3.2.15

كيف لنا أن نُفكّر ؟


هناك فائدة لربما تُساعدنا في توجيه تفكيرنا، ولو استطعنا أن نُطبّقها لتُرجمت آمالنا الى الواقع ولتغيّرت حياتنا رأسا على عقب. هذه الفائدة تُختصر بكلمات قليلة وهي: أن نُفكّر في الكليّات بدلا من الجزئيات. انه عندما نريد أن نتشبثّ بما يُوحّدنا وبما يجمعنا وأن لا ننزلق الى خلافات جانبية ثانوية، فإنه يجب علينا أن ننظر في الأمور الرئيسية والأساسية قبل أن ندخل في التفاصيل. فإن دخلنا في التفاصيل قبل الأمور الأساسية فإن وحدتنا ستكون مُهدّدة أكثر من أي وقت قد مضى. وليس هذا لأن فريق أو غيره يُخبّئ قنابلا موقوتة بين طيّات التفاصيل، ولكن لأنه وبشكل طبيعي سيكون الاختلاف حول الأمور التفصيلية أكثر وأشدّ منه حول الأمور الرئيسية. وهذا ما نجده في كثير من المجالات، فعند ابرام اتفاقية يخوض المتفاوضون في البنود الرئيسية أولا، وعند دراسة علم معين فإن أول ما ينكشف اليه الدارس ما يتفق عليه العلماء (أساسيات العلم).  

ان هذا المنحى من التفكير يُفضي الى مرونة كبيرة، الى امكانية أخذ وعطاء، الى تلاقي، ذلك أنه يأخذ بالعناوين الرئيسية، بالصورة الكاملة الواسعة التي تتسع للجميع، ولا يحصر المُتفاوضين في زاوية ضيّقة تكاد تخنق الجميع فينفروا منها. وهو يتلاءم مع متطلبات المرحلة، فمن أجل اعادة الأطراف المختلفة الى طاولة واحدة ومن أجل المضي قُدُما في الحوار والنقاش وبناء جسور التواصل التي هُدّمت، ينبغي اتخاذ مثل هذا المنحى من التفكير الذي لا يُعاند على الصغائر أو على ما لا يتلاءم مع المرحلة. انه يسعى الى بناء لغة أساسية مشتركة كي تكون مُعينا (بعد أن ترسّخت وتمكّن منها مُتحدّثيها) على الخوض في التفاصيل. أيُعقل أن يُخاض في التفاصيل قبل انشاء مثل هذه اللغة المشتركة؟

ان ترسيخ الكليات يُساهم في بناء المشترك وهذا بدوره يُظلّل الدخول في نقاط الاختلاف. انه كلما ثارت نقطة خلاف فرعية، كان بالإمكان العودة الى العناوين الرئيسية وتسوية نقطة الخلاف بحسب ما ترسّخ في أذهان المُتحدّثين من نقاط أساسية. فعلى سبيل المثال، هل يُعقل أن نتكلّم عن تطبيق الحدود ونحن لم نُفكّر في كيفية مواجهة الظلم؟ ان غاية تحقيق العدل يتفق عليها جميعنا وهي تختصر كثيرا من نقاط البلبلة والاختلاف، فإن نحن عزمنا على تحقيق مثل هذا الهدف الذي ينظر في الكليات، فهمنا أنه يجب أن نُحارب القمع، الاضطهاد، اللا مساواة، الفقر، فكل ذلك ليس من العدل. وان نحن عزمنا على رفع مستوى ثقافتنا الحاضرة فإننا سنختصر على أنفسنا محاورات سطحية عند الدخول في الجزئيات، وسنتجّه الى طلب العلم، التشجيع على القراءة والدفع نحو الرُقي الأخلاقي.  

هذا لا يعني أن نحرم أنفسنا من الدخول في الجزئيات والتفاصيل، فبحثها أيضا مهم وبناء تصوّرات عنها أيضا شيء مهم، ولكن عند طاولة المُفاوضات يجب النظر في الكليات بدلا من الجزئيات، والدخول الى الجزئيات من خلال منظار الكليات. ان منظار الكليات هذا يُتيح لنا رؤية الآخر ومحاولة فهم طريقة تفكيره ويمنعنا من التفكير المحصور في حدودنا. ولذلك التصوّرات التي نبنيها مُسبقا عن الجزئيات لا يجب أن تكون جامدة، متحجّرة ونهائية وانما أن تكون مفتوحة للبحث والنقاش. تفكير الكليّات هذا سيحول دون بناء الحدود قبل رؤية المساحات التي أمامنا وسيحول دون بناء الحواجز قبل أن تُشقّ الطرق وسيحول دون الضياع في الضفاف قبل بناء الجسور.

2.2.15

ما الذي يمنعك أن تؤمن ؟


يظنّ البعض أنه عندما يؤمن كل واحد منا بدين مختلف وعندما يُظهر شخصيته الدينية على الملأ فإن ذلك سيزيد من حدّة التوتّر بين أبناء الصفّ الواحد وسيُعمّق من الفُرقة، وليس هذا صحيحا. ان الفُرقة تحدث عندما نُمارس الدين بصورة عوجاء، بلهاء وهوجاء! ولو مارس العرب الدين بروح "أنا مؤمن بما أنا مؤمن به، وأحترم ما تؤمن به أنت" لصار الدين صفة تجمع جُلّ العرب في صفّ واحد. وهذا ما لخّصه الإسلام في: "لكم دينكم ولي دين". بمعنى أن الأديان في روحها لا تدفع بالإنسان الى مقاتلة واحتقار المختلفين، ولكن الفهم الأعوج هو الذي يوصل الى هذا المطبّ! كيف للأديان التي تدعو الى الرُقيّ الأخلاقي والى اخراج ما في الإنسان من خير والى الروحانية والتسامي على المادية، كيف لها أن تدعو الى التقاتل؟!

