2.8.15

الإيجاب المعقول - الجزء الثالث

هل نعيش اللحظة ؟

كثير منا يُردّد مقولة "عِش اللحظة" ولكن هل فعلا نحن نُدرك ما نقول؟ وهل فعلا نعيش اللحظة أم نظنّ أننا نعيشها ونحن بعيدون كل البعد عنها؟ اذا كان الانسان سارحا في ما جرى معه مؤخّرا أو حالما بما ستجلبه الأيام القريبة وهو في خضم لحظة حاضرة تستدعي حضوره، فهو من المؤكّد أنه لا يعيش اللحظة، اذ أن ذلك يمكن أن يظهر للجميع دون أي مجال للشكّ. ولكن اذا ما كان الانسان حاضرا بشكل جزئي بحيث أن جزئه الآخر هناك في الماضي أو في المستقبل فإن ذلك مما يصعب على الآخرين ملاحظته وأحيانا على الشخص نفسه، اذ هو يظنّ نفسه مع المجموعة لأنه مُدرك لما يدور حوله، ولئن توجّه اليه أحدهم لتمكّن من الإدلاء بدلوه ولكنه مع ذلك يبقى غير مندمج بشكل كلّي. انه يبقي يُراقب الزمن، والدقائق تكون عليه ثقيلة لأنه غير مندمج وغير مستمع بالتالي في لحظته الحاضرة، وهو يأخذ موقفا جانبيا فإن توجّهوا اليه كان معهم وان لم يتوجّهوا لم يُبادر هو الى التوجّه، وباختصار هو لا يشعر أنه قسم من المجموعة ولربما يشعر أنه مختلف عنها، غير متّفق معها ولا تلائمه، في حين لو حاول الاندماج فيها منذ البداية لوجدها غير ذلك.

هذا الحضور الجزئي يمكنه أن يُولّد هروبا الى الماضي أو المستقبل، مما يُساهم في حفظ وتقوية الحضور الجزئي، وهكذا تستمرّ الدائرة السلبية المُغلقة دون أن يتمكّن الانسان من اختراقها، فهو حاضر بشكل جزئي وكنتيجة من ذلك هو لا يشعر بشعور ايجابي، ولكي يُدافع عن نفسه يذهب الى الماضي الجميل أو المستقبل المرجو وبالتالي يحفظ حضوره الجزئي وهكذا. ان هذا الهروب الى الماضي أو المستقبل يعكس استعمالا لآليات دفاع تهدف الى اعادة التوازن النفسي والى اعادة الايجاب. ولكن هذه الأساليب الدفاعية تعمل عمل المُسكّن لا أكثر، ففي المرة القادمة ستنبعث نفس المشاعر السلبية الناجمة عن الحضور الجزئي وستدخل آليات الدفاع مرة أخرى الى الصورة. ومن ثم فإن هذه الآليات الدفاعية لا تُعطي للإنسان فرصة عيش اللحظة الحاضرة.

لكننا نقول أن الحضور الكلّي في اللحظة الحاضرة هو الحالة الأمثل وهو غير ممكن في حالات كثيرة، لأنه لربما سيشغل الانسان أحداثا جرت معه مؤخّرا أو أشياء مستقبلية قريبة تؤرّقه أو ينتظرها بفارغ الصبر ان كانت ايجابية وحتى أنه ستشغله أحداث حاضرة تعنيه تجري في مكان آخر غير مكان تواجده في اللحظة الحاضرة. لذلك فإن حاول الانسان أن يعيش اللحظة الحاضرة بكل قواه ولم يتمكّن من ذلك حتى النهاية، فلا يجب أن يشعر بمشاعر الذنب تجاه نفسه، ولكن أن يعمل على تصفية ذهنه وأن يجتهد في الحضور الكلّي (ذلك يمكن من خلال وسائل العلاج النفسية المختلفة على سبيل المثال).

***

ما بالنا نستعجل السلب ؟

هناك من الناس من اذا أقدموا على شيء (وخصوصا ان كانوا مُجبرين غير راغبين)، فإنهم يُضمرون في داخلهم أن ما هم مقدمون عليه سيكون سلبيا بالتأكيد ولا مجال للشكّ. انهم يُبرمجون تفكيرهم، تصرّفهم وشعورهم على أن القادم سيكون سلبيا، واذا ما قدم الأمر وجدوا ما توقّعوا حقّا، فعادوا الى أنفسهم والى من دفعهم الى العمل قائلين: "مش قلتلك انه هاي الشغلة كلها مقت بمقت ودشّرنا منها أحسن، أنا عارف شو بحكي". انهم يعودون بإحساس سلبي بلا شكّ خصوصا أنهم لم ينصاعوا لتوقّعاتهم وخالفوا رغبتهم، ولكنهم يظنّون بالمقابل أن رأيهم قد انتصر وأن تفكيرهم وتوقّعهم قد أثبته الواقع. والحقّ أن هذا لم يكن غريبا ولا مُستبعدا، فلأنّهم جاؤوا بتفكير سلبي مُسبق وبآراء مُسبقة، فإنهم قد أدخلوا أنفسهم الى دائرة السلب وبالتالي عميت أعينهم عن إبصار الإيجاب. انهم لم يأتوا نقيين من توقّعات مُسبقة ولكنهم ألقوا بظلال توقّعاتهم على الحاضر وأفسدوا بذلك على أنفسهم فرصة عيش اللحظة الحاضرة كما هي بسلبها وايجابها.

على سبيل المثال، عندما تفترض أن من ينتمي الى مجموعة عرقية أو دينية أو حزبية معيّنة، عندما تفترض أنه يكرهك وأنه لا يريد مصلحتك وأنه يمكنه أن يضرّ بك متى سنحت له الفرصة، فإن كل احتكاك معه سيُفسّر وفقا لهذه الفرضيات والآراء المُسبقة. فإن أراد أن يلفت انتباهك الى نقطة ضعف عندك لكي تُحسّنها أو ان أعطاك اشارات غير مفهومة لك أو ان مازحك أو حتى ان أراد أن يستطرد في مدحك، فإنك ستُفسّر كل ذلك على أنه نابع من الحقد ومن الكره، ولربما من رغبة بالإطاحة بك أو بإلحاق الضرر بك. ولن تتسنّى لك بالتالي فرصة الاستفادة من النقد الذي يُوجّه اليك ولا أن تستمتع بالمزحة ولا أن تهنئ بالمديح الذي يُقال لك (حتى المديح يمكنك أن تظنّه نابع من شفقة ولربما تظنّه مزيّفا).     

***

الحاضر والسيطرة

من يعتقد أن بإمكانه أن يُحرّك الظروف كيفما شاء وأن يُسيطر على لحظته الحاضرة سيطرة كاملة هو مخطئ، تماما كمن يعتقد أن لا سيطرة له على سير الأحداث في حياته وأن كل شيء مكتوب ولا مجال للتأثير. الأوّلون مغرورون بقدراتهم الانسانية وهم يخدعون أنفسهم بالسيطرة الكاملة ليشعروا بالأمان، حتى اذا ما جاءهم ما لم يكونوا يحتسبوا استيقظوا من غفوتهم وخاطبهم الواقع أن لا سيطرة كاملة لكم عليّ. انه اذا ظهر عند أحدهم مرض أو أصاب أحدهم مكروها (كحادث سير أو حادث عمل)، وقفوا مشدوهين وعندها يصيرون يتسخّطون على القدر الذي لم يكونوا يعملون له أيّ حساب. اننا لا نُعاتبهم بقدر ما نُحاول وصف حالهم، فهم ان وقعوا في مصيبة، فإن كل من يستطيع يجب أن يقف بجانبهم وأن يأخذ بأيديهم وأن ينصت الى مصيبتهم وحتى الى تسخّطهم على القدر، وبكل الأحوال فلا يجب أن يُعاتبهم أو يولّد عندهم مشاعر الإثم أو الذنب وقت وضعهم الحرج.

أما الآخرون الذين يعتقدون أن لا سيطرة لهم على حاضرهم ومستقبلهم، فهم في الحقيقة غير واثقين من قدراتهم وليس كما يقولون أنهم مؤمنون بالقدر مستمسكون به ولا يُعارضونه. ان هذا فهما أعوجا للقضاء والقدر وهو يهدف بالمقام الأول الى التغطية على عدم الثقة في القدرات. أليس الله قد خلقهم وأعطاهم فرصة الاختيار؟ ألم يأمرهم ربهم بأن يأخذوا بالأسباب وأن يجتهدوا؟ لماذا يُفوّتون على أنفسهم فرصة الاختيار وفرصة الاجتهاد والأخذ بالأسباب؟ لماذا يُفوّتون على أنفسهم فرصة كتابة تاريخهم؟ ألأنهم يعجزون عن أن يُمسكوا القلم أم لتكاسلهم عن امساكه؟

والصحيح أن لكل واحد منا سيطرة على حاضره، كل واحد يمكنه أن يكتب تاريخا ايجابيا أو سلبيا وذلك حسب اختياره، ويمكنه أن يجتهد وأن يرسم سير حياته كما يريده هو. ولكن هذه السيطرة تبقى محدودة فللظروف أيضا تأثير. لذا فإنه من الأحرى بالإنسان أن يستعمل السيطرة وأن يأخذ بها الى ما أمكنه ذلك، ولكن بالمقابل أن يعلم أن هناك قوى ما ورائية أكبر منه وأن هناك مواطن سيبرز فيها عجزه عن السيطرة، وهذا شيء طبيعي لا يستدعي توجّسا زائدا.

*** 

لا تتنازل عن السلب !

لربما يبدو العنوان غريبا بعض الشيء، اذ أننا نسمع بالعادة "تفكّرش بشكل سلبي" أو "خليك ايجابي". الا أنه لا يجب أن يكون غريبا لمن قرأ المقالات السابقة التي مهّدت لهذا المقال، فقد وضّحنا أنّ السلب والايجاب موجودان في هذه الحياة في كل شيء وحتى في الانسان ذاته، ولِلنّظر الى السلب دون انكاره أو تجميله دور كبير في مسيرة التطوّر الانساني. فإن تنازلنا عن السلب فإننا نتنازل عمليا عن جزء من هذه الحياة، عن جزء من واقع هذه الحياة ان لم يكن عن أجزاء. بكلمات أخرى، اننا نُجمّل الواقع أو نُزيّفه لنعيش في الأوهام المريحة وبذلك فإننا نُساهم في تغييب وعينا الإنساني، بدلا من أن نعيش الواقع بحلوه ومره، بإيجابه وسلبه.

ان للقدرة على رؤية السلب (في حين تواجده بشكل واضح لا يقبل التأويل)، دور فعّال في الحفاظ على الانسان وعلى من حوله وحتى على بيئته. في الماضي، كان انسان الغاب يتعرّض لأخطار كثيرة تُهدّد سلامته الجسدية، من مثل تهديد الحيوانات المفترسة، النباتات السامّة والكوارث الطبيعية. انه لو اختار الانسان أن يتغاضى عن مثل هذه الأخطار لما حافظ على نفسه ولا على من حوله، بينما لما اختار مواجهتها ورؤيتها كان بإمكانه أن يمنع شرّها وأن يزجرها عنه. انه باختياره أن يرى السلب وأن لا يتغاضى عنه، فقد يسّر الطرق لإبعاد ذاك السلب عنه. بمعنى آخر، عندما اختار أن يرى السلب، هو عمليا سعى نحو الإيجاب.

