26.8.12

خاطرة: مياه في الطريق!


كثيرا ما تشدهنا المناظر العملاقة الخلّابة، ولكن في أحيان كثيرة وَقْع ما دقّ وحَسُن لا يقلّ أثره على النفس من لوحات فنية ضخمة! فكما أن دقّة صنع الخالق في الجسيمات دون الذرية تبهرنا، وكما أن مبنى الشيفرة الوراثية في الخلية تلفتنا، فكذلك دقة النظم على مستوى الكواكب والأجرام تأسرنا.

أثناء تجوالي في الجولان قرب نهر البانياس، شدّت انتباهي ثمرة إحسان مع الطبيعة يغفل عنها كثيرون إلا أنها تعكس ثقافة تأبى مجاوزة صغائر الأمور. إنه واد صغير يوازي عرض الطريق، عرضه لا يتعدى الثلاثين سنتيمترا، تفيض فيه مياه قليلة من جانب الطريق الأول إلى الآخر، لكي لا تُترك سائبة فتُغرق الطريق بأسره وتخرّ أقدام المارّة بالوحل.

إنه عمل بسيط ولكنّه يقول لنا أن من يهتمّ بتلك المحمية الطبيعية يلتفت إلى صغائر الأمور ويُصلحها، لذا فمن المؤكّد أنه عالج المشاكل الكبرى قبل ذلك وبالتالي نستنتج أنه مسؤول أتقن عمله بشكل كامل، إنه يقول لنا أيضا أنهم يحبون البيئة والطبيعة ويحسنون إليها كي تُحسن إليهم بالمقابل، فلولا هذا الواد لتبعثرت المياه ولما تم تجميعها في مكان واحد وبالتالي لما استفدنا منها، بل ولأضرّتنا، إنه يقول لنا أن المياه يمكن أن تكون نعمة بحسن إستعمالنا لها ويمكن أن تكون نقمة كذلك، فهي مُسخّرة للإنسان ويمكنه أن يتلاعب بمجراها كيفما شاء فينتج لنا لوحة مائية تستقطب السياح من كل بقاع الدنيا، إنه يقول لنا أيضا أن إيذاء الطبيعة غير وارد بالحسبان وإنما هي عملية مساعدة وتقويم يقدّمها الإنسان لبيئته، إنه يقول لنا أن الجهد بسيط ولكنّ الناتج مستمر وكثير! 

11.8.12

النفس الرمضانية 6: المحافظة في مجتمع محافظ – الجزء الثاني



أما السلطات (يشمل المجالس المحلية) فهي الجانب المكمّل لجوهر المشكلة، فعليها أن توفّر ما يساعد المواطنون في المحافظة على بيئتهم وأن تُرشدهم إلى ذلك وتحذّرهم من الإخلال بالنظام لأنها هي مصدر قوة لا يُستهان به، ورغم أننا ندعو إلى المراقبة الذاتية التي يراقب فيها الإنسان أفعاله، إلا أننا لا نتوقّع أن يستجيب كل الأفراد لفطرتهم السليمة ولذا كان لا بدّ من مراقبة خارجية. لا بدّ للمجالس المحلية أن تستثمر في موضوع المحافظة على البيئة لما فيه من مصلحتها، وليس عليها أن تلقِ اللّوم على السلطات التي تعلوها، وإنما أن تزيد من عدد حاويات القمامة بحيث تنتشر في كل مكان والأهم من ذلك أن توفّر سيارة واحدة ليس أكثر لتنظيف الشوارع. أما بالنسبة لإلقاء النفايات في أطراف البلدة، فلا يمكن أن تنتصب اللافتات التي تُحذّر، في حين لا يتم توجيه الناس إلى مكان يستوعب النفايات، فالواجب توجيه الناس إلى مكان كهذا، أو تخصيص مكان منبوذ في أحد أطراف البلد بحيث لا يُزعج بصرنا. إنه ليس دلال زائد، ولكن من أحد حقوق الإنسان الأساسية أن يُحافَظ على صفاء سمعه وبصره وشمّه.

لربما سيقول أحدهم أنه يجب أن ننظر إلى نصف الكأس المليئة وأن نترك النصف الفارغة، ولكن هذا الذي يقول يغفل عن أن هناك أخطائا قاتلة ينبغي معالجتها دون أدنى انتظار، فمثلا لو جائنا إنسان يلبس أجمل الثياب وشعره يلمع وحذاؤه كذلك وكان سحّاب بنطاله مفتوحا لنسينا كل أناقته ولسميّناه بأبي السحّاب المفتوح! إن شوارعنا كذلك هي سحابات مفتوحة إذا اعتبرنا أن كل شيء غير ذلك تمام (وهو في الحقيقة ليس كذلك)، فهي الظاهرة التي لا يمكن إخفاؤها تحت التراب ومن سيزورنا في بلدنا سيمشي في شوارعنا، وله أن يبتأس بمنظر الأوساخ في كل مكان، وله أن يأخذ أسوأ الأطباع عن أمة الإسلام! إن الواحد منا ليستحي من نفسه أمام هذا الإهمال في حين أن شوارع أقرب القرى اليهودية إلى قريتنا تسخر منا! لا تقل لي أن هناك تمييزا في الميزانيات فنحن نتكلّم عن أبسط الأشياء وهي سيارة واحدة لتنظيف الشوارع، والذي يُثبت أننا قادرون على إقتناء مثل هذه السيارة أنه قبل سنين كانت سيارة كهذه تجوب شوارع كفرقرع كلها، فهل نحن في تراجع مستمر؟ وبالمقابل لنا أن نتخيّل لو أن كل فرد منا حافظ على بيئتنا المشتركة كما يجب، من أين ستأتي الأوساخ؟ هل ستنزل من السماء؟ معاذ الله، إنها بفعلنا نحن، ونحن سببها، وفي هذا يقول تعالى: "ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ" (الروم، 41).