والأديان السماوية تَجْمَع لأنها تتفق جميعها على وجود قوى ما ورائية غيبية عدا عما نلتقطه من أشياء، وكل هذه الأديان يتجّه الى السماء، الى الله الخالق، وكلها يدعو الى التسامي الروحي والأخلاقي. فكيف لها أن تُفرّق؟ بل على العكس، اذ يمكن أن يحدث تلاقح ايجابي اذا ما اطّلع كل واحد على منطق الآخر دونما أحكام مُسبقة. ان التقاء هذه الأديان لهو شيء مثير للاهتمام وللفضول ولكننا نحن من جعلناه لقاء مخيفا غريبا وأحيانا مستحيلا!

ولو تمّعنا في الواقع لوجدنا الاختلاف بين بني البشر في كل مكان، فأي حياة مملّة ستكون حياتنا لو كنا نُسخا عن بعضنا؟ أبناء نفس العائلة، أحدهم يتعلّم الطبّ والآخر يتعلّم الكيمياء وثالثهم يتعلّم علوم الحاسوب، ولنفرض أن كل واحد سيكمل حياته في موضوع تعليمه ونعرف في علم النفس مدى تأثير موضوع التعليم أو العمل على شخصية الإنسان، أفلهذا الاختلاف يجب أن يتباغض الإخوة ويتقاتلوا؟ سيقال عنهم مجانين ان فعلوا!    

سيقول لك أحدهم: انكم تُكفّرون بعضكم بعضا، فكيف لأديانكم أن تجمعكم؟

والجواب على مثل هذا السؤال يبدأ من البحث في معنى الكفر. لماذا تؤلمنا كلمة كفر الى هذا الحد؟ ان الكفر هو ضد الإيمان. فالمسلم مؤمن بما يُمليه عليه دينه، كافر (أي غير مؤمن) بما يتعارض معه، والمسيحي مؤمن بما يُمليه عليه دينه، كافر (أي غير مؤمن) بما يتعارض معه. يقول تعالى في كتابه العزيز: "فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى لا انفِصَامَ لَهَا". فكلنا مؤمن بأشياء وكافر بأشياء أخرى.

أما عندما يصف دين معين مخالفينه بالكفر، فهذا أيضا لا يجب أن يخضّنا ما دام أن الشخص مؤمن بذلك في قرارة نفسه دون أن يُؤذي الآخرين. ان ذلك ليس غريبا فكل اطار يضع له حدودا، ومن لا يندرج فيها يخرج من الاطار، تماما كالقانون الذي يضع قوانينا فمن يخالفه يُسمّى مخالِفا أو مُجرما. والقانون يمكن أن يختلف من دولة الى دولة والعقاب كذلك، كالأديان تختلف ويختلف فيها تعريف الكفر. فالإسلام يعتبر كل من يقول بالتثليث غير مؤمن به (أي كافر به) والمسيحية تعتبر كل من لا يقول بالصليب غير مؤمن بها كذلك (كافر بها). لكن هل يضرّ ايمانك (الذي تؤمن به في قرارة نفسك) بالآخر؟ المفروض أنه لا يضرّ، لكن أن تصير تنادي الآخر كافرا أو تتهكّم على دينه أو تحتقره فعند ذلك يضرّ ايمانك بالآخر ووقتها يكون ايمانا منقوصا!

ان صحوتنا لا يجب أن تفتقد الى صحوة دينية، فنحن ندعو الى اصلاح سياسي، اصلاح اجتماعي واصلاح ديني كذلك. ولا يجب أن نظنّ بعد كل هذا أن ابراز مظاهر التديّن تُبعدنا عن اللُّحمة، فإن كان مظهر الحجاب يُصيبنا بالإحراج أو بعدم الراحة أو أن مظهر الصليب يُصيبنا بشعور مماثل، فكل ذلك يعود الى الأفهام الخاطئة التي ذُوّتت داخلنا وبالتالي نجم عنها مشاعر سلبية تجاه الآخر كمثل الكراهية والبغضاء. ان هذه المظاهر كما المفاهيم التي نؤمن بها لا يجب أن تُحرجنا ولا أن تُبعدنا عن بعضنا، وانما ينبغي أن تكون جسورا للتعرّف على بعضنا البعض.      

1.2.15

اسلاموفوبيا !


لقد بات الخوف من الإسلام ظاهرة مُنتشرة في أوساط غير المسلمين وحتى في أوساط المسلمين، فصوت المُتشدّدين عالٍ ويزداد عُلُوا من يوم الى يوم. العالم بات يخاف من شريعة الإسلام، ذلك أن هؤلاء قدّموها على أنها ذبح وجلد ورجم! ولو تمعّنا في العوامل التي أدّت بنا الى الاسلاموفوبيا لاكتشفنا مُجدّدا أنهما عاملان أساسيان وهما: الاستعمار والقابلية للاستعمار.

يُعنى الاستعمار بالتفريق بين أبناء الوطن الواحد، بين أبناء هذا الوطن العربي! وقد وقع المسلمون ضحية لمثل هذا الاستعمار، عندما سمحوا للمُستعمِر أن يُساهم بتشويه صورة دينهم، ليصير دين الإسلام دين السيف والقتل والدماء! دين الحرب، لا دين السلم، بعكس اسمه وروحه! ووقع العرب عامة ضحية الاستعمار عندما صدّقوا الصورة المشوّهة التي عرضها الغرب عن الإسلام، وقد نجح الغرب في تخوفيهم من هذه الصورة الخبيثة وأدّى بهم الى نحر الديمقراطية كي لا يصل الإسلاميون الى الكرسي.

وقد جلب الغرب أدلة "دامغة" (كمثل التركيز على ارهاب الجماعات الاسلامية المُتشدّدة وأقوال وفتاوى نادرة من جراء بحثهم في كتبنا) على ارهاب الإسلام فاقتنع كثير ممن لا يرون الصورة الكاملة. هذا التشويه وذاك التركيز على مساوئ المسلمين هو مما يخدم مصالح المُستعمِر، اذ هو يُكرّه الناس (عربا وغير عرب) بالإسلام وكل ما يتبع له، مما يجهض امكانية بناء وطن عربي آمن، بل ويودي الى صراعات داخلية بهدف منع صعود الإسلاميين الى الحكم.

