شهر الإحسان يُعلن انتهائه! أجوائه تنسلّ من بيننا! نسماته تتراجع! ويبقى الانسان مع ما قدّم فيه، ويحاسب نفسه على ما لم يقدّم ويؤنّب ضميره على التقصير أو حتى على عدم الزيادة في الإحسان. ان هذا الجو الحزين يمكن التماسه في النفوس التي تعلّق قلبها برمضان، ولعلّ ما تردّده المآذن في ليالي رمضان الأخيرة "لا أوحش الله منك يا رمضان"، لهو تعبير جليّ عن مثل هذه المشاعر الحزينة ابّان الفراق. أما من جهة أخرى، فالمؤمن يفرح بالأعمال التي قدّمها ويرجو الله أن تُتقبّل. انه يصحو فجأة من انغماسه وخشوعه لتأسره لحظات رمضان الأخيرة، فتدفعه الى تلخيص جهوده وتتويجها بالتاج الرمضاني. وتُفرح المؤمن أيضا هدية تعقب الصيام مباشرة وهي عيد الفطر. يقول عليه الصلاة والسلام: "للصائم فرحتان يفرحهما: إذا أفطر فرح بفطره، وإذا لقي ربه فرح بصومه".