كنا على أبواب رمضان وللأسف لم نلاحظ نقلة مشهودة في المحافظة على البيئة، ونحن الآن على أبواب العيد وحريٌ بنا أن نستقبل هذا العيد من بين اثنين على حين نظافة ونقاوة تعمّ الشوارع وأطراف هذا البلد. لربما يكون هذا التقصير نابع من إختصار الدين في الشعائر الدينية، في حين أننا غفلنا عن مكارم الأخلاق التي يدعو إليها الإسلام ولذا اختصرنا اسلامنا بالصلاة والصيام، ونسينا فعل الخيرات وكفّ الأذى عن الطرقات والإحسان إلى البيئة، ولربما يكون أيضا من اختصار النظافة في المساجد، ونحن لا نقلّل ممّن يعمر مساجد الله ويعمل على نظافتها، ولكن ينبغي أن لا يتمّ إختصار النظافة والمحافظة في المساجد وإنما توسيع دائرتها لتشملّ كل الأرض، فرسولنا عليه الصلاة والسلام يقول: "وجُعلت لي الأرض مسجداً وطهوراً". خلاصة القول، أن الحفاظ على البيئة وعلى نظافتها هي ثقافة مُكتسبة، وعلى الأفراد وعلى السلطات كذلك تنمية الفطرة السليمة لتصير ثقافة، وهذه الثقافة منوطة بتنمية الجوهر لا مجرّد المظهر.

9.8.12

النفس الرمضانية 5: المحافظة في مجتمع محافظ – الجزء الأول




مع إطلالة كل صباح نهمّ بفتح النافذة لنرى منظرا يُسعدنا وإذ بنا نرى الأوساخ تروح وتجيء مع الرياح! نحمل العائلة إلى وادي القرية عند أطرافها وإذ بنا نُذعر بأكوام الزبالة تنتشر في كل مكان واللافتة في مكانها: ممنوع إلقاء النفايات، كل من يُخالف القانون سيُعاقب! نفتح النوافذ لتهوئة المنزل وإذ بالجار يحرق ما لا يريد وقت هبوب الرياح! تجلس للدراسة لإمتحان وإذ بأحدهم يُشعلها موسيقى صاخبة في سيارته أو في بيته! تُركّب حنفيات ماء على حافة الطريق عن روح الحاج فلان وإذ حالتها بعد فترة قصيرة يُرثى لها! الطاولات في المدارس تُخلّع، مصابيح الإنارة في الشوارع تُكسّر، هذا عدا الإعتداء الممنهج على الممتلكات العامة مثل حرقها أو سرقتها أو ما شابه! ومن ثم نقول نحن مجتمع محافظ! والسؤال على ماذا نحافظ فعلا؟ على الممتلكات العامة؟ أعوذ بالله. على الأخلاق والآداب؟ لربما في الظاهر!

لكنّ ما يزيدنا تناقضا أننا ندّعي الإسلام في حين أن الإسلام يحث على المحافظة على البيئة، وفي ذلك نصوص كثيرة، منها: "وَلا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلاحِهَا" (الأعراف، 56)، وَإِذَا تَوَلَّى سَعَى فِي الْأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيهَا وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ وَاللَّهُ لا يُحِبُّ الْفَسَادَ (البقرة، 205)، وعنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: "لا ضرر ولا ضرار"، وأيضا أنه قال عليه الصلاة والسلام: "من أماط أذى من طريق المسلمين، كُتبت له حسنة، ومن تقبلت منه حسنة دخل الجنة". والعجيب أن الأمة التي أُمرت بالحفاظ على بيئتها قد جعلتها وراء ظهرها، في حين أن من لم يردعهم أمر إلهي حافظوا على محيطهم!

إن هذا التناقض يصل بنا إلى البحث عن جوهر المشكلة: فهل الفرد هو المتّهم أم هي السلطات الحاكمة (ومن بينها المجالس المحلية)؟ إننا نرى أن المسؤولية تتوزّع على الأفراد وعلى السلطات، فالفرد والسلطة عنصران أساسيان في القضية. على صعيد الأفراد، نسأل ما هي طبيعة البشر: هل الطفل عندما يُولد يكون خيّرا أم شريرا؟ إن الفلاسفة اختلفوا في الإجابة عن هذا السؤال فمنهم من قال أن الطفل بطبيعته خيّر والمجتمع يُفسده مثل روسو، ومنهم من قال أنه شرير والبيئة تُصلحه مثل فرويد، ومنهم من قال أنه لوح أملس بمعنى لا خيّر ولا شرير مثل جون لوك، إلا أننا نعتقد أن الطفل يُولد على الفطرة الحسنة، ولكنّ المشكلة تكمن في البيئة التي لا تنمّيها كما يجب وإن كانت بيئة إسلامية في ظاهرها.

من هنا نصل إلى أن هناك خللا في البيئة التي تُسمّى إسلامية (وهي في الحقيقة لا تُطبّق تعاليم الإسلام كما يجب) ونحن نعلم أيضا أن بيئة الطفل هي التي تُساهم في تربيته، لذا فإن التربية هي جوهر المشكلة، وعليه فإننا نلاحظ أن التربية في هذه الأيام سطحية لأنه يتم التركيز على الظواهر أكثر من الجوهر ومن الباطن، وهي مبنيّة على الخوف أكثر من الفهم والإقناع، ففي غياب أعين الوالد ترى الولد يستبيح كل نهي وهذا أمر جدّ خطير، حتى أن بعض الآباء والأمهات يشتركون مع أبنائهم في فعل الشر، فطالما هم بعيدون عن ممتلكاتهم الخاصة يمكن للولد أن يفعل ما يريد، إذا كانوا في مكان عام يمكن للولد أن يُخرّب أو يُدمّر حتى أمام أعين الأب أو الأم، أما في بيت العائلة فإياه ثم إياه. لكنّ تأثير البيئة أوسع مما فصّلنا حتى الآن، فللقيم التي تُذوّت في الولد من الكتب ومن وسائل الإتصال الحديثة مثل: التلفاز والإنترنت وألعاب الحاسوب أثر ملحوظ، وللأصدقاء تأثير كبير (خاصة أبناء نفس الجيل) وكذلك للجو العام في الحارة التي يقطنها وللإيحاءات التي يراها ولبيئة القرية بشكل عام. مثال على إيحاءات سلبية: نظرية "الشباك المكسور" التي تقول أن الإنسان إذا شاهد شباكا مكسورا في مكان معيّن فإنه يفهم أن كل شيء مسموح في ذاك المكان ولا قوانين حاكمة، ولذا يمكنه التكسير والتخريب.