والمسلمون أنفسهم هيّئوا البيئة المناسبة لتقبّل هذا الاستعمار، فإذا نظر الواحد منا حوله وجد الكمّ الهائل من الآراء الفقهية الجامدة ومن اللا منهجية في التعامل مع موروثنا الثقافي والديني. اذا سمع أحدهم قولا لابن تيمية، فإنه يجمد عنده ولا يُعطي لنفسه ولا لغيره فرصة اعادة النظر في المسألة، ولا يهمهم تغيّر الزمان والمكان ولكن رأي ابن تيمية يجب أن يُعمل به أبد الدهر! وهكذا فإن هذا الجمود وهذا التحجّر لم يُولّدان الا عقولا مُتحجّرة عاجزة عن أن تأخذ بأيدي الواقع والناس الى حال أفضل. انه تمّ قتل اعادة النظر في النصوص الدينية وما يجرؤ على ذلك الا القلة وما يجرؤ الا قلة القلة على مخالفة الرأي السائد. ان هذا الجمود الديني وضعف القراءة والاطلاع والثقافة، كل ذلك دفع بالغرب الى أن يستغلّ الفرصة ليغسل الأدمغة العربية المُفتقرة الى المعرفة.

لقد صار الاسلام شبحا يُخيف الأطفال، بيد أنه دين الرحمة للصغير وللكبير، للشجر والحجر. صار المسيحي يرتجف عند سماع اسم دولة الإسلام وحقّ له ذلك، وصار المسلم المعتدل يرتعد عندما يسمع عن تطبيق الشريعة، وصارت النسوة تخاف من أن يذهب أولادهن الى المساجد كي لا "يتعقّدو" من رجال الدين! الكل صار يخاف من هذا الدين، أهذا هو دين الرحمة؟ أهذا هو الدين الذي يضع قانونا قمّة في التسامح والتعايش: "لا إكراه في الدين"؟ هل الخوف هو الذي يشدّ الناس الى الدين؟ بالعادة، الناس يخافون من شيء يُهدّدهم أو من شيء يظنونه يُهدّدهم، فنجد خوفا من المُرتفعات ومن العتمة ومن الوحوش وهكذا. أنريد لدين الاسلام أن يكون وحشا يقضّ مضاجع المخالفين أم محبة ورحمة تُصيبهم فيحبّونه؟ اذا لم نُغيّر المسار ونُحبّب الناس الى هذا الدين (ليس عن طريق تزيينه فهو لا يحتاج الى تزيين، اذ هو جميل من الداخل وفي روحه ان نحن فهمناه حقّ الفهم) فكيف لنا أن نبني وطنا وكيف للمسلمين أن يعيشوا مع غيرهم عيشا مشتركا؟

انه من الواجب على العرب أن يكونوا نبهاء، فلا ينخدعوا برواية الغرب غير الموضوعية عن الإسلام، لأنه عندها سيتحقّق ما يرنو اليه الغرب من غايات استعمارية كمثل اشعال الصراعات الطائفية وتدمير الأوطان. والواجب عدم الانسياق وراء دعاياتهم المُنفّرة، اذ تبان هشاشتها فور أن نقرأ نصوص هذا الدين التي يُخفيها هؤلاء: "وما أرسلناك الا رحمة للعالمين" أو "لا إكراه في الدين" أو "فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر" وغيرها من الآيات. وهم قد رأوا ضعف الأمة الإسلامية فاستغلوا الفرصة وأضعفوها زيادة بدعايتهم، فكأنّ الإسلام انتهك مرتين: مرة على أيدي أهله الذين لم يفهموه حقّ الفهم ومرة على أيدي هؤلاء الذين أشاعوا دعاياتهم عنه. لذا وجب على كل مُنصف أن يطّلع بنفسه على أقوال وأخلاق أمة الإسلام عن كثب، قبل أن يحكم من خلال دعاياتهم، وليعلم أن الجماعات المُتشدّدة البارزة ليست هي ممثلا عنه كما أن الوهن الذي أصاب أمة الإسلام لا يُمثّل الإسلام، انه ببساطة فهم بائس.

صراعات داخلية


لا شكّ أن الصراعات داخل وطننا العربي تُوهن وتضرب الوحدة وكلما استمرّت كلما زادت الفجوة بين الأطراف المختلفة. ولربما فهم المُستعمِر أن العربي سرعان ما يستشيط غضبا، فإذا ما غضب نسي عقله وبادر الى ردة فعل مُتسرّعة، بعكس الأوروبي الـ "كوول". ولسنا ندّعي أن العربي عصبي المزاج في جيناته، ولكنه ناتج اجتماعي نجم عن بيئة اجتماعية معينة، من مثل العيشة الصعبة في ظل نظام حكم ديكتاتوري. وليس الاستعمار هو المسؤول الوحيد عن مثل هذه الصراعات الداخلية، فإن كان هو من يؤسّس لمثلها ويوقد شرارة اشتعالها من حين لآخر، فسنبقى نحن من نقبل على أنفسنا دور المُتصارعِين.  

ومثل الاستعمار والصراعات الداخلية كمثل مجموعة من الأولاد يلعبون ويلهون بسلام وأمان فتأتي مجموعة أخرى تريد أن تُشتّت شملهم وتُفرّقهم اما لغرض ما أو لمجرّد أن تهنئ بتقاتلهم وافتراقهم. تأتي المجموعة الخارجية فتقول لواحد من المجموعة الأولى ان صاحبك يقول أنك فاشل في اللعب ويقولون لآخر ان صاحبك قال عنك كلاما فاحشا وهكذا يعمّ صراع داخلي بين أعضاء المجموعة التي كانت تلعب بسلام وأمان وتتفرّق وتجهض اللعبة الهنيّة. كذلك فإن ما يحدث الآن في عالمنا العربي هو زرع مشابه للفتن بين أبناء الصف الواحد ومحاولة تأكيد ذلك بإثباتات واقعية ونظرية.