انسان اليوم يواجه كذلك السلب في حياته: عندما يتعرّض الانسان لعنف كلامي أو غير كلامي، عندما يُصاب الانسان في جسده أو عندما تتعرّض نفسه لأزمات، عندما يرى حوله فسادا بارزا. انه لو اختار الانسان أن يُفسّر العنف تجاهه بإيجاب ليُحافظ على مزاجه الايجابي، فإنه بذلك يظهر بمظهر الضعيف، الجبان، المتخاذل وعندها يمكن لمن بادره بالعنف أن يستغلّ الموقف وأن يزيد من حدّته. هذا لا يعني أن كل نتيجة عنف مثل هذا ينبغي أن تكون ضربا وتكسير دماغ كي يرى المبادر الى العنف من المُعتدَى عليه بأسا وقوّة، فالوقوف عند العنف وعدم الردّ بعنف مع القدرة على ذلك هو موقف أقوى من الرد الهمجي، انه العفو عند المقدرة. واذا ما اختار الانسان أن يُنكر اصابته أو مرضه فإن ذلك لن يُساعده في العلاج، وكذلك ان اختار أن يتغاضى عن الفساد حوله وأن ينظر فقط الى "نصف الكأس المليئة" كما يُقال فإن ذلك لن يلجم الفساد ولن يُغيّر في الواقع شيئا.

***

ماذا ان اسودّ الحاضر ؟

الحاضر هو ليس كل شيء فهناك الماضي وهناك المستقبل. فإذا ما ساء الحاضر فبإمكان الانسان أن يستعين بالماضي وخبراته والأيام الماضية وانجازاتها واللحظات التي مرّت والطاقة الايجابية التي كانت فيها. وكذلك يمكنه أن يستعين بالمستقبل وما يحمله الانسان اليه من أحلام وآمال. فإذا ما رأى الانسان كل ذلك، أدرك أن اللحظة القاسية الحاضرة ما هي الا لحظة من بين لحظات كثيرة ومحطة واحدة من محطات مرّت وأخرى ستأتي. انه يمكن للإنسان حينها أن يرى صورته العامّة وبالتالي هو لا يبقى أسير اللحظة الحاضرة. ولسنا هنا نحثّ على الهرب الى الماضي أو الى المستقبل ولكن نحثّ على أن يستعين الانسان بالماضي والمستقبل ليقوى على مواجهة لحظات الحاضر القاسية، تلك اللحظات التي تحتاج الى طاقات جسدية ونفسية كبيرة. انه بهذه الاستعانة يشحن نفسه بالطاقة الايجابية ولا يهرب من مواجهة السلب الحاضر. انه يواجهه وهو مُسلّح باللحظات الايجابية من الماضي والمستقبل. 

على الرغم من ذلك، فستبقى هناك لحظات حاضرة شديدة الوطأة ثقيلة كئيبة فيها من الخوف ومن القلق ما فيها، وهي شيء طبيعي يمكن أن يمر به كل انسان. انه في هذه اللحظات يمكن أن يعجز الانسان عن أن يرى ماضيه وعن أن يحلم بمستقبله، ذلك أن شغله الشاغل هو مصيبته التي بين يديه وتركيزه كله ينصبّ على ما أصابه من سوء. ان هذا شيء طبيعي ولا ينبغي أن يشعر الانسان أنه خرج عن الطبيعة، ولا ينبغي له أن يحزن أو أن يقلق، ذلك انه ان فعل فسيزيد الأمر سوء. ولكن أن يُعطي تلك المشاعر السلبية حقّها وأن ينتبه اليها وأن يُخرجها من ذاته، فإذا ما خرجت من الداخل الى الخارج، سنحت الفرصة لمشاعر الايجاب للخروج.

***

هيّء الظروف لمواجهة السلب !

اننا لا نطلب التهيئة لأننا نضع في بالنا أن ما سيأتي سيكون سلبيا قبل أن يأتي، ولكن لِعِلْمنا أن الواقع يحوي الايجاب والسلب، والمواقف السلبية لا بدّ منها كما أنه لا بدّ من المواقف الايجابية. والتهيئة هي من الأخذ بالأسباب وهي شيء ايجابي لأنها ستعين على مواجهة نوائب الدهر. وعندما نقول تهيئة الظروف فإننا نقصد بذلك تسخير ما يمكن السيطرة عليه في سبيل مواجهة ما لا نملك السيطرة عليه. ولكي نوضّح القصد نستعين بالمثل الشعبي "وفر قرشك الأبيض ليومك الاسود". هذا المثل يحثّ على توفير الأموال عند المقدرة على ذلك (ما يمكن السيطرة عليه) في سبيل مواجهة الأيام السوداء (ما لا نملك السيطرة عليه).

وللتهيئة وسائل كثيرة يمكن للعقل الانساني المُبدع أن يقترح منها ما لا يسعنا ذكره في صفحات كثيرة. فالرياضة الدورية يمكنها أن تُفيد في لحظات المرض أو حتى في منع المرض، العلاقات الاجتماعية يمكنها أن تُفيد في اللحظات الصعبة، الروحانية والايمان يمكنهما كذلك أن يقيَا الانسان من اليأس في لحظات العُسر، صفة الأمل (أن يُعوّد الانسان نفسه على تأمّل ورجاء الخير) يمكنها أن تكون في متناول يد الانسان عند لحظات السلب، صفة التفاؤل (أن يُعوّد الانسان نفسه على رؤية الجانب الايجابي في الأشياء) يمكنها أيضا أن تُرشد الانسان أثناء اللحظات الحَرِجَة. وهنا تبرز أهمية التهيئة، فالذي لم يعتدْ على التفاؤل في غياب نوائب الدهر، فكيف له أن يتفاءل وقت السلب؟! والذي لم يبنِ علاقات اجتماعية في لحظات الايجاب فكيف له أن يبنيها في لحظات السلب؟! ولسنا نريد من كل انسان أن يكون متفائلا أو صاحب علاقات اجتماعية مُتعدّدة، فهناك من الناس من لا تلائمه هذه الصفات، ولكن على الأقل أن يأخذ ببعض وسائل التهيئة الأخرى التي تُبقيه قادرا على مواجهة كل ما يظهر له من سلب.    

***

أنخجل من لحظات الضعف ؟

هناك من الناس من لا يمكنه أن يتخيّل نفسه في لحظة ضعف وحتى أنه لا يمكنه أن يحتمل انكشاف الآخرين الى نقطة ضعف عنده. انه يستهجن بل وربما يستنكر ظهور واحد قوي البُنية مثله، صاحب أمر ونهي بين أصحابه وأقربائه، بمظهر ذلك "الضعيف"، "الذليل"، "الذي يُشفق عليه الناس". هذه الظاهرة منتشرة في أوساطنا نحن العرب وخصوصا عند الذكور. اذا مرض شخص كهذا دعا امرأته (ولربما الأصح أن نقول فرض عليها وأمرها) أن تعزل أولاده عنه حتى لا يروه وهو ملقى في الفراش، واذا ما أصابته عاهة مستديمة عزل نفسه عن الناس "لئلا تنزل صورته في أعينهم". والسؤال، لماذا كل هذا التكلّف؟ لماذا يُحمّل أحدنا نفسه ما لا طاقة له به؟

انها مجموعة أفكار سلبية جارفة أخذها مجتمعنا عمّن عنده ضعف، وتمّ توارثها من جيل الى آخر لتُساهم في ابقاء هؤلاء الأشخاص في المؤخّرة. ليُعانوا ممّا عندهم وليُعانوا من مجتمعهم وليتفاعل العناء مع بعضه فيصير سلبا لا يحتمله انسان. فكرة مثل: من عنده ضعف فهو مُجبر على أن يخفيه لأن ذلك مُخجل! من قال أن الضعف يجب أن يكون مخجلا؟ ومن ثم فإن من عنده نقطة ضعف، فلديه نقاط قوة كثيرة مقابلها، فلِمَ نتغاضى عنها؟ ومن ذا الذي ليس عنده نقاط ضعف ولو بان شابا مثاليا في سنوات العشرين من عمره؟ لماذا نريد أن نجعل أنفسنا مثاليين في حين نحن لسنا كذلك؟ على العكس فإننا نرى أن من يحاول اظهار نقاط قوته وبطولاته ويترفّع عن البوح بتلك النقاط التي تُحرجه (خصوصا اذا ما كان هناك حاجة لذكرها)، فإنّا نراه شخصا مُبالغا في حقّ ذاته، بل وانّا لنشكّ في مدى صدقه مع نفسه أولا ومع الآخرين ثانيا.

لذا فإنه لا يجب أن نترفّع عن تلك اللحظات الصعبة التي يبرز فيها ضعفنا أحيانا، وكأنها ليست من مقامنا أو أن صورتنا الخارجية التي أخذها مجتمعنا عنا هي أهم من الالتفات الى نفسنا في لحظات السلب. ولا ينبغي أن نشعر بضيق الصدر ولا بالذنب ولا بالإثم على وجودنا بمثل تلك اللحظات الصعبة، ولا أن نتأسّف على وجودنا فيها ولا أن نتكلّف في اخفائها عنا وعمّن حولنا، كالذي يخجل من ذنب اقترفه أو من جريمة فعلها.  

***

فلنستعن بالمستقبل !

يمكن للمستقبل الذي لم يأتِ بعد أن يمدّنا بالطاقة الايجابية التي تُساعدنا في مواجهة وعيش الحاضر. فإلى المستقبل تنصبّ الآمال والطموحات وهي التي يمكنها أن تُزوّدنا بطاقتها الايجابية لنقوى على الحاضر، فإن قوينا على الحاضر تيسّرت السبيل الى الغايات الايجابية واقترب الواحد من تحصيلها. والى المستقبل تنصبّ النظرات التشاؤمية وينصبّ انعدام الأمل، وتُلقي هذه السلبية المُتوقّعة بظلالها على الحاضر وفي هذه الحالة أيضا تتيسّر السبيل لتحقيق الغايات السلبية. لهذا يمكن للمستقبل أن يكون مُعينا على الحاضر ويمكنه أن يكون غير ذلك، وهذا يتعلّق بنظرتنا اليه والى الحياة بشكل عام.

اذا ما كان هناك عند الانسان طموح يريد أن يُحقّقه أو حلم يريد أن يجعله واقعا أو رسالة يريد أن يؤدّيها، فإنه يشعر أنه يجب أن يعيش وأن يُكافح وأن يجتهد من أجل تحقيق المراد ووصول الهدف. انه يشعر أن هناك سببا لحياته وأن لحياته معنى. انه يقوم في الصباح ليُحقّق غايته وينام ليُحقّقها ويحلم بها ويراها أمام عينيه ويحكي عنها في جلساته ولربما تظهر مُقدّماتها في تصرّفاته. فإن رغب في نهضة أمته، قام في الصباح ليوقظها واذا ما نام أشغلته نهضتها وصار يدعو الى خطط نهضوية وتحوّل هو ذاته الى مثال نهضوي يُحتذى به.

أما اذا لم تكن هناك غاية ولم يكن أمل في المستقبل، فلماذا يعيش الانسان؟ ما هدف عيشه؟ الى أين يتّجه؟ في سبيل أي غاية يصحو من صباحه وفي سبيل أي غاية ينام؟ في سبيل أي غاية يُقاسي صعاب الحياة وفي سبيل أي غاية يُمرّر أيامه؟ انها ان لم تكن غاية في الأفق وان لم يكن مستقبلا مرجوا، فستظهر السوداوية في الحاضر ولربما تظهر العدمية، اذ أن كل شيء عديم القيمة ومصيره العدم، وفقا لهذه النظرة السلبية.

***

تفاءلوا بالخير تجدوه !

"تفاءلوا بالخير تجدوه" - هذا القول الشعبي يقول أن من يُغلّب الخير على الشر فإنه يجد الخير ويمكننا أن نستنتج أن من يُغلّب الشرّ على الخير فإنه يجد الشرّ. بمعنى أنه ان نظرت الى الأشياء بمنظار الايجاب وجدت الايجاب فيها وان نظرت بمنظار السلب وجدت السلب. وعلينا أن نذكر مرة أخرى أن النظر الى الايجاب لا يعني انعدام النظر الى السلب، فالنظر الى السلب في أحيان معينة يوصل الى الايجاب كما أسلفنا.  