* الصور أعلاه من تصوير الأخ فضل أحمد مرة. 

يتبع ... 

8.8.12

مسلمات في الأولومبيادة







رغم أن الصحافة الغربية تعجّ بالجدل حول مشاركة المرأة المسلمة في الألعاب الأولومبية، خصوصا بعد مشاركة لاعبتين سعوديتين لأول مرة، إلا أن غالبية الأوساط الدينية ما زالت تُحافظ على الصمت.

فهي قضية جدّ مركبة وتحتاج إلى بحث وإيضاح: من جهة أولى، إن التزمت اللاعبات بالزي الإسلامي ولم تتخلّ الواحدة عن مبادئها، فما هو المانع من المشاركة؟ بالإضافة إلى أن المشاركة بحد ذاتها يمكن أن توصل رسالة الإسلام السمحة، فالإسلام يدعو إلى الرياضة ويشجّعها ولكن بحدود، ولذا فإن ظهور اللاعبات بشكل مُختلف عن الأخريات يلفت الأنظار ويذكّر الغرب بدين اسمه الإسلام ويُفهمهم أنه ليس دين التطرّف وليس يظلم المرأة ولكنه لا يتنازل عن ثوابته مهما كان، وهو بالتالي يظهر فريدا بين الآخرين.

لكن من جهة أخرى، فإن الظهور بشكل مُختلف يمكن أن يُشعر بالوحدة وبكونك شاذ في المكان، ومن ثم فإن اللباس الإسلامي الكامل يمكن أن يكون غير مريح وغير ملائم خصوصا للرياضات التي تتطلب مجهودا كبيرا، والنقطة الأهم هي أن التواجد في بيئة غير إسلامية يمكنه أن يؤثّر على اللاعبة فتبدأ بالتساهل شيئا فشيئا في لباسها إلى أن تلبس اللباس الضيّق وربما تخلع الحجاب. هذا بالإضافة إلى الإخلال في مسؤوليات المنزل ورعاية الأولاد، حتى أن إحدى اللاعبات المسلمات شاركت في الألعاب الأولومبية أثناء فترة حملها!  

للمزيد يمكن الإطلاع على المقال التالي باللغة الإنجليزية: 
http://muslimmedianetwork.com/mmn/?p=11072

4.8.12

النفس الرمضانية 4: توجيه الغضب



من العجيب أن تسمع أن حمام دماء كامل بين عائلتين وعداوة وبغضاء راحت ضحيتهما أنفس، نجمت عن سبب تافه يستحي الإنسان السوي من ذكره ألا وهو: خلاف على حق الأولوية أثناء قيادة السيارة. إلا أن هذا الخلاف البسيط الذي بدأ بين شخصين في لحظة غضب، صار يكبر شيئا فشيئا وكلٌ يحشد رجاله وذويه للوقوف في صفّه وليس في صفّ الحق، إلى أن وصل الخلاف إلى عصبية قبلية وإلى صراعات لنرى فيها من الأقوى ومن هم الرجال حقا وحقيقة! إنه الغضب الذي يُسيطر على نفس واحدة أو أكثر فيُعدي الأخريات حتى يستشرس في أفراد كثر وكلهم يحسبون أنهم على حق، لكنك إذا نظرت من الخارج (نظرة موضوعية دون تحيّز لأحد الأطراف) تكتشف تفاهة عقولهم وتفكيرهم الساذج البسيط الذي يصغر تفكير الأطفال لأنه يفتقد للبراءة علاوة على أنه يرفض المنطق بعد أن عُرض عليه.

"والغضب عدو العقل" (إغاثة اللهفان في طلاق الغضبان)، "والغضب يُنسي الحرمات، ويدفن الحسنات، ويخلق للبريء جنايات" (قرى الضيف)، لكن من جهة أخرى، فإن "الغضب من الصفات التي ندر أن يسلم منه أحد بل تركه بالكلية صفة نقص لا كمال" (د. نايف بن أحمد الحمد)، والغضب يأخذ في الغالب معان سلبية، لكننا نحتاجه في أحيان كثيرة لأنه يدفعنا نحو العمل والتغيير، فما هو الغضب المذموم وما هو الغضب المحمود؟ الغضب المذموم تستحقره النفس وتزدريه، وترى فيه اللا منطقية، لأن من يعرف أن حياته محدودة وأنه سيُحاسب على فعله، يبدأ يفكّر: هل يُعقل أن أسمح لأحد من البشر أن يستفزّني وأن يُغضبني؟ وكيف لبشر أن يُحرّكك كيفما شاء فيُغضبك متى شاء هو؟! ثم هل يُعقل أن أهلك نفسي في معركة كلامية أو جسدية أو نفسية أو كلهن مع بعض، ونحن بحجم حقير مقابل مليارات البشر ومقابل حجم الكرة الأرضية وحجم الكون بأكمله؟ من سيسمع صدانا؟ إن أردنا إظهار بأسنا وقوّتنا وأننا رجال، هل ستسمع أوروبا ببطولتنا، وهل ستنحرف الشمس عن مسارها عند غضبنا؟ وهل الرجولة بالعضلات والعنف؟ هل يُعقل أن أُشغل نفسي بتوافه كهذه وأهدر الساعات على مسائل لا طائل منها، في حين أني أستطيع تطوير ذاتي وإضافة الخير إلى هذا العالم بدل هذا الوقت الضائع؟ هل يُعقل أن أبدأ الشر أو أستجيب لإشارة الشر فأُدخل نفسي وعائلتي وربما كل أهل قريتي في دوّامة لا مخرج منها؟ هل يُعقل أن أُعذّب نسلي وأهل بلدي من أجل إظهار القوّة والقهر؟