انهم يقولون: انه مسلم، اذا فاحذره! انهم يريدون اقامة دولة الاسلام التي لا مكان لكم فيها، لا ديمقراطية عندهم، لا حقوق، لا حريات! انكم ستصيرون عبيدا عندهم! وسترجعون مائة سنة الى الوراء! وعندهم حدود! انهم سيقتلونكم، سيُقطّعون أيديكم، سيجلدونكم وسيرجمونكم! واذا لم تُصدّقوا فشاهدوا ارهاب "داعش".

ويقولون: انه مسيحي لا يؤمن بما أُنزل على محمد فاقتله أو أدخله الاسلام رغم أنفه! انك ان لم تفعل فسينشر الفساد في الأرض، سينشر التثليث! كفّره وفهّمه أنه كافر! واذا لم تُصدّقوا فلا تنسوا الحروب الصليبية!

ويقولون: انه شيعي، انه يسبّ الصحابة! وان لم تُصدّق اقرأ هذا من كتبهم أو اسمع قول أحدهم! ويقولون: انه سني، انه لا يُكرّم عليا!

ونحن نُصدّق أقوالهم ووعظهم لنا، ذلك أنهم لم يأتوا بأشياء غريبة عنا وانما درسوا ثقافتنا أكثر مما درسناها وتراثنا أكثر مما درسناه، ليسهل عليهم بذلك ايقاعنا في شَرَكهم وفي لعبتهم. ولكنّ العيب في ما يعظون به أنه مُجتزئ، خارج عن سياقه، مخلوط بأقوال خبيثة ولربما مدسوسة. فعلى سبيل المثال يمكنهم أن يُركّزوا وعظهم على عادة سيئة توارثناها أو على رأي شاذ أو نادر أو على قول رجل لا يُؤخذ بقوله وهكذا، كمثل الكاميرا التي تُركّز عدستها على ورقة متجاهلة الشجرة التي تحملها. ونقول في النهاية أنه يمكن لكل واحد أن يؤمن بما يؤمن به وأن يكون بيننا عيشا، حضارة وثقافة مشتركة، دون تحريض أو مسّ بمعتقد الآخر.

من تجلّيات الاستعمار


انه من الواجب التأكيد مجددا على أن تحميل الاستعمار كل ما يحصل لنا هو خطأ وتشويه للصورة الواقعية تماما كما يحدث عندما نُحمّل أنفسنا وشعوبنا كل ما يحصل. ولكن كيف يتجلّى الاستعمار؟ وأين يمكننا أن نراه؟

"الاستعمار هو ظاهرة تهدف إلى سيطرة دولة قوية على دولة ضعيفة وبسط نفوذها من أجل استغلال خيراتها في المجالات الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، وهي بالتالي نهب وسلب منظم لثروات البلاد المستعمرة، فضلا عن تحطيم كرامة شعوب تلك البلاد وتدمير تراثها الحضاري والثقافي، وفرض ثقافة الاستعمار على أنها الثقافة الوحيدة القادرة على نقل البلاد المستعمرة إلى مرحلة الحضارة". اذا ما نظرنا الى واقعنا واستعنا بالتعريف أعلاه، يمكننا أن نجد تجلّيات كثيرة للاستعمار. ان من أولى خطوات الاستعمار هو تصنيف دول العالم حسب قواها، فتلك دول عظمى تملك حق "الفيتو"، وتلك دول العالم الأول وأخرى دول العالم الثالث. ان هذا التقسيم الطبقي يضع العالم العربي بأكمله في العالم الثالث، فكأنها وصمة لازمت عالمنا العربي وأنّى له أن يتحرّر منها.  

ورغم غنى الوطن العربي بالثروات الطبيعية كمثل النفط، الا أننا لا نجد لمثل هذه الثروات استثمارا داخليا وانما يتمّ بيعها بأسعار زهيدة الى دول "العالم الأول"، ولربما يحصل البائع بالمقابل على أسلحة حديثة. مثل هذه الصفقات هي من أوضح تجلّيات الاستعمار، اذ أن ثروات البلد تُهدى أو تُباع ولا يتمّ تشغيلها في عجلة الانتاج المحلية، وتزيد الهِبة التي يحصل عليها البائع من عمق الاستعمار، اذ يأتي السلاح وتأتي الأجهزة المتطوّرة من الخارج ولا يُبذل أي جهد في محاولة انتاج أمثالها.

وهكذا يهدي وطننا العربي أغلى ما يملك لدول "العالم الأول" وعلى طبق من ذهب ويظنّ نفسه حذقا أو ذكيا عندما يأخذ بالمقابل أجهزة أو أسلحة حديثة في حين أنه يجعل من الوطن سوقا استهلاكيا يبيع فيه المُسيطر ما يُنتج. انه يُبقي الوطن العربي مُستهلكا و"العالم الأول" مُنتجا، وبطبيعة الحال فإن من يستمسك بالإنتاج سيحافظ على قوّته وريادته وسيبقى المُستهلك رهينة عنده يسعى وراءه كلما أراد منتجا جديدا. والمُنتج يملك أسرار المعرفة التي تُمكّنه من انتاج ما أنتج وهو يسعى دائما الى تطويرها كيما يُحسّن ويطوّر من انتاجه، أما المُستهلك فإنه لا يحتاج الى هذه المعرفة لأن عجلة الانتاج عنده واقفة وبالتالي ستبقى معرفته حبيسة النظر. واذا ما استمرّ هذا الحال فلن تكفّ الفجوة عن التعمّق والترسّخ، فـ"العالم الأول" سعيد بسيطرته على سبل الانتاج والعالم الثالث يأخذ ما يصنعه له الآخرون "على المتريّح".