فحوى هذا القول يتلاءم مع المصطلح الذي أطلقه علم النفس "النبوءة التي تُحقّق ذاتها". وهو يصف التوقّع المُسبق (الايجابي أو السلبي) الذي يؤكّد نفسه في المستقبل. ان ذلك يحدث لتأثّر السلوك من التوقّعات مما يجعل التوقّعات صحيحة في نهاية المطاف. النبوءة التي تكون في المستوى الفكري والتي يمكن أن تكون ايجابية أو سلبية تدفع بالإنسان الى التركّز في الايجاب أو في السلب، حتى اذا ما جاء ما يخص النبوءة تراءى للإنسان ما يتلاءم مع نبوءته مما يجعل الأمر ينتهي بتحقّق النبوءة.  

بكلمات أخرى، ان أردنا أن نزيد من الايجاب في حياتنا فإنه علينا أن نأخذ بالتفاؤل الذي يلفت انتباهنا الى الايجاب القادم، الايجاب الذي يكون في المستقبل، ولا يجعلنا متركّزين في السلب الآت. وعندها إن دخلنا الى موقف بمزاج ايجابي، لفتت انتباهنا الكلمات والايماءات والرموز الايجابية مما يجعلنا نخرج من الموقف بشعور ايجابي. والتفاؤل يجعلنا نتوقّع الخير ونحسّ بالإيجاب حتى يأتي السلب الصارخ (وهذا ما ينسجم مع المثل الشعبي: "لما بيجي وقته بيجي مقته")، انه يُبقينا أغلب الوقت في الايجاب ما لم يحدث طارئ. 

***

هل عندك آمال ؟

يمكن أن يكون للتفاؤل تأثيرا على الحاضر وعلى المستقبل بشكل مباشر، فالمتفائل يُغلّب الايجاب على السلب في حاضره وفي مستقبله. أما الأمل فيتجّه بالأساس الى المستقبل تماما كالطموحات والأحلام. فمن أصابه السلب في حاضره، أمكنه الأمل من اعادة التوازن الى حياته من خلال تأمّل الايجاب. يقول الطغرائي: "ما أَضْيَقَ العَيْشَ لَوْلاَ فُسْحَةُ الأَمَلِ"، أَي لَوْلاَ الرَّجاءُ وَما يَتَمَنَّاهُ الْمَرْءُ لَضاقَ عَيْشُهُ. فالأمل هو منفذ وهو معين في الحالة الطبيعية عموما وفي حالات العُسر خصوصا.

من أصابه المرض يمكنه أن يتأمّل خروجه منه، مما يدفعه الى الايمان بهذا الهدف وبالتالي الى بذل الغالي والنفيس في سبيل تحقيقه. انه يبذل قصارى جهده ويجتهد كل الاجتهاد على أمل أن يشفى. وبذلك فهو يُبقي عند نفسه أملا بالإيجاب ويفعل كل ما يمكنه فعله من أجل تحصيل هذا الإيجاب (الشفاء). فإن حدث وتحقّق الأمل فقد جاء الإيجاب المأمول. وان حدث ولم يشفَ فإن ذلك يمكن أن يكون وقعه قاسيا بلا شك، ولكن من جهة أخرى يدرك الواحد أنه فعل كل ما بوسعه فعله مما لا يحوجه الى مشاعر الذنب وتأنيب الضمير. ولذلك من المهم الحفاظ على "الإيجاب المعقول". فعلى المريض أن يدرك أن الأمل ليس واقعا بعد، اذ أنه يمكنه أن يحصل ويمكنه أن لا يحصل. ولكن ما فائدة التشبّث بالسلب الذي لم يحصل بعد، ان كان هناك أمل بالإيجاب؟! انه من الأفضل بشكل واضح التشبّث بالإيجاب الذي لم يحصل (الأمل) لما له من أثر على الحاضر.

ومن "الإيجاب المعقول" أن يبني الواحد آمالا يمكنها أن تتحقّق. فإن كان وضع المريض حرجا الى أبعد الحدود، فلا مانع من أن يأمل بتحسّن وضعه واتزانه، أما أن يأمل بأن يقوم كالأسد في بضع أيام فلا يمكن لذلك أن يكون ايجابا معقولا. ولكن ان كان هناك احتمال ضئيل لشفائه (كـ 1%)، فإنه ان تشبّث به فذلك من التفاؤل ومن الأمل المعقول، وذلك مع ادراكه أنه يمكن لهذا الأمل أن لا يتحقّق، ورغم ذلك يختار التشبّث به ويختار أن يمسك بما بقي عنده من حياة، وهذا هو الأمل الحقيقي. في الحديث الشريف: "إذا قامت الساعة وفي يد أحدكم فسيلة فليغرسها".
وهل وجود الأمل (وطول الأمل على الأخص) لا ينسجم مع الايمان بفناء هذه الدنيا ودوام العالم الآخر؟ انه يمكن أن ينسجم ويمكنه أن لا ينسجم وذلك بحسب نظرتنا للأمور. فإن كان الواحد غارقا في ملذّات هذه الحياة وطول أمله يُغريه بسنين طوال، فإن الأمرين السابق ذكرهما لا يمكن أن ينسجما. أما ان كان عند الواحد آمالا كثيرة يسعى جاهدا لتحقيقها، مع ادراكه أن المنيّة يمكن أن توافيه في كل وقت وحين (وهو التصوّر الأقرب الى الحقيقة) فإن الأمرين يمكن أن يجتمعا. انه فقط من يريد أن يجمع بين خيري الدنيا والآخرة وايجابهما، فقط هو من يمكنه أن يفهم هذا الانسجام وهذا الجمع. في القول المأثور ورد: "اعمل لدنياك كأنك تعيش أبداً، واعمل لآخرتك كأنك تموت غداً"

الإيجاب المعقول - الجزء الثاني


هل نترك السلب ؟

انه ان قلنا أن السلب لا يعنينا وأننا سنغضّ الطرف عنه فإن ذلك لن يُغيّر في الواقع شيئا وانما سيُغيّر في تفسيرنا لهذا الواقع. والواقع يحوي الإيجاب والسلب كما أسلفنا، والحياة فيها من الإيجاب وفيها من السلب، والإنسان فيه كذلك من الإيجاب ومن السلب. فلو اخترنا أن نُفكّر بإيجاب كل الوقت وأن ننظر الى نصف الكأس المليئة رغما عن كل شيء لما حال ذلك بيننا وبين السلب، بل لربما سلّطه علينا أكثر. ان هذا التغاضي يُشبه رؤية الخطر (كاعتداء انسان على آخر) ومن ثم اغماض العينين كما يفعل الأطفال أو الهرب كما يفعل الخائف. فهل ذلك يُنجي من الخطر أم يُقلّص فرص مواجهته والتغلّب عليه؟

ان التفكير الايجابي يجب أن يكون ايجابا معقولا، بمعنى أن يرى الايجاب ايجابا وما يحتمل الايجاب ايجابا ولكن ألّا يتغاضى عن رؤية السلب سلبا. فإن السلب موجود في هذه الحياة لا يمكن منعه ولا تفاديه بالمطلق، اذ لو اخترت أن ترى الكون بأعين الايجاب في صباح يوم مُشمس لما منع ذلك شخصا سيء القلب من ابراز شر ظاهر لا يحتمل تفسيرا مُغايرا. انه يمكن رؤية الواقع بإيجاب لا يحصره الا سلب لا يقبل التأويل، واذا ما ظهر هذا السلب فلا يختار الواحد أن ينكره، بل أن يراه كما هو ليُحاول معالجته وليُقعده مقعده كي يعود الى مسار الإيجاب.

***

لماذا نخوض في السلب ؟

لا يمكننا تعريف السلب تعريفا دقيقا لأن النظرة الشخصية والتفسير يدخلان اليه كما يدخلان الى الإيجاب، فالقول الذي يعتبره أحدهم سلبا يمكن أن يعتبره الآخر ايجابا. وذلك يرجع الى تعدّد الأفهام وتعدّد النظرات الشخصية وكل ذلك يعود بدوره الى تجربة الانسان الشخصية وحياته الخاصة. فلو عانى أحد من تنكيل أبناء جيله به في طفولته فإنه لربما تضايق من مزح يهزأ من مقامه في كبره، ولو عاش طفولة فيها العطف والحنان لما هزّه مزح أحدهم أو استهزائه، بل لربما ردّ بالمثل ولم ينزع جوّ المزح الايجابي عن ايجابيته.

وهنا تتضّح لنا أهمية الخوض في السلب. انه ان عاش أحد موقفا سلبيا، فإنه يمكنه أن يختار انكاره أو أن يُعيد النظر فيه. اذا ما اختار الخيار الأول فإنه يحمي نفسه من السلب الذي عاشه ولكنّه يبقى هناك في اللا واعي، وفي الحالات الحَرِجة (غضب، توتّر، يأس) فإن هذا السلب يطفو ويخرج من مخبئه. أما اذا ما اُختير الخيار الثاني فإن الانسان يُعطي نفسه فرصة معالجة السلب الذي عاشه وبذلك فهو لا يهرب منه ولا يتنكّر لوجوده. انه ان أعاد النظر في السلب الذي عاشه فإنه يمكنه أن يخرج بالعظات والعبر وذلك يمكنه أن يفيد الانسان في فهم ذاته أولا وقبل كل شيء، ذلك أنه يعرف ما هو السلب الجلي (الذي يتضايق منه كل الناس) وما هو السلب الذي يتّصل بتاريخه الشخصي. فإن كان عنده حساسية لموقف معين أو لطريقة معينة في الكلام فإنه يصير واعيا لذلك مما يمكنه من تهيئة سبل مواجهة مواقف شبيهة في المستقبل. انه يمكنه عندها أن يلاءم الظروف المحيطة به كما يُحبّ وأن يُخرج عندها الطاقات الإيجابية داخله في وسط تلك البيئة المريحة التي ركّبها بنفسه.

بكلمات أخرى، اعادة النظر في السلب الذي عاشه الانسان تُعطي الانسان فرصة اعادة ترتيب الماضي وما يحمله من سلب ولربما حتى صبغه بصبغة الايجاب، وذلك ما يمكن تحقيقه في العلاج السردي (Narrative therapy). هذا العلاج للماضي الحزين المُوجع يُلقي بأثره على الحاضر، ليتغذّى الحاضر من ايجابية السرد البديل بشكل غير مباشر كما تغذّى الماضي بشكل مباشر. والمستقبل يتغذّى كذلك اذ أن الوعي الذي زاد والسرد البديل الايجابي يؤثّران على المواقف المشابهة وحتى على المواقف الجديدة. لنصل الى أن النتيجة أن الخوض في السلب هو مما يُكمّل الإيجاب، على العكس من الإنكار الذي وان غطّى السلب فإنه لا ينفكّ يُلقي بآثاره السلبية على الانسان.  

***

السلب المعقول

كما أن في الايجاب ايجاب معقول وايجاب غير معقول فإن في السلب سلب معقول وسلب غير معقول. التفكير السلبي المعقول أو السلب المعقول هو التفكير الذي يحتمل أن يصير واقعا، والذي يُقرّر احتماله من عدمه هو مجموع أصوات الناس العقلاء الطبيعيين. فإن فكّر أحدهم أنه يمكنه أن يقع وأن يصاب بإصابات بالغة اذا ما وقف عند حافة مرتفع دون أن يأخذ بوسائل الأمان التي تحميه، أو ان فكّر آخر أنه يمكن أن يصطدم بسيارة أخرى اذا ما ساق بطريقة جنونية، أو ان فكّر ثالث أن حالته المرضية ستسوء لأنه لم يأخذ الدواء المطلوب، فإن كل ذلك يُعتبر من السلب المعقول أي الذي يُعقل حدوثه. ان هذا السلب المعقول له وظيفة حيوية في حماية الانسان وبالتالي في ابقائه في مسار الايجاب (تفكير سلبي صغير يمكنه أن يمنع أحداث سلبية طويلة). بمعنى آخر، فإن السلب المعقول يخدم الايجاب أو أنه يُفضي الى الايجاب.