أما الغضب المحمود فهو المطلوب لأنه الخطوة الأولى لمواجهة الشر والظُلم والعُدوان، "وهو ما كان لله تعالى عندما تُتنهك محارمه، وهذا النوع ثمرة من ثمرات الإيمان" (د. نايف بن أحمد الحمد)، وقد قال ربنا جلّ وعلا على لسان نبيه موسى عليه السلام: "وَلَمَّا رَجَعَ مُوسَى إِلَى قَوْمِهِ غَضْبَانَ أَسِفاً قَالَ بِئْسَمَا خَلَفْتُمُونِي مِنْ بَعْدِي أَعَجِلْتُمْ أَمْرَ رَبِّكُمْ" (الأعراف، آية 150). لكنّ أمتنا الإسلامية لم تعرف كيف توجّه غضبها فركّزته في مشاحنات حول توافه الأمور مثل: إختلاف على شبر أرض، إختلاف على حبيبة، والجامع لهذه الأمور كلها أنها اختلافات على أمور دنيوية من عالم الأشياء أو الأشخاص، ونسيت بالمقابل أن تغضب على الظلم والإستبداد وقتل الناس الأبرياء في العالم الواسع، والعجيب في الأمر أن أغلب ما يدور حوله الغضب المحمود هو غضب على أفكار مذمومة. لهذا فإن الغضب المحمود يُحرّك النفس ويدفعها لتعمل نحو التغيير، والواجب أن يسكت الغضب بعد ثورانه ليفسح المجال للعقل كي يأخذ دوره ويحرّر الناس بطرق مدروسة من الظلم والشر ومن العادات والتقاليد التي ما أنزل الله بها من سلطان ومن الغلو في الدين.

ومن ثم فلماذا نتناول موضوع الغضب عند الحديث عن النفس الرمضانية؟ رمضان يُسفر عن مدى صبر الإنسان على أذى أخيه الإنسان لأنه ساعة شدّة بحكم تحريم الأكل والشرب خلال النهار، ولذا فإن الإنسان وتحت الظروف الصعبة (الجوع والعطش وحرارة الطقس العالية وضيق المعيشة) يكون مُعرّضا أكثر للغضب، فالواجب كما أسلفنا عدم تجاوز وعدم كبت الغضب، ولكن توجيهه إلى المسار الصحيح، لأننا إن لم نوجّهه ولم يلقَ له مسلكا فلربما سينفجر في الطريق الغير آمن وعندها سنشهد حالة أخرى من الغضب المذموم الذي لا يمكن إسكاته سريعا في أحيان كثيرة. لكنّ زيادة العُرضة للغضب، تجابه بتأثير لا يتواجد في الأيام العادية وهي تأثير الأجواء الرمضانية، ولذا وإن بدا لنا كثير من بوادر الغضب، إلا أن هذه البوادر لا تتطوّر إلى خلافات كبيرة في غالب الأحيان بفعل تأثير رمضان وهذا من رحمة الله علينا.

أما فيما يتعلّق بالحديث الذي رواه أبو هريرة عندما جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال له: أوصني. قال عليه الصلاة والسلام: "لا تغضب فردد مرارا قال: لا تغضب". فإنه كما يظهر من الحديث أن "الغضب المذموم الذي نهى عنه الشرع هو أن يغضب الإنسان انتقاما لنفسه. أما إذا غضب غيرة لله لانتهاك محارمه أو دفعا للأذى عن نفسه وغيره في ذات الله فهذا غضب محمود شرعا وفاعله يثاب على ذلك" (خالد بن سعود البليهد)، وهذا يؤكّد ما أسلفنا من قول، إذ أن الغضب نوعين: نوع محمود وآخر مذموم. والعجيب أنه إذا نظرنا في أثر الغضبين على النفس الإنسانية، فإننا نلاحظ أن الغضب المذموم يودي بصاحبه في غالب الأحيان إلى الندم لأنه يُدرك أن عمله فظيع مقابل سبب غضبه، وأما الغضب المحمود فإنه يترك أثرا إيجابيا في النفس لأنه يُعتبر نوعا من التضحية في سبيل مصلحة الأمة. 

2.8.12

النفس الرمضانية 3: رمضان في الأقصى، الأقصى في رمضان



مثلما يزيد الترابط ما بين المصلين والمساجد في رمضان فكذا يزيد إرتباط الناس بالأقصى الشريف. وقد استعملت كلمة المصلين عند الحديث عن المساجد العادية، لأننا نتوقّع أن يزيد اندفاع من كان عنده اندفاع سابق نحو المساجد، فالذي كان يُصلّي صلاة المغرب والعشاء بالمسجد، سيصير يُصلّي في رمضان المغرب والعشاء والتراويح، أما من كان آخر همّه وصول المساجد قبل رمضان، فإن دخول الشهر الكريم لا يزيد من إرتباطه بالمساجد إلا من رحم ربي فأعلنها توبة نصوحا. أما عند الحديث عن الأقصى الشريف فإن المصطلح يختلف فنستبدل كلمة المصلين بالناس، ذلك أن للأقصى مكانة خاصة في قلوب المسلمين وعقولهم، وأن كونه مظلوما يزيد من تعاطف الناس مع قهره وألمه وأساه في رمضان، ولا نستغرب عندما نرى الناس أفواجا أمواجا في تراويح الليل أو جمعة النهار، إذ أن كثيرا ممن كانوا لا ينتبهون لنداء خالقهم صاروا يُهرولون للصلاة ولو كان من باب التقليد والعادات.

هالة التقديس الحيوية التي تُحيط بالأقصى هي مما يُساهم في حمايته، فعندما يعتبر الناس المكان مقدّسا، يزيد من وجلهم وإحترامهم له، وإذا ما خُدش أو نيل منه فإن الجموع تنفر لأنّ التقديس يرفع من شأن الشيء. كما أن لنفس هالة التقديس تأثير إيجابي على إزدياد إرتباط الناس بالأقصى، ولا شكّ لدينا أن التقديس يدخل أيضا في المساجد العادية، إلا أنه يبقى أكثر بروزا وتأثيرا عند الحديث عن ثالث الحرمين الشريفين وأولى القبلتين. أضف إلى ذلك، أن الأجر يتضاعف في المسجد الأقصى بإذن الله، فقد أشار صلى الله عليه وسلم إلى عظيم الأجر لمن صلّى في المسجد الأقصى في أكثر من موضع، فقد قال عليه الصلاة والسلام: "الصلاة في المسجد الحرام بمائة ألف صلاة، والصلاة في مسجدي بألف صلاة، والصلاة في بيت المقدس بخمسمائة صلاة"، وأيضا قوله: "لا تشد الرحال إلا لثلاثة مساجد المسجد الحرام، ومسجدي هذا، والمسجد الأقصى". فجمع مناسبة رمضان إلى الأقصى، أو جمع الأقصى إلى رمضان، يزيد من الأجر عند القيام بنفس العمل، لذا من المنطقي لمن كان عيشه محدود، أن يبحث عن هذه الفرص الثمينة التي فيها تتضاعف الأجور مع نفس الجهد والعمل.