ويتبع هذا الخضوع للإنتاج الخارجي منّاً وغسيل دماغ، فالمُستعمِر يمنّ على المُستعمَر بما يصنعه له ويُعطيه ذلك الشعور أنه عالة على الأمم، متجاهلا (ومستغلا غفلة دولنا العربية) دوره الأول في سرقة ثرواتنا. واذا ما بلعنا تثبيط العزائم هذا، فإن عملية غسيل الدماغ تستمرّ في تثبيت الاستعمار، ليبدأ القوي يقنع الضعيف أن نهجه (نهج الضعيف) وأسلوب حياته هو غير صحيح على الإطلاق مما يُعطيه احساس بالدونية تجاهه، وأن أسلوب حياة القوي هو الأمثل وهو الأنجع والإثبات هو الواقع (القوي يمُرّر الرسالة الآتية: لو لم أكن أنا على حق، لما رأيت علومي مزدهرة وحضارتي وثقافتي في أوجها). عملية غسيل الدماغ هذه قاتلة وبالغة الأثر، وهي كذلك لأنها لا تأتي بشكل جلي، وانما متخفيّة مُقنّعة تتسرب الى لا وعي شعوبنا من خلال أشياء كثيرة كالإعلام، والقلة هم من يكونون واعين لتأثيرها. انه عندها يظهر الاتباع والتقليد الأعمى لثقافة المُستعمِر من استنساخ نمط الحياة الغربي الى الركض وراء قصات الشعر وماركات الملابس.

23.1.15

وما الذي يُفرّقنا ؟


هناك سببين رئيسيين لتفّرقنا ومنهما تنبع أسباب وعوامل فرعية تُساهم في فُرقتنا:

السبب الأول هو خارجي ويضمّ كل ما يُضمر لنا من نوايا خبيثة ويُحاك لنا من مؤامرات ويُطبّق علينا من مُخطّطات استعمارية بوعينا أو بعدمه.

السبب الآخر هو داخلي ويضمّ كل تعاون مع المُستعمِر وكل ما يجعل منا أرضا خصبة للنوايا الخبيثة وللمؤامرات وللمخطّطات الاستعمارية. هذا ما سمّاه مالك بن نبي "القابلية للاستعمار".

وكل محاولة لعرض واحد من السببين دون الآخر هي محاولة لتشويه الصورة ولترسيخ الفهم القاصر.

وباختصار شديد، هما عاملان: الاستعمار والقابلية للاستعمار. وهما مُتعلّقان ببعضهما تعلّقا شديدا، فلو لم تكن عندنا قابلية للاستعمار لما أصابنا الاستعمار، ولو لم يكن هناك استعمار لما تأثّرنا من قابليتنا للاستعمار. يمكننا أن نُشبّه الاستعمار بالمرض الذي يُصيب الجسد، فلو لم يكن الجسد مكانا خصبا للفيروسات وللميكروبات لما أصابه المرض، ولو لم يكن هناك مرض أصلا (يستحيل) لما أُصيب الجسد كذلك. بمعنى آخر، لو كان الجسد في كامل قواه وصحته لما أصابه ما أصابه، ولما لم يكن بالإمكان منع المرض (وكذلك الاستعمار) بالمطلق، فإن غالبية الجهود يجب أن تتجّه الى معالجة القابلية للاستعمار. وهذا التوجّه يجب أن يتمّ لأن صلاح أنفسنا في متناول يدنا، فنحن يمكننا أن نُحسّن من حالنا ان أردنا، ولكن ما يُحاك في الخارج لا يمكن منعه، وأقصى ما يمكن أن نعمله في سبيل مواجهته هو أن نُبقي عينا يقظة مُطّلعة على ما يحدث حولنا.

لذلك فإن مسؤوليتنا كبيرة تجاه أنفسنا وشعوبنا، فليس كل ما يحصل لنا هو مؤامرة خارجية ولكن الصورة أوسع من ذلك كما أسلفنا. ولا نحتاج الى بحث كبير كي نكتشف أن داخلنا هشّ ضعيف وأن حال أمتنا العربية يُرثى له، فالإنتاج عندنا شبه معدوم وحضارتنا الحاضرة بائسة وثقافتنا الحاضرة ضعيفة. ومن ثم فهل نستغرب أن يُصيب الاستعمار جسد هذه الأمة الضعيفة؟!

الا أننا يجب أن نستمّر في رؤيتنا الواسعة عند معالجتنا الواقع، فمن جهة أولى لا ينبغي علينا أن نضع كل اللوم على أنفسنا وأن نشعر شعورا مُبالغا به بالذنب والدونية ولا يجب علينا أن نطلق عبارات مثل: "العرب عمرهم ما بطّورا ولا بصيرو"، وكأن في جيناتنا أننا متأخّرون عن العالم (فذلك ما يريد أن يُفهمنا اياه هذا الاستعمار)، ولكن علينا أن نعي وجود من يُساهم في هواننا ومن يُشوّه صورتنا ومن ينهب ثرواتنا ومن يجعلنا سوقا استهلاكيا لا غير، وأن نفهم أن هذا الحال الصعب الذي نعيشه هو ناتج اجتماعي ليس أكثر (ليست جينات العرب شاذة عن سائر البشر كما يُحاول أن يُفهمنا الاستعمار).

ومن جهة ثانية لا ينبغي أن نُحمّل الاستعمار والمؤامرات كل ما يحصل لنا، فعند ذلك لن نتغيّر وسنبقى نتفرّج على العالم (والعالم يضحك على حالنا) دون أن نُحرّك ساكنا، ولكن أن نعلم أن التغيير يبدأ من الداخل واذا ما أردنا أن ننهض فلن يمنعنا استعمار ولا غيره. بالتأكيد ستكون هناك مُعوّقات كثيرة من آثار الاستعمار وربما ستمر سنون حتى تتحرّر أمتنا، ذلك أن استئصال براثن الاستعمار يحتاج الى وقت والى جهد.