أما السلب الغير معقول فهو التفكير الذي لا يكاد يحتمل أن يصير واقعا (يمكن أن يصير واقعا في حالات استثنائية نادرة). ومثل ذلك من يفكّر أنه يمكن أن يقع وأن يُصاب بشلل كلّي أو أن يموت اذا ما وقف عند حافة مرتفع وذلك رغم أخذه وسائل الحيطة والحذر كلها (كأن يكون مربوطا بحبال بصورة مُحكمة أو أن يكون بعيدا بُعدا كافيا عن الحافة التي يتواجد عندها جدار عال متين). ان هذه الحالة تفرق عن سابقتها المشابهة لها بشدة الخوف نسبة للموقف، ففي الحالة الأولى كان الخوف طبيعيا نظرا لانعدام الحماية، وهذا الخوف قد أخذ صاحبه الى الحيطة والحذر. أما في الحالة الثاني فقد زاد الخوف عن حدّه لأن الحماية كانت موجودة ورغم ذلك الخوف كان أشدّ.

ويمكن لهذا الخوف أن يكون أشدّ الى أن يصل الى حالات مرضية – كأن يُفكّر أحدهم أن مصيبة ستحدث اذا ما قاد السيارة ولا يهمّ ان ساق بحذر أم لا، مما يؤدّي الى الامتناع عن السياقة أو الى خوف فائق يظهر في الجسد (كنبض قلب سريع، تنفّس غير منتظم وغيرها) وفي النفس (كتفكير مُتكرّر وكإحساس بالرعب) اذا ما أُجبر على السياقة. أو ان أُصيب أحدهم بخوف مرضي من المرض أو الموت، وذلك دون علاقة ان أخذ الدواء أم لا أو ان تحسّن وضعه الصحي أم لا. هذه الأمثلة الثلاث الأخيرة (الخوف المبالغ به عند المرتفع، عند السياقة، عند المرض) هي من السلب الغير معقول، ذلك أنه يصعب حدوث ما يخشاه الانسان. ان قولنا عنها أنها سلب غير معقول لا يعني أن ندعها أو نتنكّر لها وانما أن نسعى الى علاجها خصوصا اذا كنا نتكلّم عن حالات مرضية.

***

علاقتنا مع ذاتنا والزمن

ان العلاقة ما بين الذات وبين الزمن هي علاقة مُتبادلة، بمعنى أن الذات تؤثّر على الزمن وهي بدورها تتأثّر منه. فإن تصالح الواحد مع ماضيه وحاضره ومستقبله فإنه سيكون متصالحا مع ذاته وان تصالح مع ذاته فإنه سيتصالح مع ماضيه وحاضره ومستقبله. وان أحبّ نفسه فسيحبّ ماضيه وحاضره ومستقبله وان رأى نفسه كما هي فإنه سيرى ماضيه وحاضره ومستقبله، أما ان كره نفسه وكره رؤيتها فإنه سيكره رؤية ماضيه وحاضره ومستقبله. انه بذلك يُغيّب نفسه عن نفسه ويجعلها غريبة في بيتها مستوحشة، وذلك يُساهم في انحسار الوعي الذاتي ولربما يمحقه تماما.

والزمن في تقدّم ولكننا يمكن أن نرجع به الى الوراء عبر الذكريات، والذات في تطوّر أو تدهور. أحيانا تظهر لنا الأحداث القريبة منا زمنيا وكأنها نهاية العالم أو أنها كارثة لا مخرج منها، ومن ثم فإذا مرّت الأيام وتطاول الزمان خفّت وطأة هذه الأحداث على النفس. وما كان ذلك الا لانتقال هذه الأحداث من الحاضر الى الماضي. تأثير الزمان هذا لا نجد له تأثيرا مُناظرا في حال المكان، فلو نقلنا انسانا مهموما أو مُكتئبا من مكان الى آخر ومن جنة أرضية الى أخرى، لوجدنا تأثيرا مُتواضعا للمكان قبال الزمان. وهنا تبرز أهمية الزمان وعظمة تأثيره. في الحالات المرضية أو حتى في الحالات التي تطمح الى مزيد من وعي بالذات فإننا نسعى الى البحث في الماضي وأحيانا في الحاضر كيّما نضيء بالوعي نقاط الضعف كما نقاط القوة وكيّما نُلقي الضوء على المُسبّبات المُمكنة. اننا نرجع الى الماضي كي نُحسّن الحاضر وكي نضمن المستقبل. انها لعبة الزمن التي تلقي بأثرها على الذات، فلكي يُصلح الدهر ما أفسده فإنه يأخذ بأيدينا من الماضي الى الحاضر، ولكي نُصلح ما أفسده نأخذ بالأيدي من الحاضر الى الماضي.  

وكم من رجل قطع الأرض شرقا وغربا باحثا عن الراحة والسعادة ثم عاد الى بلاده فوجدها في ذاته؟! انه ان رأينا ماضينا وحاضرنا ومستقبلنا (محطّات زمننا) بإيجاب فإننا سنرى ذاتنا بإيجاب، وان رأيناها بسلب فإننا سنرى ذاتنا بسلب. فأولى لنا أن نتصالح مع زماننا، مع ماضينا، حاضرنا ومستقبلنا. 

***

ذكريات

ان لكل انسان منا ذكريات، منها السعيدة ومنها الحزينة ومنها الايجابية ومنها السلبية. وهي موجودة فينا، في وعينا أو لا وعينا، ويمكن لإيجابها أن يطفو عند مواجهة حدث ايجابي في الحاضر ويمكن لسلبها أن يطفو عند مواجهة حدث سلبي في الحاضر. انه في اللحظات الحزينة يخال الانسان أن تاريخه كله وذكرياته كلها حزينة كئيبة وفي لحظات الفرح يخال أن تاريخه كله ناصع، كله ايجابي، بل وربما مثالي. والصحيح أن في تاريخ كل واحد منا وفي ذكرياته، هناك ايجاب وسلب. 

الوعي بمثل هذه الذكريات هو أمر حيوي وتبرز حيويته عندما نلمس أثر هذه الذكريات على حاضرنا ومستقبلنا. انها لا تنفكّ تُلقي بأثرها على الحاضر والمستقبل. انها لا تختفي ولا تمّحي ولا ينقطع أثرها ولو كنا غير واعيين لها ولأثرها. اذا ذُكر "أ" عندنا أصابنا الاشمئزاز وتعكّر مزاجنا واذا ذُكر "ب" ظهرت علامات الانبساط علينا واستبشرنا بالخير. واذا حللت بمكان تعرفه، تبادر اليك شعور بالحنين والشوق لتلك الأيام أو باغتك شعور سلبي تستصعب وصفه وبالتأكيد لا ترغب بأن تعيشه مرة أخرى. وما كان كل ذلك الا لاتصال أولئك الأشخاص وتلكم الأمكنة بمشاعر الايجاب والسلب. انها حُفظت هناك في أعماقنا ولما أن لاقت محفّزا يأذن لها بالخروج، خرجت وأحيت فينا من جديد ذكريات ماضية.

***

ذكريات فردية وجمعية

هناك من الذكريات ما لا نحياه بشكل مباشر وانما ترتبط بدوائر انتمائنا الدينية، القومية والانسانية وغيرها. لذلك فهي تؤثّر علينا بشكل غير مباشر. انها تُمرّر الينا على الدوام ونحن ننكشف اليها بشكل مُتكرّر عبر الأوصاف الكلامية أو الأعمال الفنية أو التاريخ المكتوب. وهي تُؤثّر علينا لأنها أثّرت على آبائنا وأجدادنا وعلى دوائر انتمائنا. ونحن نعتبر أنفسنا أحفادا لمن هزّتهم هذه الأحداث بحلوها ومرّها. 

النكبات التي مرّت على أجدادنا لا تنفكّ تُؤلمنا ولا تنفكّ تُلقي بأثرها السلبي علينا وبالمقابل الأمجاد التي كانت لنا والتقدّم الذي كان لا ينفكّ يُحيي فينا العزيمة والاصرار والى غير ذلك من مشاعر ايجابية. انها أحداث جرت مع أجدادنا وأجداد أجدادنا ولكنها نُقلت من جيل الى جيل وحُفظت الى يومنا مع ما تُولّده من مشاعر ايجابية أو سلبية. وكأنّنا توارثناها في ذاكرتنا الانسانية. عالم النفس يونغ يتحدّث عن اللا وعي الجمعي الذي يحفظ تاريخ البشرية منذ القدم وهو يؤثّر علينا على الدوام ويُحيي فينا ما كان في الانسان الذي سبقنا.   

ان ذلك يعني أننا لا نُولد الى فراغ وانما الى زمان سبقته أزمنة وستتبعه أزمنة وكأننا بمثابة حلقة تسبقها حلقات وتتبعها حلقات. ولا شكّ أننا نتأثّر من الحلقات التي سبقتنا وخاصة من التي نعتبر أنفسنا من صُلبها، وكذلك نُؤثّر على الحلقات التي تتبع بالفعل الذي نرسمه في حاضرنا. انه يمكن للإنسان أن يتنكّر لما قبله ولما بعده فيعتبر نفسه فردا لا شأن له بالآخرين، ولكن ذلك لا يعني أن هذا اللا وعي الجمعي لا يؤثّر على هذا الانسان "الفرد"، فهو يُؤثّر عليه من حيث لا يدري هو.  

***

هل لنا من الماضي شيء ؟

يمكننا أن نُسيطر على الماضي، فنحن من نُقرّر اذا ما كنا نريد أن نفتح دفاتر الماضي أم نطويها، اذا ما كنا نريد أن نستحضر لحظاته أم نتركها هناك في اللا واعي. لكن في لحظات معينة تنحسر هذه السيطرة فتخرج الى الواعي موادا غير واعية فتُؤثّر على حاضرنا ومستقبلنا. من منا لا يذكر لحظات باغتته فيها مشاعر غريبة سلبية أو ايجابية؟ اللحظة الحاضرة لا تُولّد هذه المشاعر بشكل مباشر ولكنها توحي بها وتستدعي استحضارها من مخبأها في اللا واعي، لتخرج من حيث لا يدري الانسان وليتلخبط بين شعور الحاضر وشعور الماضي الذي خرج لتوّه من مخبأه.

أغلب الناس يتغاضون عن هذه المشاعر أو ربما يقومون بخطوات عملية كردّة فعل على مشاعر كهذه (كترك الموقف في حال الشعور السلبي أو ملازمته في حال الشعور الايجابي). والمشكلة في مثل ردود الفعل هذه أنها لا تُعطي الانسان مجالا لأن يوسّع ويُطوّر من وعيه، اذ هو لا يقف عند مشاعره ولا يعرف ماهيتها مما يُفقده محاولة النظر اليها دون آليات الدفاع (انه لا يسأل نفسه: لماذا باغتني هذا الشعور في مثل هذا الموقف بالذات؟)، وبذلك يبقى بعيدا عن نفسه ولا يزيد من الوعي بها. واذا ما تكرّر نفس الموقف أو موقف مشابه عاد اليه نفس الشعور الايجابي أو السلبي الغريب، ولم يكن واعيا له ولسبب وجوده في مثل ذاك الظرف، وبالتالي أفقد نفسه فرصة زيادة السيطرة على الماضي. ان الماضي بقي هو مُحرّكه، بدلا من أن يكون هو محرّك الماضي.     