رمضان في الأقصى مُختلف، ذلك أن كثيرا من الإيحاءات ترمز إلى أجوائه، وبالطبع ليس كلّها، وأقصد في هذا أنه مُذ دخولك إلى الأسواق تحسّ بحيوية رمضان ونشاطه إذا تكلّمنا عن الأجواء بعد الإفطار قُبيل صلاة التراويح، فترى الجموع تسير نحو هدف واحد وقسم يحمل مصلّاه بين يديه، والجدران مُزيّنة بالزخارف الإسلامية المضيئة وبهلال رمضان، والجلبة قائمة والنشاط والحركة والنداءات بفعل الأجواء الرمضانية، ولو لم يكن رمضان لما وجدنا كل هذا النشاط والحركة في مثل هذه الأوقات. عندما تدخل إلى المسجد الأقصى تكتشف أنك لست وحيدا، بل إنك غيض من فيض، فلربما هو أكبر تجمّع يومي للمسلمين في بلادنا، وكيف لا يكون ذلك ونحن نتكلّم عن الحرم القدسي الشريف. الساحات ممتلئة وقراءة الإمام تعطّر المكان في كل زاوية من زواياه، والصلاة لا تنحصر بين جدران أربعة وإنما يمكنك أن تُصلي في الهواء الطلق على بلاط الأقصى القديم الذي يذكّرنا بحزنه وألمه. إن كل هذه الإيحاءات والرموز كفيلة بأن تُدخلنا في أجواء رمضانية خاصة، على الرغم من أن كثير من هذه الرموز والإيحاءات لا يتم إلتقاطها بصورة واعية.

أما الأقصى في رمضان فإنه ينال حصة لا بأس بها من الدلال، ففيه يزيد إعماره ويعجّ بمحبّيه، وهو الذي يضمّهم إليه في كل يوم على الأقل مرة واحدة في صلاة التراويح، وفيه تكثر الصدقات وتزيد من الأعمال الخيرية على أرضه التي ما تلبث أن تستقر عليها بصمات. رمضان في الأقصى شيء آخر، وكذلك، الأقصى في رمضان شيء مُميّز، ولا ننسى بطبيعة الحال أن لهذا المكان يتوق ملايين من المسلمين الذي حُرموا من رؤيته بأم أعينهم، فلنا أن نستغلّ هذه الفرصة، وأن نجمع الفضلين: فضل رمضان وفضل الأقصى، في آن واحد. 

22.7.12

النفس الرمضانية 2: رمضان فرصة للتغيير على مستوى المجتمع


المجتمع يتكوّن من أفراد تربطهم مصلحة مشتركة واحدة على الأقل، ولذا فمن المنطقي إذا حدث تغيير على مستوى الفرد، أن يحدث أيضا على مستوى المجتمع. وكما أسلفنا في الحلقة السابقة، فإن رمضان هو مناسبة مشتركة لجميع المسلمين وهو فرصة التوبة الكبرى لأنه مناسبة عامة وحدث فاصل في حياة جميع المسلمين على وجه البسيطة. والمجتمع الإسلامي من وجهة النظر هذه يتعدّى الحدود الجغرافية، أي أن المجتمع الإسلامي كما نقصد به هنا لا ينحصر في دولة معينة، وإنما يشمل جميع المسلمين على وجه الكرة الأرضية لأن المشترك بينهم كثير وأحد المناسبات الأكثر أهمية فيما يشترك بينهم هو شهر رمضان المبارك. لهذا يمكننا أن نصف المجتمع الإسلامي بالعالمية، فالمسلمون كتابهم واحد ونبيهم واحد، وهذا ينطبق مع روح هذا الدين الذي قُدّر له أن يكون رحمة للعالمين.

لذا، فإننا نرى أن رمضان هو مناسبة وفرصة ثمينة لزيادة ترابط وتكتّل المجتمع الإسلامي العالمي بشكل عام، لأن الحدود الجغرافية تضعف أمام تأثير حدث رمضان الذي ليس هو يوما عابرا وإنما شهرا كاملا أي ما يُعادل أكثر من 8% من أيام السنة! لكننا رغم ذلك، نلحظ زيادة أكبر في الترابط بين أفراد المجتمع الإسلامي الذين يعيشون داخل حدود جغرافية معينة، وهذا منطقي لأنهم يحتكّون مع بعضهم البعض أكثر ويرتبطون بمشتركات أخرى فرعية تنبع من دخول رمضان، مثل: صلة الرحم، صلوات الجماعة في المسجد وخاصة صلاة الجمعة والتراويح. ثم إنه لمن المدهش أن نلاحظ أن كثيرا من العبادات والشعائر في الإسلام تتّخذ صبغة إجتماعية، فتلك صلاة الجماعة تجمع الناس في المسجد، والحجّ والعمرة يجمعان الناس في بلاد الحرمين، والزكاة تمنحها لأفراد آخرين في المجتمع ممن هم بحاجة، وهذا الصوم يجمع إهتمام المسلمين كلهم بشأن واحد وتحت نفس الظروف من العطش والجوع. إذا، فإن رمضان يجمع المسلمين في العالم كله ويزيد من ترابطهم، والزيادة الأكثر في الترابط نلحظها عند المجتمع الذي يعيش في منطقة جغرافية محدّدة (دولة معيّنة).