بهذا المنطق، فإنه لا يجب علينا أن نتوانى عن اصلاح أنفسنا من خلال احياء شروط النهضة (من مثل العلم والثقافة) والإجهاز على معيقاتها (من مثل الأفكار الخيالية والعادات البائسة). انها بمثابة مراجعة منهجية للموروث وفيها يتمّ ابقاء كل صالح والقاء كل فاسد، مع قراءة الواقع الذي نعيشه واستحضار المستقبل الذي نرنو اليه (وكأننا نراه أمام أعيننا).

22.1.15

ما الذي يجمعنا ؟


ان أول ما يجمعنا نحن العرب هو اللغة العربية وذلك يؤدّي الى اشتراك الثقافة والحضارة بيننا. فمن خلال اللغة المشتركة – التي هي بمثابة وسيلة التواصل – تُمرّر القيم المشتركة، العادات، التقاليد وحتى طرق التفكير وطرق التعبير عن الشعور. ولا شكّ لدينا بالنسبة لدور اللغة الكبير في تأسيس هذا الجزء العظيم من المشترك الانساني، فللغة وللكلمة تأثير على التفكير وعلى الشعور وعلى التصرّف.

لو قيل لك: "أنت أغبى انسان على وجه الكرة الأرضية"، لفكّرت أن القائل يُهينك ويعتدي على شخصك (تفكير)، مما يؤدّي الى استشاطة غضبك (شعور) والى ردة فعل كلامية أو فعلية (تصرّف). أما لو قيل لك نفس المقولة باللغة الصينية التي تجهلها فإنها لن تُحرّك فيك ساكنا، اذ هي مبهمة بالنسبة لك. وحتى لو قيلت لك نفس الكلمات بلغة تعرفها وتمارسها، فإنك سترجع القول الى لغتك الأم على الأغلب وستردّ بحسب ثقافتك. فإن كان وصف انسان بالهوس أو بالمثلية الجنسية مقبولا في ثقافة معينة فلربما يكون غير مقبول في الثقافة الأخرى (كما في الثقافة العربية) وذلك سيؤدّي الى فهم نفس المقولة والى ابداء ردة فعل بشكل يتلاءم مع النشأة الثقافية.

ولنا أن ننظر الى واقعنا اليوم: ما الذي يجمعنا نحن العرب في هذه الأيام؟  

ثروات ثقافية لا تُعدّ ولا تُحصى، من مثل روايات تحكي واقعنا، طموحاتنا وآلامنا، فالتونسي والمصري والسوري يشعرون بما يشعر به اخوانهم في فلسطين عندما يقرأون لفدوى طوقان. ومن منا لا يعرف الأيام لطه حسين ولو بالاسم؟ ومن منا لا يعرف جبران خليل جبران وميخائيل نعيمة ونجيب محفوظ؟ وأشعار المتنبي والشافعي؟

والتراث الإسلامي لا ينبغي أن يكون حصرا للمسلمين، بل على كل عربي يفتخر بعروبته أن ينكشف ويغوص في أعماق هذا التراث، فما قدّمه هذا التراث من غنى للمكتبة العربية، للأدب، للشعر، للفكر وللعلم معروف لنا جميعا. ومن ثم فهذا الدين (الدين الإسلامي) نزل على أمة العرب وهو الذي أحدث فيها ثورة ثقافية وثورة حضارية لا يمكن أن ينكرهما أي مُنصف.

ان كل عربي بغض النظر عن دينه يجب أن يقول أن هذا التراث الإسلامي هو لي، ونكاية بأولئك المتشدّدين الذي يريدون منعي منه فسأقرأه وسأدرسه وسأستفيد منه، ولو لم أكن مؤمنا بكل فيه. كذلك الحال مع التراث الجاهلي، فلا ينبغي أن نتخذّ منه موقف المُحارب ولا أن نهجره ولو كان فيه ما لا يقبله دين ولا عقل ولا منطق، والتراث العباسي والعثماني والفاطمي كذلك. ان هذه حلقات ثقافتنا، ونعرف أن فيها منحدرات ونكسات وانتكاسات وأن فيها يقظة وازدهارا ومجدا، فلا ينبغي أن نرى منها ما ينسجم مع أجندتنا الدينية، الطائفية أو الحزبية وانما يجب أن نراها كُلّا واحدا. فإن لم يحدث ذلك فإننا نُهدّد عروبتنا قبل أن يُهدّدها أعدائنا ونهدم تاريخنا وماضينا. ولأولئك المتشدّدين الذين يريدون محق تاريخنا ومحق ما لا ينسجم مع أجندتهم نقول: اطّلعوا، اقرأوا، ابحثوا في تاريخكم، ولا تخافوا ان انتم اطّلعتم أنكم ستتأثّرون وستعودون الى "ضلالكم القديم"، فليس على القارئ أن يؤمن بكل ما يقرأه. ولربما من سطحية عقولكم وفقدانكم لمَلَكَة النقد، خفتم من قراءة ما لا تؤمنون به ونفرتم ودعوتم الى هجرانه وحرقه. ألا تبّا لكم يا من قتلتم عروبتنا وقتلتمونا!

14.1.15

هل لي من عربية ؟


لم أتخيل يوما أن شعورا كهذا سيصيبني فور دخولي أرض العرب! ورغم التشوّق والتأمّل لمثل هذا الدخول الا أنني لم أتوقّع أن تنساب نفسي بهذه السرعة مع أرض جديدة لا تعرفها! أيعقل أنها خانتني وذهبت لتبوح بالحبّ تحت ضوء القمر؟! أم أنها رجعت الى موطنها؟!

-        لكنها لم تكن هناك يوما!  

-        كيف؟! ألم تكن هناك في أحلامها، في أوهامها، في هذيانها، أو لربما في آمالها وتطلعاتها؟!