***

كيف نُحيي الذكريات ؟

اذا ما تساءلنا كيف نجعل حياتنا حياة طيبة، حياة سعيدة، فإنه من المُتوقّع أن نقول أن ذلك بسيط، اذ أنه كلما زدنا من اللحظات الايجابية وقلّلنا بالمقابل من اللحظات السلبية فإن ذلك سيساهم في جعل حياتنا حياة طيبة سعيدة. لكن اذا ما دخلنا الى فلسفة ذلك والى التطبيق فإن الأمور ستزداد تركيبا. ولكي نُبسّط الأمور نقول أنه بإمكاننا أن نستدعي لحظات الماضي الايجابية فنستمدّ من طاقتها طاقة تُقوّينا في الحاضر وأن نستدعي لحظات الماضي السلبية في مواقف ملائمة كيّما تشفى روحنا من ضنكها ومضايقتها. وقد يبدو ذلك غريبا أن نستدعي اللحظات السلبية. اننا لا نختلف على أن استدعاء اللحظات الايجابية الماضية سيكون له أثر ايجابي على الحاضر، وذلك يمكن أن يتمّ في جلسات الأصدقاء الذين يبادرون أو ينجرّون الى احياء ذكريات الماضي التي تجمعهم أو في جلسة مع الذات يستعرض فيها الانسان أيامه الغابرة (نجاحات، انجازات، انتاجات، قدرات طوّرها، مهارات اكتسبها، أثر تركه وغيرها)، أو في جلسة مع الأقارب يُدلي فيها كل بدلوه عن أيام الطفولة الجميلة التي تُثير الاشتياق وتوقد الحنين.

ومن ثم فإن كل ما يحفظ الذكريات الايجابية يمكن أن يكون وسيلة لزيادة لحظات الايجاب. الصور الفوتوغرافية التي تُسطّر لحظات الفرح واللحظات الثمينة يمكنها أن تُحيي طاقة الايجاب التي عشناها وأن تُقوّينا في لحظات الضعف، الشهادات المُعلّقة يمكنها أن تُحيي فينا انجازاتنا وقدراتنا، الهدايا التي تُذكّرنا بمن نُحبّ، الكتابات التي تبعث فينا أفكارنا، الأعمال الفنية التي تُشجّعنا على المواصلة.

لكن كما قلنا فإن استدعاء لحظات السلب يمكن أن يظهر غريبا، فقد يسأل سائل: لماذا أُذكّر نفسي بالهمّ بعد أن نسيته؟ لماذا أنظر في لحظات الماضي التعيسة التي لا أقدر على تحسينها؟ والصحيح أن هذه الأسئلة تتضمّن فرضيات غير دقيقة لا تساهم الا في زيادة تغييب الوعي. فلماذا افترض السائل أن لحظات السلب ستكون همّا على قلبه ولماذا افترض أنه نسي لحظات السلب ولماذا افترض أنه لا يقدر على تحسين تلك اللحظات؟ في الحقيقة فإن لاستدعاء لحظات السلب أغراض ايجابية كثيرة، فالبوح بلحظات السلب الماضية يهدف في النهاية الى الوصول الى الايجاب. كثير منا يقول لمن أصابه هم أو سوء: فضفض! وهذه فعلا احدى الغايات التي يمكننا أن نُسمّيها "اخراج ما يؤلم وما يهمّ من الداخل الى الخارج"، وعندما تصل هذه "الفضفضة" الى من يحسن الانصات، فإنه سيحاول اعادتها الى قائلها بصورة مُنظّمة أكثر ولربما يصبغها بصبغة الايجاب ان كان ذكيا حذقا. ولذلك نقول أن هذه "الفضفضة" يجب أن تتمّ عند من يحسن الانصات، كالأخصائيين النفسيين أو الاجتماعيين أو حتى عند صديق يُحسن الانصات. والدليل على أن هذه "الفضفضة" تُفضي الى الايجاب أن الانسان يشعر بعد أن لقي من يسمعه ويسمع وجعه، يشعر بخروج طاقة سلبية منه وحلول شعور مريح. اننا بذلك نُحيي لحظات الماضي الايجابية ونستدعي السلبية كيّما نُخفّف من وطأة سلبيتها أو نصبغها بصبغة الايجاب.

***

كيف نعيش مع لحظات الماضي القاسية ؟

انه يمكننا أن نستعمل آليات الدفاع المختلفة، الأوليّة منها والمُتقدّمة، عند مواجهة أحداث الماضي القاسية التي يمكن أن تكون شديدة الوطأة (موت قريب) أو عابرة (كموقف مُحرج)، ويمكنها أن تكون حديثة عهد أو بعيدة. ولمواجهتها يمكن للإنسان أن يذهب بوعيه أو بعدمه الى الدفاع عن الذات، وأسوأ سُبُل المواجهة هو استعمال آليات الدفاع الأولية كالإنكار، ففي هذه الحالة يُنكر الإنسان وجود الحدث القاسي في ماضيه رغم وجوده في الحقيقة (كأن يُؤمن أنّ أباه ما زال حيّا رغم موته). أسلوب المواجهة الثاني هو استعمال آليات الدفاع المُتقدّمة كالكبت، فعندها يكون الانسان واعيا لما أصابه من حدث قاس ولكنه يُحاول أن يُنسي نفسه أو أن يذهب بالحدث المؤلم الى اللا واعي. في هذه الحالات، يخسر الانسان فرصة زيادة وعيه بذاته ولربما يخلق لنفسه وعيا زائفا مُريحا بشكل مؤقت ولكنه بالمقابل يحافظ على ذاته بمساعدة آليات الدفاع. 

أما اذا استعمل الانسان آليات الدفاع في لحظات معينة وكان قادرا على مواجهة الأحداث القاسية والنظر اليها واماطة آليات الدفاع في لحظات أخرى، فإنه بذلك لا يعزل نفسه عن ماضيه ولا يمتنع عن مواجهته. انه يواجه الحدث القاسي رغم صعوبة الانكشاف اليه ورغم صعوبة استذكاره وعيشه مرة أخرى، ولكنه يفعل ذلك لأنه موقن أنه سيفهم نفسه بشكل أفضل وأنه ستخفّ وطأة هذا "الوحش المخيف" في داخله وأنه سيشعر بارتياح يدوم أكثر مقارنة بالارتياح المؤقت الذي تجلبه آليات الدفاع. ورغم ميلنا الى تفضيل سبيل المواجهة الأخير، الا أننا نعتقد أن ليس كل ظرف يسمح للإنسان بسبيل المواجهة هذا، ففي حالة حدث قاسي حديث أو في حالة حدث قاسي شديد الوطأة أو حتى عند عدم وجود امكانيات الدعم الكافية، فإن الانسان يمكن أن يُفضّل الإبقاء على أساليب الدفاع (وهذا ليس سيئا في مثل هذه الحالات).

***

هل للماضي سطوة على الحاضر ؟

يمكن للماضي أن يؤثّر على الحاضر بشكل مُبالغ فيه في حالات مُعينة، حتى أنه ليكون الشخص في الحاضر وما كأنّه فيه وهو يرى الأشياء أمامه وما كأنّه يراها وهو يسمع من حوله وما كأنّه يسمع. ولكنّ عقله، بصره وسمعه هناك في الماضي، في ما جرى وهو لا يقدر على أن يتحرّر من سطوة الماضي. يمكننا أن نُصادف حالات كهذه في الأيام التي تكون قريبة من الأحداث السلبية القاسية. يأتي الحدث السلبي بشكل مفاجئ فيهزّ الانسان هزّا ويُزعزعه مما يترك أثرا بالغا في النفس، فيمتدّ هذا الأثر من الماضي الى الحاضر وتُصبغ أيام الواحد بصبغة ذاك الحدث الصعب. وبالعادة كلّما مرّ وقت أكثر، كلّما خفّت سطوة الماضي على الحاضر وكلّما عاد الانسان الى واقعه ليحيا حاضره بدلا من أن يحيا ماضيه. واذا ما طال تأثير الماضي على الحاضر فإن ذلك يمكن أن يخرج عن الطبيعة ليدخل في الحالات المرضية، كمرض التأقلم أو الاكتئاب وغيرهما.

وفي حالات معينة يمكن لحدث ايجابي كبير أن يؤثّر على الحاضر، فلا يكون الانسان منشغلا في اللحظة التي هو بصددها وانما في استذكار لحظات الإيجاب القويّة التي مرّت به. انه يكون مُشتتا بين الحدث الماضي الجميل وبين اللحظة الحاضرة، وبالتالي هو يفقد فُرص اللحظة الحاضرة ان لم يتدارك الأمر.

15.3.15

ربيع قُرطبة – الربيع المفقود


لا يمكنني أن أصف مدى عظمة هذا الانتاج الفني العظيم لمن لم يشاهده بعد، ولكنني سأحاول التقريب قدر المستطاع، فهو عندي من أفضل المسلسلات التاريخية التي شاهدتها ان لم يكن أفضلها على الإطلاق. فكرته عظيمة وعظمتها تكمن في تصوير حقبة الازدهار في الأندلس، التصوير الدرامي في المسلسل يُنسيك ملل التاريخ ويأخذك الى هناك لتصير تنتظر بفارغ الصبر الحدث القادم وأحيانا تنسى أنك بين يدي تاريخ مُصوّر لتخاله مسلسلا خياليا، الفائدة منه جمّة اذ هو ليس من مسلسلات التسلية بقدر ما هو مسلسل يُثير التساؤلات والأفكار حول تلك الحقبة الزمنية، بطل المسلسل تيم حسن الذي قام بدور محمد بن أبي عامر المنصور لا يمكن أن يُمحى من الذاكرة، اذ هو ببراعته في التمثيل وطلاقة لسانه ومنظره الحسن قد لفت الانتباه وأخذنا الى تقديره وتعظيمه بشكل مُبالغ.

انها فترة المجد والازدهار التي يشتاق كل منا اليها مُصوّرة أمام أعيننا، والجميل في هذا التصوير أنه لا يعرض واقعا مثاليا ولا يمتدح تلك الفترة بشكل شاعري ولا يعرض المحاسن دون الالتفات الى المساوئ. وذاك يُقرّب من الواقع التاريخي. ولربما لا يعجبنا رؤية المساوئ في فترة الازدهار تلك، ولكن هذا الواقع الذي لم ولن يكون يوما مثاليا حتى في سنوات الازدهار. الا أننا اذا نظرنا الى الغالب فإننا نرى أن الحُسن هو الغالب، العدل، الأخلاق، التقدّم الثقافي والعلمي. ولذلك فإن تسمية المسلسل بـ "ربيع قرطبة" كانت مُوفّقة لأنه حتى في الربيع هناك مساوئ ولكن الطابع الذي يطغى عليه هو الازدهار والجمال.

وأعظم شخصية في هذا المسلسل هي شخصية محمد بن أبي عامر، تلك الشخصية القُدوة التي تُعطي الأمل لكل من وُلد الى مجتمع فيه من الطبقية والعائلية ما يحول بين الانسان وحلمه. انه ذاك الشخص الفذّ الذكّي الفصيح الطموح المثابر الذي يرى في نفسه قدرة فيسعى الى تطويرها والى ابرازها. انه ذاك الشخص الذي خرج من العامّة، من بين البسطاء، من عمل السوق ليصلَ الى الحكم والى دار الخلافة. ولم يهمّه تثبيط العزائم حوله ولم يهمّه السائد (أن سادة بني أمية هم فقط من يصلون الى الحكم)، ولكنّه آمن بقدراته واستعان بحُسن تدبيره ليُحقّق ما طمحت اليه نفسه، ليقضي على الظلم الذي رآه حوله، ليُشيّد الزاهرة، ليدير شؤون البلاد، ليُسيّر الجيوش وليموت كما تمنّى شهيدا في احدى غزواته. انه شخص واحد آمن بقدراته وهيّء الظروف من حوله ليُحدث ثورة صامتة في الأندلس. وللتذكير نحن لا نتحدّث عن فيلم "هولويدي" ولكن عن تاريخ مُصوّر. هل يُمكن أن نتوقّف عن الحديث عن مناقب هذا القائد العظيم الذي لم ولن ينساه التاريخ؟ كلا! انه رجل بآلاف الرجال وقائد بآلاف القادة!