كثير من النظريات تفصل بين مجموعة الداخل (ingroup) وهي ما عرّفناه سابقا بالمجتمع الذي يرتبط أفراده بمصلحة مشتركة واحدة على الأقل، وبين مجموعة الخارج (outgroup) وتشمل كل الأشخاص الذين نضعهم خارج المجتمع الذي نقصده. تجدر الإشارة إلى أن هذين المصطلحين يتكيّفان مع تعريفنا لماهية المجموعة التي نقصدها، فإن قصدنا مجموعة دينية، سيكون كل من دينه غير الإسلام، خارج المجموعة، أما إن قصدنا مجموعة سياسية، فإن كل من لا ينتمي لحزبي سيكون خارج المجموعة. لكننا نلاحظ أن رمضان يؤثّر على المجموعة الدينية بشكل خاص، وتأثيره مضاعف، إذ أنه يعمل على زيادة تكتّل وترابط المجتمع الإسلامي، وكذا فإنه يعمل على تمييز المجتمع الإسلامي عن غيره، وعند ذلك ننجو من خطر الإتباع والتقليد الأعميين لتصديرات غير مرغوب بها من المجتمعات التي تدخل في مجموعة الخارج (المجتمع الأمريكي مثلا). الخطر القائم الناجم عن فهم خاطئ للدين هو إعلان العداوة على من هم في مجموعة الخارج أي على كل من لا يدين بدين الإسلام، وهذا ليس هو التأثير المأمول لرمضان وهو كذلك لا ينسجم مع الفطرة الإنسانية. إننا نتوقّع من مجموعة تزيد من ترابطها (المجتمع الإسلامي) أن تكون مستعدة للجلوس على طاولة الحوار والنقاش، وأن تكون أكثر انفتاحا على مجموعة الخارج. لماذا نتوقّع هذا؟! لأنّ مجموعة الداخل عندما تكون أكثر ترابطا، تكون ثقة أفرادها بأنفسهم أكبر، ولذا فإن الجلوس مع مجموعة الخارج والأخذ والعطاء مع الآخر لن يُهدّد وجود مجموعة الداخل إذ أنّ وضع المجموعة – أي مجموعة الداخل - بخير طالما هي مترابطة. 

20.7.12

النفس الرمضانية 1: رمضان فرصة للتغيير على مستوى الفرد



كثير من البشر يبحثون عن حدث فاصل أو يوم مميّز ليفتتحوا به صفحة بيضاء جديدة، فترى الفرد يقول: "يوم الأحد هو أول أيام الأسبوع ولذا سأبدأ هذا اليوم بنشاط غير مسبوق لتكون ثمرة أسبوعي عظيمة"، وترى الفرد يعمل على أن يكون يومه في بداية السنة من أفضل الأيام ليفتتح سنة جديدة على بياض، وغيرها الكثير من الأمثلة. في الحقيقة، الإنسان يحتاج إلى هذه المحطات والوقفات لكي يضع ما أسلف من عمل في طيّ النسيان بعدما يأخذ من ماضيه ما ينفعه لتحسين مستقبله، ومن ثم يبدأ بأمل جديد ويفتتح صفحة بيضاء أخرى ليقدّم أكمل ما يمكنه فعله في هذه الحياة، ولا شكّ أن بداية رمضان هي إحدى هذه المحطات التي تُبشّر بتغيير قادم.

عندما يُقبل رمضان يُشعرنا أن تغييرا سوف يحدث في حياتنا،  فكلنا يعلم أن الإفطار يتغير وقته ومصطلحات الغداء والعشاء تفقد من معناها عند غالبية الناس ويحل محلّها السحور، الأكل يُمنع من طلوع الشمس إلى غروبها وكذلك الشرب، ولذا كان لا بدّ منا أن نعقل هذا التغيير ونتكيّف معه لنستمر في التوازن المطلوب، فلا يكفي أن نُغيّر نظام الأكل والشرب وإنما نحتاج إلى تغيير مرافق للنفس، وذلك لأن النفس والجسم لا ينفكّان يؤثّران على بعضهما البعض.

والصحيح أننا نرى مع دخول هذا الشهر الفضيل، تحمّسا ملحوظا عند غالبية الناس، وتحسّ بعزم الكثيرين وإصرارهم على بداية رمضانية قوية، فترى من كان آخر همّه دينه يبعث بالتهاني عبر رسائل الجوال أو عبر حديثه مع الناس الممزوج بإبتسامات تُنبّئ عن تفائل وتحمّس شديدين، وترى المساجد تمتلئ في صلاة الجمعة وفي التراويح، وهذا منطقي ومُتوقّع لأن بلوغ رمضان وحده هو بمثابة هدية لا تُقدّر بثمن، ذلك أن الأجر فيه يتضاعف والخيرات فيه تكثر. لكن ما نخشى حدوثه في بداية كل رمضان هو تحمّس غير مسبوق من قبل الكثيرين في أول الشهر ومن ثم يبدأ الإنسان بالتراجع في همّته ونشاطه مع تقدّم أيام الشهر، ولا نجد لهذا التراجع تفسيرا منطقيا لمن يعلم أن رمضان هو شهر وليس أسبوعا إلا أن الناس تملّ الروتين وتتحمّس عند كل بداية تحمّسا شديدا فتضع كل طاقتها في أول الشهر فتتعب من الكدّ والجهد في وسطه. طبعا هذا لا يقول أنه يجب علينا أن نتجنّب البداية القوية ولكن أن نتجنّب البداية المُبالغ فيها، فلا يُعقل أن ينتقل الإنسان من نقيض إلى نقيض، أي من هجران للصلاة وللقرآن، إلى الإعتكاف وإلى قيام ليل مُرهق وإلى قراءة عشرة أجزاء يوميا، لأن النفس تميل إلى التوازن، وإذا شرعت ببداية مع جهد عال وفوق طاقتك فلا بدّ للأيام التي تلي الأولى أن تكون أقل جهدا ونشاطا ونخشى من التراجع إلى ترك الفروض. لذا فإننا ننصح ببداية قوية لكن على قدر طاقة الإنسان، وأن يكون الجهد متوازنا في أول عشرين يوما، لكي يصل الفرد إلى العشر الأواخر مع طاقة تكفيه.