-        هي لا تهتمّ ان كانت أم لم تكن، ولكنها تريد ما هو كائن وما سيكون.

ولما وطئت قدماي أرض العرب، أخذت أبحث عن حروفنا، عن أبجديتنا، عن ألفنا المنتصبة التي حُرمنا منها، عن ضادنا التي غابت عنا، عن خائنا الصادقة، عن عيننا المفقودة، عن غيننا، عن ياءنا، عن سيننا، عن قافنا، عن كافنا. ووجدت! وجدت أحرفي المبعثرة على اللافتات اليمينية ووجدت مثلها على لافتات الشمال وأخرى أمامي وخلفي! ألا يوجد هناك عبرية؟! وأخذت أتفحّصها فما وجدت حرفا واحدا من العبرية! ألا يحقّ لي أن أخلو بالعربية، أقصد الحروف العربية؟!

ولكن الانجليزية كانت هناك شاخصة جانب العربية، وكأنّ العربية ستبدو منقوصة لو لم تدعمها، تغذّيها، تشدّ أزرها أو تنتهكها، تستعمرها، تستحلها تلك الغريبة الانجليزية! أما آن لك أن تذهبي أيتها الغريبة! عودي من حيث أتيت، فنحن عندنا غين، أعندك؟ انها العين ليست عندك، فأنى لك أن تُبصرين! عودي ودعيني أنمّي اقتصادي، ثقافتي، سياستي وكل ما عندي من دونك!

-        ألا تدري أنها سترشد السائح التائه في بلادك؟

-        بلى، ولكني أدري أنها جاءت مستعمِرة، مستحمِرة، مستشرسة، أحسبت أني أكرهها أم أكره غيرها زائرة؟

-        صدّقني لو أراد العرب دحرها لما أتتك الا زائرة.

وكلما نظرت حولي رأيت ملامح العرب، وكلما مشيت وتعمّقت لم أسمع الا كلام العرب الذي ترافقه رفيقتنا الأجنبية! ولكن لا عبرية هناك؟ نعم، لا عبرية! ولما عطشت اقتنيت قنينة ماء باردة، فما وجدت عليها العبرية! ولما صعدت الى سيارة الأجرة، لم أسمع الا الموسيقى العربية! وعندما دخلت الفندق، كنت أترقّب مفاجئة العبرية! ولكني لم أجدها هناك! واستغربت من نفسي بعض الشيء: لم لا تقدر أن تنسى العبرية وعندها العربية تكفيها؟! ألا يكفيها أن شمّت العربية نسيما وذاقتها عسلا ورأتها تفوح جمالا؟! ألا يكفيها حسنها وجمالها وبلاغتها؟! وما لبثت أن تعدّيت هذا العتاب حتى انغمست نفسي وروحي وكلي في بحر العرب فذبت فيه كالملح. شعرت وكأني كنت هناك منذ زمن أو كأني كنت بين ظهرانيهم في سابق الزمان وصرت أعدّ نفسي صاحب المكان رغم أني مجرّد مسافر سأحمل حقائبي وأعود بعد أيام قليلة.

13.1.15

تعمليش حالك ملاك


"تعمليش حالك ملاك على الأرض وتخدعناش بلحيتك عمو الحج وتغطّيش على أعمالك بصلاتك وبالعمرة والحجة، وانت عامل اطوش مع نص البلد واذا جابو سيرتك الكل بهرب من قد ما عطالتك معبيّة البلد"

للأسف الشديد، التديّن السطحي الذي لا يلامس حقيقة التديّن بات ظاهرة متفشية في أوساطنا. وحقيقة التديّن تدور حول تهذيب النفس بمساعدة الشعائر، أي أن الدين يهدف الى جعل الانسان انسانا أفضل من كل النواحي. والفرضية التي نستند اليها في عملية اصلاح النفوس تتمحور حول فكرة اصلاح الداخل الذي يؤدّي الى اصلاح الخارج. فإن صلح عالم الانسان الجوّاني، فإن عالمه البرّاني سيصلح بالتالي، وهذا هو مراد التديّن.

أما التديّن السطحي فإنه يبدأ من القشرة ولا يصل حتى الى الجوف، ذلك أن نقطة بدايته كانت خاطئة، تماما كما أن التيار الكهربائي لا يسري في السلك لو كان رأسه غير موصولا بشكل صحيح بالكهرباء. ففي التديّن السطحي يبدأ الانسان بممارسة طقوس وشعائر بشكل أبله، دون أن يعيَ المراد والرسالة من هذه الطقوس والشعائر، ولينتهي به الأمر الى تكرار نفس الطقوس والشعائر من أجل تحصيل هدف لا يرقى الى الهدف الذي يرمي اليه التديّن الحقيقي. ومن الممكن أن يُردّد الانسان كلاما مُكرّرا في المراد من الشعائر دون ادراك معناه، ويمكنه أن يُسطّح الفهم الديني أو أن يُجهض الدين روحه وهو يسعى وراء الجزئيات. كما يمكن أن يضمر الانسان أهدافا دنيوية لهذه الأعمال الروحانية، وجلّ هذه الأهداف يمسّ الصورة الاجتماعية. فليس عجبا أن نجد من يُصلّي خمس صلوات ويصوم رمضان ويحجّ البيت ولكنه يسرق أموال الناس ويعيث في الأرض فسادا، وهو يقوم بهذه الشعائر ليُغطّي على فعلاته الشنيعة أو ليغضّ الطرف عنه أو لِيُشَرْعِن أعماله بمساعدة لباس القداسة فلا يعود أحد يجرؤ على مجابهته.