ولكنّ هذه العظمة ذاتها وهذه القُدرة الفائقة في حُسن التدبير يمكنهما أن يُوديا الى ما لا يُحمد عقباه، كما يُصوّر ذلك المسلسل. ولا أدري ان بالغ المسلسل في عرضه للمساوئ في الأندلس بشكل عام، وفي عرضه لاستبداد المنصور في آخره بشكل خاص، ولكني أحسّ بمبالغات معينة، وللتيقّن من ذلك ينبغي العودة الى كتب التاريخ ودراسة الموضوع دراسة منهجية بعيدا عن الدراما التي تُسلّط الضوء على أشياء وتحجبه عن أشياء. لكن بكل الأحوال فإن الاستبداد عندنا مرفوض والانفراد بالحكم كذلك وعزل الشورى هو طامّة كبرى مهما بلغ الحاكم بذكائه وحُسن تدبيره. والقرارات الاستبدادية التي كانت تُتّخذ من قبل المنصور كما صوّرها المسلسل والتي لا أعلم مدى صحّتها هي مرفوضة كذلك، فهي وان بانت صائبة فهي ليست كذلك لأنها لا تأخذ بالأدلة بشكل كاف ولا تأخذ بالآراء الأخرى وبالتالي لا تُعطي مجالا للمشورة ولعرض المصالح قبال المفاسد.

ومظاهر البذخ التي ركّز عليها المسلسل تظهر لي المبالغة فيها، فلربما كانت الخمور موجودة ولكن هل يُعقل أن تُحتسى في دار الخلافة وفي عصر الازدهار؟! وتسليط الضوء على الجواري وخروج النساء بزينة فتّانة الى الشوارع ومجالس الطرب والسمر، فإن كل ذلك لا يذكّرنا الا بالجاهلية. أجاهلية في عصر الازدهار؟ اننا لا نُنكر وجود مظاهر البذخ هذه كالذي يُحاول أن يخدع نفسه ليرتاح مع تاريخه، ولكننا نتساءل عن مدى انتشارها وعن مدى شرعيتها في ذاك العصر. اننا لا نُريد بالمقابل أن نفتري على تاريخنا ما لم يكن فيه. لذلك فإن هذه الظواهر تحتاج الى مراجعة تاريخية وخصوصا قضية الجواري التي ما زال كثير من الفقهاء يُصرّ عليها. هل هي كانت ضرورة تلك الزمان ورغم ذلك عمل الاسلام على تقليصها أم هي ظاهرة مباحة لا يضيرنا توسّع نطاقها اذا ما أُتيحت الفرصة؟ أسئلة تحتاج الى بحث منهجي والى اعادة مراجعة ودراسة حتى لو كانت هناك آراء جامدة وحاسمة بخصوص هذه المسألة! والذي يُؤكّد احساسنا بتسليط الضوء على مظاهر السوء هو حجب الضوء عن مظاهر التديّن والروحانية بالمقابل، فلم نرَ صلاة واحدة، والمسجد لم يحظَ بمكانة بارزة في هذا المسلسل، حتى أن ظهور الحجاب كان ضئيلا الى أبعد الحدود.

الا أنه يبقى مسلسلا عظيما في اثارته للأسئلة المختلفة كمثل الأسئلة حول الرقّ في الاسلام والاستبداد والشورى ومظاهر الحياة الاجتماعية. وهو يبقى عظيما في دمج مظاهر الثقافة المختلفة التي لا يُعيرها كثير من المسلمين ما تستحقّ من اهتمام، كالموسيقى والفنون المختلفة والعلوم والفلسفة والقراءة والمشاركة الفعّالة للنساء في الحياة الاجتماعية والسياسية، كشخصية صبح البشكنجية التي برز تأثيرها في بلاط الخلافة وفي مساعدة المنصور في الوصول الى سدّة الحكم.        

الإيجاب المعقول - الجزء الأول


ايجابي، سلبي وما بينهما

كيف نُعرّف الإيجابية؟ هل كل ما يُفرحنا هو ايجابي؟ كيف نُعرّف السلبية؟ وهل هناك أمور تحتمل الإيجاب والسلب؟

لو عُرضت أمامك الكلمات التالية: مرض، فقر، خوف، موت، لنفرت من فورك ولأصابك احساس بالسلبية. ولو عُرضت أمامك الكلمات التالية: صحة، غنى، راحة بال، سعادة، لارتسمت بسمة على وجهك ولرفعت أيديك الى السماء داعيا الله أن يرزقك بها وأن يديمها عندك. وما كان ذلك الا لأن الناس قد أجمعوا على سلبية وشرّ الكلمات الأولى وايجابية وخير الكلمات الثانية. إننا لن نخوض عميقا في التعريفات ولكننا نكتفي بالقول أن ما تعارف الناس على ايجابيّته فهو ايجابي وما تعارف الناس على سلبيّته فهو سلبي وهناك أمور بين الإيجاب والسلب تحتمل كلاهما.

ان ما يحتمل الإيجاب والسلب يتحدّد بحسب رؤيتنا للأمور وبحسب تفسيرنا لها، فإن نظرنا للأمر بعين ايجابية رأينا ما يسرّنا وتسلّل الينا احساس ايجابي وان نظرنا بعين سلبية رأينا ما نكره وجُررنا الى أحاسيس سلبية. المثال على ذلك هو عندما يقترح شخص على آخر مساعدة، كشاب يقترح على عجوز المساعدة في عبور الشارع أو كأن يقترح صاحب العمل على عامله أن يساعده في أمر استعصى عليه. هناك من الناس من يرى باقتراح المساعدة هذا تأكيدا لضعفهم وعجزهم، فما يكون منهم الا أن يرفضوا المساعدة، وبذلك فهم يدخلون في السلبية دون أن يدروا، فعجزهم بارز أمامهم وهم قد كسروا بخاطر من اقترح عليهم المساعدة مما يحرّك شيئا من عتاب الضمير عند بعضهم. وكذلك خسروا المساعدة المُقترحة، اضطروا لمواجهة المهمة لوحدهم، لم يعطوا للآخر فرصة عمل الخير وقلّلوا من امكانية وجود اقتراح مثل هذا في المستقبل. ولكي يُغطّوا على هذه المشاعر السلبية ولكي يحاولوا اعادة الموازنة النفسية، فإن آليات الدفاع تبرز لكي تذبّ عنهم وعما صدر عنهم من فعل. لذلك يمكن أن نسمع أو لا نسمع (اذا ما بقيت فكرة بين الانسان ونفسه) أقوالا مثل: "هو مفكّرني عجوز، انا بعدني شباب والحمد لله" أو "صاحب العمل ما بعرف يقترح المساعدة بالوقت المناسب وبالطريقة المنيحة".

وهناك من الناس من يرى بنفس اقتراح المساعدة تعبيرا عن رفق بهم وحب ورحمة، فما يكون منهم الا أن يبسطوا أيديهم لئلا يُفوّتوا مثل هذا البذل من أجلهم، وبذلك فهم يدخلون في الايجابية. فهم يرون بهذا الاقتراح حب ورحمة ومشاعر رقيقة يحتاجون اليها في مثل مهمتهم الصعبة، وهم قد أعطوا الآخر فرصة التقرّب اليهم والتودّد منهم.

 ***

ايجاب وسلب وطبيعة حياة

اذا نظرنا في الطبيعة وجدنا فيها الأنهار والوديان، البحار الزرقاء، السهول الخضراء، التلال، الهضاب، النسائم العليلة، الطيور التي تُغنّي، العصافير التي تُزقزق ووجدنا أيضا نباتات سامّة، حيوانات عدوانية، ذبول، جفاف، قحط، زلازل، براكين وكوارث طبيعية أخرى. انه من الواضح أن المجموعة الأولى هي أمور ايجابية والأخرى سلبية. ان هذه الأمور تفوح منها رائحة الايجابية أو السلبية دون حاجة الى أن نضعها في خانة ما يحتمل الايجاب والسلب. فلسنا نتكلّم عن حالات استثنائية، كأن يقول أحدهم عندي خوف من البحار ولذا فالبحار بنظري سلبية كل السلب، ولا عن حالات خارجة عن الطبيعة، كأن يتبادر الى الذهن منظر هضبة خَرِبَة أو واد فيه من الأوساخ ما تُغطّيه. اننا نتكلّم عن ما تعارف الناس على ايجابيته أو على سلبيته. اذا فالإيجابية موجودة في الطبيعة بشكل جلي وكذلك السلبية.

واذا نظرنا الى الحياة بشكل عام وجدنا فيها فرحا ووجدنا فيها حُزنا، وجدنا فيها يُسرا ووجدنا فيها عُسرا، وجدنا فيها نجاحا ووجدنا فيها فشلا، وجدنا فيها ضحكا ووجدنا فيها بكاء، وجدنا فيها حُبّا ووجدنا فيها كُرها، وجدنا فيها حياة ووجدنا فيها موتا، واذا ما نظرنا الى الأمور الأكثر مادية، وجدنا أيضا غنى ووجدنا فقرا، وجدنا طلب رزق ووجدنا سرقة، وجدنا صحة ووجدنا مرضا، وجدنا ألما ووجدنا متعة. وباختصار في هذه الحياة خير وفيها شر أيضا أو فيها ايجابية وفيها سلبية، في كل مكان، في كل زمان وفي كل شيء. ان الكمال لله كما يُقال ولا يمكننا أن نجد شيئا أو شخصا أو فكرة كاملة متكاملة. انه لو جئنا بأفضل اختراع على وجه هذه البسيطة لتمكّنا من ايجاد عيوب له، ولو جئنا بشخص يُشهد له بالصلاح والعظمة ويكاد يخاله الناس الكمال كله، الا أنه من المؤكّد أن عنده نقاط ضعف، عيوب، صفات سلبية وأخطاء.   

***

ايجاب وسلب وطبيعة انسان

ان طبيعة الانسان تُحتّم عليه أن يحوي الإيجاب والسلب فضلا عن أن ينسجم معهما، فهو مخلوق من طين هذه الأرض وجسده يبلى ويتحلّل وكذلك فيه الروح التي هي من السماء والتي ستصعد الى هناك في نهاية المطاف. انها ثنائية تُنتج ثنائيات، بل وتنتج محاورا تكون قمّتها "الملائكية" ويكون قاعها "الحيوانية"، وما بينهما يتواجد أغلب الناس. هذا الانسان تتواجد فيه نزعة الخير وتتواجد فيه نزعة الشر، عنده بذرة الخير وعنده بذرة الشر، وعنده تهيئة الصلاح وعنده تهيئة الطلاح.

واذا ما نظرنا الى شخصية الانسان الواحد، وجدنا فيها صفاتا تعارف الناس على إيجابيتها، كحب العطاء والبذل، الاستقامة، الصدق، ووجدنا بالمقابل صفات تعارف الناس على سلبيتها كالفوضوية، الاستهتار والتعجّل. ويمكننا أن نجد عند نفس الشخص قوة واقداما في مواجهة المعتدين وشجاعة في الذبّ عن الحُرُمات وبالمقابل خوفا مبالغا من المرتفعات. وعند كل انسان هناك صراعات داخلية فإما أن يكون واعيا لها واما أن لا يكون. انها الصراعات التي تنبني على أثرها الشخصية. صراعات كهذه مثل، صراع ما بين تلبية مطالب النفس وما بين تلبية مطالب المجتمع، والذي يكون هناك فينا منذ أيام الطفولة الأولى ولكن بصورة مختلفة: فمن جهة الطفل يريد تلبية حاجاته الأساسية ومن جهة أخرى يريد أن يكسب وُدّ البيئة (الوالدين بالأساس) وأن ينصاع للأوامر. واذا ما حُلّ الصراع بموازنة فإن ذلك يظهر بمظهر الايجاب، أما ان حُلّ بطريقة خاطئة (كأن يتركّز الواحد في تلبية مطالب النفس متجاهلا أو محاربا مطالب المجتمع) فإن ذلك يظهر بطبيعة الحال بمظهر السلب. وعلى أثر شخصية كل انسان وأمور أخرى تدخل الى الصورة، تُحفظ في الذاكرة ذكريات ايجابية وأخرى سلبية ويواجه الانسان في حاضره أحداثا ايجابية وأخرى سلبية.