إن دخول رمضان هو حدث فاصل فعلا في حياة كثير من الناس، ولذا يجدر بنا أن نستغلّه لنُغيّر من أنفسنا إلى الأفضل، وأن نفتتح هذا الشهر بصفحة بيضاء لنكتب عليها ما ينفعنا في دنيانا وأخرانا، وإني لأشبّه رمضان بالتوبة الكبرى، لأنه وقت دخوله يضع الإنسان كل تقصيره وكل ما أسلف جانبا، راجيا من الله أن يغفر لك ذنبه، ليستأنف بطاقة جديدة عزما أقوى على تقديم أفضل ما يمكنه، فالتوبة هي أيضا حدث فاصل في حياة الإنسان ولكنها غير ثابتة في الزمان وليست عامة، فيمكن للإنسان أن يتوب متى شاء وأن يتوب لوحده دون أن يتوب الآخرون، أما رمضان فهو التوبة الكبرى لأنه ثابت في الزمان وهو حدث عام لجميع المسلمين. من الطبيعي أن تحمل كل بداية آمالا كثيرة ولكن علينا أن نحمل آمالا يمكن تحقيقها على أرض الواقع، لأن التغيير لا يأتي بين ليلة وضحاها، وإنما يحتاج إلى وقت وجهد، ولذا فإن البعض يخرج من رمضان بخيبة أمل من نفسه لأنه لم يُحقّق نصف ما أراده في بداية الشهر، ولذا فإننا ننصح أيضا بملائمة الآمال للواقع ليتمكّن الفرد من إنجازها. 

8.6.12

فدوى طوقان: رحلة جبلية ... رحلة صعبة ...



إن السيرة الذاتية التي عرضتها فدوى طوقان على الملأ تعكس الجرأة والشفافية في الطرح، وذلك لأنها كانت سيرتها وهي التي كشفتها بنفسها. وإذا أردنا أن نقارنها بعالمنا العربي المتستّر فإنها تُعتبر ثورة حقيقية، لأنّ المجتمع العربي يعيش في تناقض صعب، فمن جهة يحرص الأفراد على إخفاء عالمهم الشخصي لئلا يطّلع الناس على خصوصياتهم خاصة إذا تكلّمنا عن الجانب السلبي في كل إنسان، ومن جهة أخرى فإن أبناء المجتمع العربي يتّسمون بالفضول لمعرفة أحوال من حولهم، لكنّها تثور على هذا التناقض وتمنح قارئها حياتها الشخصية على طبق من ذهب. إنها تعرض شخصيتها وحياتها بإيجابياتها وسلبياتها دون إكتراث لتقييدات مجتمعية مُبتدعة، وعادة ما تكون الشخصية القوية هي تلك القادرة على كشف نقاط ضعفها لتحسينها أو لربما لإعادة النظر فيها، فهي لا تخاف من نفسها ولا من مجتمعها وإنما تعرض نفسها كما هي.

إننا وإذ نقرأ سيرتها نستشعر تلك الطرق الصعبة التي تسير بها والتي تُسيّرها أيضا، ونشمّ رائحة العرق ونحس بحرارة الشمس الحارقة وهي تسير في رحلتها الجبلية الوعرة نحو القمة. ولا يقع اللوم كله على خضوعها للواقع الذي تحياه، وإنما نقدّر تلك الظروف التي عايشتها وتلك المحطّات التي مرّت بها والتي تهزّ الجبال وتزلزلها، فأولها انتداب، ثم نكبة ثم حكم عسكري، فنكسة، فيوم أرض، فإنتفاضتين وحروبات وثورات عربية، أي أن المنطقة كانت في ذروة توتّرها، مما يُصوّر لنا فدوى طوقان كمثال للشخصية الفلسطينية المقهورة، وكنموذج للمرأة التي تُعاني أيضا من عادات وتقاليد المجتمع الخانقة مثل منع النساء من الخروج من المنزل وحرمانهن من التعليم.

لكننا ننتقد ذاك الإستسلام للواقع في حياتها، فلم نرها تُحاول التغيير، حتى أنها عجزت عن الإدلاء برأيها حينما منعها رجال البيت من تعلّم الإنجليزية خارج المنزل، رغم أن أختها سطّرت موقفا فنبست ببنات شفة ولم تبق صامتة. إن هذا الصمت وهذه السلبية لن يُغيّرا شيئا وكما قيل بدل أن تلعن الظلام أضئ شمعةّ! أضف إلى ذلك فإن الظروف التي تُحيط بها هي التي تُحرّكها وهذا يجسّد خضوعا إضافيا واستسلاما للواقع، فعندما مات أخوها المُحبّب إليها إبراهيم أحسّت أن نبض حياتها قد توقّف وكذا عندما مات أخوها الآخر، وهذا يُرشدنا إلى أن شخصيتها وكيانها متعلّقين بالآخرين وبوجودهم، بخلاف الشخصية المستقلة.

نقطة أخرى هي وجود تناقض بين كتابتها الثورية التي تدعو إلى تحرير المرأة من قيودها وإلى مشاركة الرجال في المجالس السياسية، في حين أن شخصيتها الواقعية كما ترسمها هي بقلمها تبدو خاضعة وخانعة، لا تُدلي حتى برأي عندما تُثار مواضيع ظلم المرأة وغيرها.

إن مرحلة الطفولة كما تُشير هي بنفسها هي فعلا مرحلة مهمة جدا لأن فيها تتحدّد اللبنات الأساسية لبناء الشخصية الإنسانية، ولكننا ورغم ذلك نؤمن بقوة التغيير وفي حالة فدوى فإننا نرى تغييرا وتطوّرا بطيئا، إذ أنها وبعد أن عايشت المجتمع الإنجليزي، استطاعت أن تُباشر مسيرة تعليمية جادّة، وقد أعجبني أن النهاية كانت إيجابية عندما بدأت أعينها تنظر إلى جمال الدنيا عبر نظارات أكثر تفائلا وأملا، ولكن ورغم انتقالها إلى المجتمع الأوروبي إلا أننا ما زلنا نلمس عندها عودة مستمرة إلا ماضيها الصعب وإلى تقييد مجتمعها، وإلى إنطوائها رغم أن الحرية هناك لا تمنعها من أي مراد.

إذا تكلّمنا عن علاقتها مع والديها، فإننا نراها متناقضة أيضا، فهي تشعر أنهم لم يعاملوها كما عاملوا إخوتها وأخواتها أي أنها تشعر بظلم معين، ولكنها ورغم ذلك لا تستطيع نسيانهم ولا تجاوز فقدانهم، وإننا نقول أن هذا التعامل المميِّز يمكن أن ينجم عن شخصيتها المختلفة مقارنة بإخوتها، أو لظروف قاسية واجهت العائلة آنذاك، ولذا كان من الأفضل لها أن تنظر إلى نفسها في هذا الجانب أكثر قبل أن تُلقي باللوم على والديها.