وليس عجبا أن نرى من يصلّي واذا سألته لماذا تصلّي أجابك: "لأنه ربنا قال صلوا"، ولئن حاججته اتّضح لك سطحية تفكيره الايماني. أنت: "لماذا أمرنا ربنا أن نصلي؟". هو: "لكي ندخل الجنة". ولئن أكملت لربما يتّهمك بالتشكيك في أهمية الصلاة! وليس هؤلاء الأشخاص من يؤمنون ايمان السليقة، ولكنهم يظنون أنهم ملكوا زمام المعرفة وأحاطوا بالحكمة من وراء الشعائر مما يودى بهم الى رفض كل تفسير جديد يُعرض عليهم.   

12.1.15

تعمليش حالك بتقراش


"تعمليش حالك بتقراش كتب حتى ما يقولو انك هبيلي أو معقّد أو غير اجتماعي. وتنساش بحياتك وانت بتفكّر هيك، انه في ناس بتعتبر اللي بقراش مش داري بالدنيا ومش فهمان ومش مثقّف وبطلعلوش يحكي أصلا، وتنساش كمان انه بسمّونا أمة اقرأ. فكرك علفاضي؟"  

غريب كيف أننا نمسخ الأفكار ونقلبها رأسا على عقب كيفما نشاء وكيفما نهوى، والمسكين منا من يتأثّر بهذا المسخ ويصير يعتبر نفسه شاذّا أو منحرفا ان حاد عن المفهوم الاجتماعي الممسوخ. احدى هذه الأفكار هو ما ينتشر حول قراءة الكتب، لدرجة أن الكتاب صار يُصوّر وكأنّه شبح أو مرض يجدر الابتعاد عنه قدر الإمكان. والحامل للكتاب أمام أعين المجتمع يمكنه أن يحظى بنظرات السخرية والاستخفاف وبنعوت تلتصق به فورا (دون التعرّف على شخصيته)، من مثل انسان مُغلق أو معقّد أو أهبل أو غير اجتماعي. وهل نستغرب بعد كل ما نلصق بالقراءة من سلبية أن نرى أقل معدّلات للقراءة في البلدان العربية.

هذا عندنا، أما عند الغرب فيعتبرون من يقرأ انسانا راقيا، مثقفا، مُطّلعا، واسع الأفق، وتراهم يركضون وراء حملة الكتب ليبدوا اعجابهم بهم وليُظهروا اهتمامهم وليُسعفوا فضولهم فلربما غاب عنهم كتاب جيّد. وتراهم يُحدثّون عن لحظات ترفيه قضوها خلال نهاية الأسبوع بقراءة رواية ممتعة أو كتاب عميق في فلسفته وفكره، والمستمع منهم يزداد تشوّقا لسماع الحديث ولالتقاط بعض دُرر الكتاب من أعين من قرأه، ويستمر حديث طويل مُسهب حول الكتاب وأفكاره ويصير كل واحد منهم يُدلي بكتاب قرأه عند موقف يوحي به، لدرجة أنهم ينسون جلوسهم في المقهى وربما تبرد "النس كافيه" وألسنتهم لا تكاد تدخل فيهم من شدّة تحمّسهم. أما عندنا فحديث حول كتاب تحوم حوله اللعنات ويُغلّفه الملل. وعندما يهدون فإن من أغلى ما يهدون كتابا، أما عندنا فالكتاب لا يخطر على البال في سياق الإهداء وان خطر فإنه يُستهجن.

وغريب هذا المسخ الذي حلّ بنا وتلك الأحاسيس الدونية التي نحسّها تجاه القراءة، وثقافة الإسلام تحثّنا وتأمرنا بالقراءة، وأول كلمة نزلت على رسولنا الكريم صلى الله عليه وسلم هي كلمة "اقرأ". فما الذي حلّ بنا ولماذا هذه النكسة؟! والأنكى من ذلك أنك تلمس أحيانا احساسا مشابها بالاستهتار والاستخفاف تجاه الفلسفة على سبيل المثال أو البحث العلمي، وكأنهم يريدون أن يقولوا لك: "الحياة بسيطة متعقّدهاش ومتصعّبهاش"! انها أدنى من بسيطة، بل تافهة ولكن هذا لا يعني أن لا نجدّ وأن لا نجتهد كيّما نؤدّي رسالتنا، فعملنا ورسالتنا متجّهين الى العالم الآخر، الى عالم الخلود، الى عالم يستحقّ العناء والبذل. ونرجع الى نفس النقطة: من قال أن القراءة تُعقّد ومن قال أن الفلسفة والبحث العلمي يُصعّبان؟ ان القراءة، الفلسفة، الفكر والبحث العلمي، كلها أمور جاءت لتيسير حياة البشر، فالقراءة تُغذّي المعرفة، تُحرّك الأفكار، تُفجّر الأحاسيس (لربما لا تتفجّر الأحاسيس عند قراءة كل ما يُكتب ولكنها موجودة وبشدّة في حال الأعمال الأدبية) وتفتح الآفاق. واذا ما فكّرنا بعملية القراءة فلا نجد أنها تُغلق مدارك الانسان (يمكن أنها تجعله متركزّا لحظة القراءة بين دفّات الورق)، الا أنها على العكس تُضيف الى مخزونه الفكري، تُغني الرؤية وتوسّعها. ليُبدي القارئ اعجابا بالكاتب عبر قوله: "ولااو كيف مفكّرتش بهاي الشغلة؟!". أيمكن لهذه القراءة أن تُغلق؟ وهل القراءة تجعل الانسان غير اجتماعي كما يتخوفّن بعض الأمهات اذا ما رأين ابنائهن منكبّين على قراءة الكتب؟ الحقيقة أنه وقت القراءة يضمحل اجتماع الانسان ذلك أن القراءة هي فعالية فردية في الغالب، لذلك كان من الحريّ بنا أن لا نفرّط بها وأن لا نُفرط كما بقية الأمور. الا أنه على أثر القراءة يمكن أن تزداد قدرة الانسان الاجتماعية، فهو يملك مواد خام ليُدلي بها خلال الجمع، وغناه الفكري ورؤيته الواسعة يتيحان له أن يدير حديثا غنيا ذا قيمة اجتماعية مع عدد من الأطراف.