***

ايجابي، سلبي وما ورائهما - الزمن

ان الصورة تبدو بسيطة عندما نقول أن الايجابي هو ما تعارف الناس على ايجابيته والسلبي هو ما تعارف الناس على سلبيته، وهي تبدو كذلك لأن الواقع أكثر تركيبا. في الواقع هناك زمن وللزمن تأثير على الايجابية والسلبية، فما يظهر لنا اليوم ايجابيا يمكنه أن يصير سلبيا بعد مرور بضع سنين والعكس صحيح. واذا ما أدخلنا عنصر الزمن في تعريف الايجابية والسلبية فإن التعريفات تزداد تركيبا، ولكن هذا الادخال ضروي لأن الأمور حولنا غير جامدة وانما مُتبدّلة ومُتغيّرة بتغيّر الزمان. ولنعطي مثالا كي يتّضح ما نرمي اليه. ان المرض الجسدي سيظهر في بادئ الأمر على أنه حدث سلبي، بل وان سلبيته يمكنها أن تجلب للإنسان مشاكل نفسية كحالة ما بعد الصدمة. أي أنه من شدة قسوة المرض وسلبيته فإنه يمكن أن يُشكّل صدمة شديدة في حياة الانسان.

الا أن الأعوام تمرّ والزمن يستمرّ ماضيا والانسان يبتعد شيئا فشيئا عن صدمة المرض الأولى (على الأقل يبتعد من ناحية زمنية)، وفي الغالب فإن الانسان يبدأ بالتكيّف مع الوضع الجديد ولربما يصل الى اليوم الذي يقبل به مرضه كجزء من حياته. وتستمر نفسية الانسان بالتأقلم والتحسّن الى أن تصل الى الذروة التي لا تعود ترى فيها المرض الذي أصابها حدثا مُدمّرا، سلبيا أسودا، لا أمل فيه ولا شفاء منه. ولكنها تراه دافعا وحافزا للتطوّر النفسي والشخصي. كثير من الناس يشهدون على أنفسهم بعد سنين من المرض أنهم أصبحوا أناسا آخرين، أناسا أفضل مما كانوا ذي قبل، أناسا يفهمون الحياة بشكل أفضل وأعمق. ولذلك فإننا نرى مرضى أو أقرباء مرضى يقومون بالمبادرة الى مشاريع تخدم من أصابهم مرض مشابه، وذلك فور خروجهم من فترة المرض الصعبة المظلمة وعودة التوازن الى حياتهم. هل بقي المرض في نظرهم حدثا سلبيا؟! أم أن الزمن الذي مرّ والتجارب التي حملتها الأيام قد غيّرت في نظرتهم الى المرض؟! انه لو بقي حدثا سلبيا في نظرهم لما تحرّكوا ولما بادروا ولربما قتلهم اليأس وأنهت عليهم قساوة المرض.     

لذلك فإن عامل الزمن يجب أن يدخل الى مصطلحي الإيجاب والسلب، واذا قمنا بذلك فإننا نخرج بأربع مصطلحات. "الإيجابية الآنية" أو "السلبية الآنية" تصف ما يُفكّر به وما يشعر به الانسان في الفترة الملاصقة للانكشاف للشيء. "الإيجابية الآجلة" أو "السلبية الآجلة" تصف ما يكون بعد مرور فترة من الزمن. ان المرض يحمل سلبية آنية ولكنه يُخبّئ في طيّاته ايجابية آجله لا يمكن رؤيتها الا بعد فترة من الزمن ولا يراها الا من كان مُستعدّا لإبصارها.

***

ايجابي، سلبي وما ورائهما – العالم الآخر

ان تأثير عامل الزمن على الايجاب والسلب يكون أشدّ وأقوى اذا ما تحدّثنا عن العالم الآخر، فالبعد الزمني بين العاجل والآجل يكون أكبر. العاجل الدنيوي يمكنه أن يظهر ايجابيا خصوصا اذا ما نظرنا له من خلال المنظار المادي البحت ولكنه يمكنه أن يكون سلبيا اذا ما عرضناه من خلال ميزان الدنيا والآخرة. كذلك يمكن أن يكون الغنى، الجمال، الجاه وغيرها من الأمور التي ننظر اليها بعين الايجاب في حياتنا هذه ولربما أغلبنا يتمناها ويطلبها. ولكن هذه النعمة في المدى القصير (الحياة الدنيا) يمكنها أن تكون نقمة في المدى البعيد (الحياة الأخرى). لو خُيّرت بين أمرين: أن تكون غنيا على مدى خمسين سنة في هذه الدنيا ومن ثم تُردّ الى عذاب يدوم أبد الدهر، أو أن تكون فقيرا معدوما في هذه الحياة القصيرة، مُتنعّما مُكرّما في حياة الخُلد، فأي الأمرين ستختار؟ ان الأغبياء هم فقط من يختارون الخيار الأول. ولكن هل من المحتوم أن يؤدّي الغنى الى الهلاك يوم الدين؟! بالتأكيد كلا! فهو يمكن أن يكون سعادة في الدنيا وسعادة في الآخرة، ولكن ما أردنا أن نقوله أن الأمور ليست بالبساطة التي ننظر اليها، اذ يمكنها أن تظهر مُغرية حلوة جميلة ايجابية في المدى القريب وهي في الحقيقة مُهلكة سلبية في المدى البعيد.

وما يظهر على أنه يحمل سلبية آنية كالمرض مثلا، فإنه يمكنه أن يحمل في طيّاته ايجابية آجلة عندما يطرح هذا المرض عن صاحبه الأدران والخطايا ويُبعده عن عقاب جهنم. والموت الذي نراه حدثا سلبيا في أوانه، فإنه يمكن أن يكون راحة للميت ذلك أنه خرج من هذه الدنيا البائسة ذاهبا الى لقاء من أحبّ. وفي الواقع فإن كل عناء وكل عذاب في الدنيا (يظهر مع سلبية آنية)، فإنه يحمل ايجابية أُجّلت الى العالم الآخر.   

***

كيف ينشأ الإيجاب والسلب ؟

ما الذي جعلنا نعتبر الفقر شيئا سلبيا ؟ وما الذي أدّى بنا الى أن نعتبر الحكمة شيئا ايجابيا ؟ والفِطنة والذكاء والحبّ والاحترام والكرم والعطاء أشياء ايجابية ؟ والغباء والبَلَه والكراهية أشياء سلبية ؟

انها الأفكار المترسّخة عندنا والتي لا نكون واعين لها في كثير من الأحيان وهي التي أدّت بدورها الى تحريك الشعور والى التأثير على التصرّف في نهاية المطاف. انها فكرة تؤدّي الى شعور والشعور يؤدّي الى تصرّف. فلو قلت أن الذكاء هو صفة ايجابية، محمودة وأنك تتمنّى أن يحظى بها أولادك وأحفادك، لما كان ذلك الا نتيجة لفكرة ايجابية عن الذكاء مثل: "الذكاء منحة ربانية وممتلكها يحظى باحترام الناس وتقديرهم". هذه الفكرة ولّدت شعورا ايجابيا تجاه الذكاء مما أدّى الى تصريح ايجابي حول الذكاء (القول يُعتبر فعلا وتصرّفا).

هذه الأفكار ناتجة عمّا تشرّبنا من حولنا. وأول مكان يتشرّب فيه الانسان المفاهيم الاجتماعية هو البيت ومن ثم يأتي الحيّ والمدرسة والمجتمع والثقافة والعالم (عبر الإعلام). فلو ذُوّت في الطفل أن مساعدة الغير هي شيء ايجابي ورأى من والديه ما يُصدّق ذلك (كأن يكونا والدين جيّدين، متى احتاجهما الطفل وجدهما)، لصار ينظر الى المساعدة بعين الإيجاب ولأحبّها ولصار يُطبّقها على أرض الواقع. أما من نشأ عند والدين لا يُلبّيان حاجات طفلهما فإن المساعدة لن تصير مُحبّبة الى قلبه ولربما صار البطش بالآخرين والتنكيل بهم هو الإيجاب بعينه (في نظر الناس شيء سلبي) لأنه هو الطريقة الوحيدة (كما يُفكّر هو) التي تُحقّق له غاياته وتسدّ له احتياجاته. ويستمر المجتمع بإيضاح الايجاب المتعارف عليه والسلب المتعارف عليه من خلال المنابر المختلفة كالمدرسة والثقافة الشائعة وغيرها. وكل ذلك يؤثّر على الانسان الناشئ، على فكره، على أفكاره التي تؤثّر بدورها على الشعور والتصرّف.

وكلما تقدّم الانسان في العمر ازداد محصوله الفكري عن الإيجاب والسلب وذلك بحكم الاطّلاع الذي يستمر بالتوسّع والتجربة التي تزداد طولا، ويزداد تركيب النظر الى الايجاب والسلب، فلربما صار الانسان يعتبر أن هذه الفكرة فيها من الايجابيات كذا وكذا وفيها من السلبيات كذا وكذا. ولكن اكتساب الايجاب والسلب لا يتوقّف، ذلك أن الانسان لا يفتأ يجرّب، فلربما دخل الى مطعم جديد وهو في الستينيات من عمره وحدث أن أصابه ألم في المعدة عقب الخروج من المطعم، عندها فإنه من الأرجح أن يُطوّر شعورا سلبيا تجاه ذاك المطعم وأن يهجره هجرانا أبديا.

***

كيف يتطوّر الايجاب والسلب ؟

انه من الملاحظ أن النظرة الى الايجاب والسلب تتطوّر مع تطوّر الانسان. فعند الطفل تكون النظرة ثنائية لا ثالث لها، نظرة أسود وأبيض، ترى هذا ايجابيا وذاك سلبيا. فعلى سبيل المثال، الطفل يرى أمه التي تُرضعه الحليب والحنان والتي تُلبّي احتياجاته كلما احتاج لها - أمّا ايجابية. ولذلك هو يبتسم لها ليُعبّر عن رضاه عنها، ويبكي لها ليستدعي عطفها ومعونتها، ولا يسكن الا معها لكي يبقى بقربها. انها عنده أمّا ايجابية ولو تركته من فترة الى أخرى. والغريب الذي يُخيفه والذي يوجعه بمزحه الثقيل يصير في نظره سيئا سلبيا. ولو داعبه لنفر منه اذ هو عنده سلبي. ولذا تكون دمية يحبّها وأخرى يكرهها وعندما يكبر تكون مُدرّسة يحبّها ومُدرّسة يكرهها. ان نقطة الوسط ما تزال غير حيّة فإما أن يكون الشيء جيدا أو سيئا، اما أن تكون محبوبا عند هذا الناشئ واما أن تكون مكروها، اما أن تكون ايجابيا بنظره أو سلبيا.

وعندما يكبر الطفل ويشتدّ عوده ويتطوّر تفكيره، يبدأ يُلاحظ أن الأشياء الايجابية والسلبية يمكن أن تجتمع في ذات الشخص وفي ذات الشيء. وعندها يمكنه أن يرى نقاطا ايجابية في أحدهم ونقاطا سلبية، ويرى أن الشخص الذي كان يظنّه سيئا للغاية لا رجاء منه ولا مكان له في القلب، أنه يكون في حالات معينة شخصا ايجابيا، والذي ظنّه شخصا كاملا مُتكاملا فإنه يمكن أن يكون سلبيا في حالات أخرى. الا أن الانسان لا يستقرّ في هذه الرؤية المُركّبة، اذ هو متقلّب بين الرؤية السوداء البيضاء وبين الرؤية المُركّبة، فعند الشدائد وعند المبالغة وعند ترك الحيادية يمكننا أن نرى عودة الى النظرة السوداء البيضاء. وعندها يمكن أن يُقال: "نظرتك للأمور هي طفولية".     

***

الموضوعية والتفسير

من الصعب أن تجد ايجابية موضوعية خالصة أو سلبية موضوعية خالصة. فلو جئنا بمجموعة أطفال – مع أنها تجربة مستحيلة لأنها تمسّ بالقيم الأخلاقية - وحاولنا أن نغرس فيهم أن الغباء هو صفة محمودة وأنه هو الشيء الطبيعي، لرأينا ربما أطفالا ينظرون الى الغباء بشكل ايجابي ولتسابقوا الى اظهار الغباء الأفظع. ان ذلك يقول أن الايجابية والسلبية هما ناتجان اجتماعيان وأنهما يُبنيان بناء على التجربة الشخصية وبناء على ما يتشرّب الانسان من حوله خلال هذه التجربة الشخصية. فلو علّمه والداه أن الغباء هو الغاية ولو قرأ في الكتب المدرسية شعرا يمدح الغباء ولو شاهد في التلفاز مسلسلا وثائقيا عن أهمية الغباء ولو سمع من أصاحبه عن بطولاتهم في الغباء، لصار ينظر الى الغباء بتقدير واعجاب ولسعى وراءه ولاجتهد في تحصيل أعلى مراتبه. وهنا يدخل التفسير بشكل واضح. ورغم أننا جئنا بمثال شاذ لنُجسّد قوّة التفسير، الا أن كلّنا يستعمل التفسير في حياته. فشخص واحد يفسّر العلاقات الاجتماعية في مؤسّسة معينة على أنها رائعة فيندمج فيها، وآخر يُفسّرها على أنها مُزيّفة فينفر منها ويستصعب الاندماج فيها وهكذا.

الا ان الأمور لا تجري على هذا النحو الطفولي فهناك العقل الانساني الذي يرفض مثل هذه الترّهات. انه يحافظ على سلطانه وينفي من يُخالفه الى الشذوذ والى الجوانب. صحيح أن العقل يمكن أن يُسوّغ وأن يقلب بعض الايجاب سلبا وبعض السلب ايجابا، الا أنه لا يسمح بقلب صفة تفوح منها رائحة السلب (الغباء) الى ايجاب. انه يستهجن ذلك! وهنا تدخل الموضوعية! فالعقل الصريح الراشد يرى الشيء أمرا جيدا فيعتبره ايجابيا ولو أحسّ الانسان تجاهه بمشاعر سلبية، ويرى أمرا آخرا فيعتبره سلبيا ولو أحسّ تجاهه بمشاعر ايجابية.     

***     

الإيجاب المعقول: تعريف

عندما نتحدّث عن التفكير الإيجابي فإننا نميّز بين تفكير ايجابي معقول وتفكير ايجابي غير معقول، وهذا التقسيم ينبع من حكم الواقع الذي يُشير الى المعقول ويؤكّد الغير معقول. التفكير الإيجابي المعقول أو الإيجاب المعقول باختصار هو التفكير الذي يحتمل أن يصير واقعا، والذي يُقرّر احتماله من عدمه هو مجموع أصوات الناس العقلاء الطبيعيين. ذلك أن الانسان الواحد يمكنه أن يُصاب بحالة يأس أو حالة حزن أو اكتئاب فلا يعود يرى النور ولا الإمكانيات المُتاحة، كما أنه يمكن أن يعتريه أمل مُفرط، يدفعه الى رسم خيالات وأوهام وأحلام وردية. واذا ما عرّفنا الإيجاب المعقول فإن الإيجاب الغير معقول بات جليّا - اذ هو المكمّل والذي به تكتمل صورة التفكير الإيجابي - فهو التفكير الذي لا يكاد يحتمل أن يصير واقعا.

ولكي نوضّح هذين المصطلحين اللذين نُطلقهما لأول مرة، نضرب أمثلة على كل واحد منهما. أن تقول: "سأجتهد وسأتفوّق في تعليمي"، قُبيل انخراطك في التعليم أو بعده، مع علمك أن قدرتك تسمح لك بالتفوّق هو من الإيجاب المعقول. لكن أن تقول نفس القولة وأنت لم تقوَ على انهاء التعليم الثانوي ولا تعمل أي جهد لإصلاح ما مضى من تقصير ولا تأتي رغبة التفوّق في التعليم عندك الا في الأحلام الوردية، فهذا من الإيجاب الغير معقول. أن تتفاءل بشفائك أو بموازنة المرض مع أخذك الدواء أو أن تتفاءل بحصولك على مبلغ من المال عند اشتراكك بسحب أو بمسابقة أو عند اتمام شهر من الكدّ والعمل، فهذا كله من الإيجاب المعقول. لكن أن تتفاءل بخروج المرض من جسدك نهائيا وأنت ملقى في الفراش لا تتبع تعليمات الطبيب، أو أن تكتب على الحائط أنك ستربح نصف مليون دون أن تسعى فإنك لو آمنت بذلك كل الايمان، فسوف يبقى تفكيرك وايمانك في خانة الايجاب الغير معقول، ذلك أنك لم تطرق أسباب الواقع.

***

الإيجاب المعقول: النسبية في التعريف

ان الوقوف على تعريف مصطلحي "الإيجاب المعقول" و"الإيجاب الغير معقول"، يكشف أمام أعيننا مسائل مركّبة وصعوبة في ملامسة الدّقة في التعريف. اذ أنه عندما نقول أن الإيجاب المعقول هو التفكير الذي يحتمل أن يصير واقعا، والذي يُقرّر احتماله من عدمه هو مجموع أصوات الناس العقلاء الطبيعيين، فإننا نفترض ضمنا أن الشريحة الانسانية التي يتقرّر احتمال الحصول من عدمه وفقا لرأيها، إننا نفترض أنها شريحة طبيعية وأن مجموع آرائها تعكس حيادية معينة. الا أنه يمكن أن تميل هذه الشريحة الى نوع من اليأس، كأن يخيّم يأس على شعب من امكانية تغيير النظام الحاكم أو أن يظنّ ناس أن لا مجال لأن يحقّقوا أحلامهم الفردية أو الجمعية نتيجة كبت الدولة لحرياتهم وحرمانهم من حقوقهم. عندها فإن دائرة الإيجاب المعقول (في نظر اليائسين) تنحسر وتصير ضيّقة اذا ما نُظر اليها من الخارج، لكنها في نظر أولئك الذين يعيشون داخلها تبقى ايجابا معقولا ويبقى كل شيء خارجها ايجابا غير معقول. فإن حلم أحدهم في دولة عربية أن يصير صحفيا ناجحا ينقل الأخبار بشفافية فإن هذا الحلم يبان ايجابا غير معقول، أما ان حلم آخر في دولة أجنبية نفس الحلم فإن حلمه يظهر حلما معقولا. كذلك أن تدلّل نفسك بسيارة "مارسيدس" في دولة عربية، فإن ذلك يبان من الإيجاب المعقول اذا ما توفّرت الأموال، أما أن تتوق لأن تصبح رجلا سياسيا ناقدا فإن هذا من الإيجاب الغير معقول كما يظهر، ولو امتلكت الكفاءات والقدرات التي تُمكّنك من ذلك. لذا علينا أن ننظر خارج اطار البيئة الحياتية التي نعيش فيها أو أن نعزل تأثير البيئة المحيطة، فنتطلّع على المجتمعات الأخرى ونأخذ من محاسنها، وننظر الى حال العرب في سابق الزمان ونطمح الى مجدهم، فلو لم يكن كل ذلك لكان التغيير مستحيلا ولبقي المجتمع على حاله التعيس.

7.2.15

الديمقراطية مطلب !


في ظل ما نُعاني من الدكتاتوريات وطُغيانها وقمع حقوق الانسان وضنك العيش وتهميش المواطن، فإنه من الحريّ بالشعب العربي أن يكون أول من يُطالب بالإجهاز على مثل هذه النُظُم وتغييرها. ولربما ما يجعلنا نتراجع خطوات الى الوراء هو التفكير في البديل عن الدكتاتورية، فإن بان لنا سوء الدكتاتورية فإن ذلك لا يقينا من حيرة البديل. أهي الديمقراطية أم ماذا؟ والعيب الرئيس في الدكتاتورية هو أنها تحصر الحكم بيدي شخص واحد أو حزب واحد، مما يعطي ذاك الشخص أو الحزب فرصة الاستبداد بالرأي وفرض الأجندة الخاصة به على الشعب وقمع كل رأي يُعارض تلك الأجندة. ان مثل هذا الاستبداد بالحكم يجب أن يُمنع حتى لو بان الشخص "ملاكا" أو لو ظهر الحزب مثاليا، اذ أنه لا وجود لتلك الشخصية "الملاك" ولا وجود لحزب كامل مُكمّل، فهي مظاهر خدّاعة سرعان ما تنقلب على المُخدوعين بها فور الوصول الى كرسي الاستبداد.

والديمقراطية هي عكس ذلك، اذ هي حكم الشعب ومتّخذو القرار يُنتخبون من قبل الشعب، وهي تدفع نحو التعدّدية، تعدّد الأحزاب، تعدّد الآراء، تعدّد الأقوال، وبذلك فهي لا تقمع رأيا أو مجموعة مُخالفة. انها لا تفرض أيديولوجية واحدة ووحيدة، انها لا تعطي لشخص واحد أو حزب واحد أن يستغلّ منصبه في سبيل تحقيق غايات شخصية أو حزبية ضيّقة. انها تفتح المجال أمام عدّة مجموعات لكي تُدير أمور الوطن بأحسن شكل، واذا بان لأحدها هشاشة رأي الآخر انتقدته وجاءت برأي آخر يتنافس معه ليبقى بذلك الرأي الذي يراه الشعب هو الأنسب وهو الأفضل لهم. والديمقراطية هي الأنسب منطقيا، فلو أراد نفر من الناس قضاء حاجة لاختاروا منهم عدة أشخاص يقدرون على ذلك وبعثوا بهم، كذلك الحال في حكم البلاد فالناس تبتعث مندوبيها ليُديروا شؤون الوطن والبلاد.

واذا ما أرادت الأمة العربية أن تضمن عدم استبداد مجموعة أو طائفة معينة فعليها بالديمقراطية، فهي تضمن لها ذلك وتضمن لها أيضا مشاركة الجميع في بناء الوطن، وبالتالي يتوحّد الكل في بناء الوطن والحفاظ عليه. ان الشعور الذي يصل كل واحد هو أنه عضو مهم في مجتمعه وله رسالة فعّالة في وطنه. ولا يشعر واحد أن لا تأثير له على دولته ولا يشعر أنها غريبة عنه ولا يشعر أنها تمنعه من التفكير بشكل مختلف أو تمنعه من ممارسة حريّاته المختلفة. ولا يشعر بخوف مستمر ولا يكون مكبوتا في لفظه وفنّه وعلمه، اذ أنه هو من اختار من يُمثّله ومن الصعب أن يجتمع جميع الممثّلين على الإطاحة بهذا المواطن.

والى أولئك المتديّنين المُتحمّسين والى أولئك الذين يرتجفون من الإسلام أقول ما قاله الدكتور يوسف القرضاوي في كتابه "من فقه الدولة في الإسلام":

الواقع أن الذي يتأمّل جوهر الديمقراطية يجد أنه من صميم الإسلام، فهو ينكر أن يؤمّ الناس في الصلاة من يكرهونه ولا يرضون عنه، وفي الحديث: "ثلاثة لا ترتفع صلاتهم فوق رؤوسهم شبرا ..."، وذكر أولهم: "رجل أمّ قوما وهم له كارهون ...". واذا كان هذا في الصلاة فكيف في أمور الحياة والسياسة؟ وفي الحديث الصحيح: "خيار أئمتكم - أي حكامكم - الذين تحبّونهم ويحبّونكم، وتصلّون عليهم – أي تدعون لهم – ويصلّون عليكم، وشرار أئمتكم الذين تبغضونهم ويبغضونكم، وتلعنونهم ويلعنونكم".