ثلاث نقاط إضافية وأخيرة هي: الأولى أنها تخلط ما بين ظلم المرأة وإكرامها، فنحن نرفض منع المرأة من حقها في التعليم والعمل والخروج من المنزل قبل كل شيء، ولكن ذلك لا يعني أننا من دعاة تحرير المرأة من شرفها وطُهرها ودينها، فالظلم والتشديد المفروض والذي ما أنزل الله به من سلطان، لا يُستبدل بنزع الحجاب ومصادقة العشّاق. النقطة الأخرى أنني أقدّر تمسّكها بحلمها الأدبي، إذ أن صعوبات الحياة لم تُثنها عن عزمها، والأمر الأخير هو وجود نقص معين على مستوى السيرة الذاتية كلها بالنسبة لعقدة العزوبة كما أسمتها هي، إذ أنها لم تأخذ هذه القضية إلى عالمها الخاص ولم تُطلعنا على حال علاقتها الإجتماعية مع الجنس الآخر.
   

30.5.12

إنسحاب تراجعي أم تقدّمي ؟!



كثير من الإسلاميين يُعلنون الإنسحاب من دنياهم بحجة تواجد أهل الضلال في الحيز المقصود، فتراهم يهجرون الكرنفالات الوطنية أو الشعبية أو الفكاهية أو الثقافية أو العلمية بسبب إرتقاء فتاة غير محجّبة إلى المنصة، وتراهم يعلنون مقاطعة كل فعالية إجتماعية تحوي أي منكر في عالم يلحق وراء الغرب، وتراهم بذلك يُضيّقون على أنفسهم وبذلك ينحصر إطار معيشتهم، لا بل وتجد من الإسلاميين من يُحرّم الذهاب إلى مهرجانات إسلامية بحتة من شأنها أن تشحذ الهمم وتقوّي العزيمة ولكنّهم يقولون لك هذه موسيقى وهذا إيقاع حرام !!! فهل هذا هو الطريق إلى الهاوية؟! وهل إنسحاب كهذا يساهم في إعادة السيادة الإسلامية أم يُخفيها من على وجه البسيطة ويبقي حضارة الإسلام في المساجد كما بقيت المسيحية في الكنائس؟! 


أولا وقبل كل شيء يجب أن نفصل في هذه الأيام بين مصطلحين مهمين، المصطلح الأول هو "الإسلام" والثاني "الإسلاميون"، فليس المسلمون على حالهم اليوم يجسّدون رحمة الإسلام للعالمين ولا عظمته في الترغيب والترهيب ولا وسطيته إلا من رحم ربي. كان لا بدّ لهذين المصطلحين أن يبقيا متطابقين متلاصقين إلا أنّهما ابتعدا الواحد عن الآخر واتسعت الهوة بينهما ولذا وجب التشديد على هذه الملحوظة .

الإنسحاب ينقسم إلى قسمين : الإنسحاب التراجعي والإنسحاب التقدّمي . الإنسحاب التراجعي يعني التنصّل من واقع الحياة وإعلان المقاطعة لأمور من شأنها أن ترفع المستوى الثقافي والعلمي والوطني للمجتمع بأسره . فما أكثر الأمثلة في هذا الصدد بمجتمعنا وما أكثر الإنسحابات التراجعية ! ولتوضيح الصورة نتناول قضية شائكة ومهمة وهي قضية خروج الشابة للتعليم الجامعي في معزل عن أهلها وعن بلدها، والحقيقة أننا نسمع في هذه المسألة كثير من الأقوال ولكن إذا ما أردنا أن نفكّر في حرمان البنت من طلب العلم بسبب البعد عن عين الأهل السهرانة، نخلص إلى أنّ هذا هو إجرام بحق الفتاة المسلمة، فما هو ذنب الفتاة التي تهوى الطب لتُمنع من دراسته وبذلك يتحطّم حلمها ؟! وما هو ذنب هاوية المحاماة أو علم النفس أن لا تستثمر قواها العقلية في سبيل تحقيق ذاتها وإفادة مجتمعها من حولها ؟! وهل نستغني في هذه الأيام عن طبيبة نساء أو محامية أو مصوّرة أو طبيبة نفس ؟! هل بحكم كونها أنثى وبحكم قيود المجتمع فإنها مجبورة على تحطيم كل الآمال والدوس عليها بقدميها ؟! وهل بحكم كون الجامعة ملتقى العشّاق فإنّ البنت العفيفة يجب أن تقاطعها ؟! نحن لا نفتي بجواز أو تحريم خروج الفتاة إلى التعليم الجامعي ولكن نقول أنّ للأنثى حق في أن تطلب العلم المتاح لها كما للذكر الحق في ذلك وليس من العدل سحب الفتاة من الجامعة بسبب الفساد فيها والبعد عن مجهر المراقبة، وليس من العدل إنسحاب تلك الفتاة الطاهرة من حب العلم لحجة الإختلاط فالمجتمع في هذه الأيام أشبه بالسلطة التي تأبى عناصرها أن تتنافر ولا ينحصر هذا الإختلاط في موقف واحد ووحيد .

بالإضافة إلى ذلك، فإننا نرى أنّ هذه الحجة واهية لأنّ التربية المبكّرة على الأخلاق الحميدة من شأنها أن تغرس في الفتاة حب الدين وحب العفة والطهارة والأهم من ذلك غرس مراقبة الخالق جل وعلا في شخصية الفتاة منذ الصغر وليس مراقبة المجتمع أو الأب أو الأم وهي ما تُعرف أيضا بالمراقبة الذاتية. المشكلة الكبيرة في تربية أبنائنا أننا نقوم بعرض الطريق الصحيح أمامهم ولكننا نفتقد إلى العنصر المكمّل وهو عرض الممنوع وعلّة منعه وعرض الحرام وعلّة تحريمه، وربما يكون هذا الإقتصار من خجل المجتمع العربي . لكن في المقابل , لا يخفى علينا أنّ للبيئة المحيطة أثر كبير على نفس الشاب والشابة وفي بيئة الحرية والإستقلالية يمكن لأي تقي أن ينجر وراء الركب إن لم يمسك الجمرة التي في يده بقوّة، ولربما الإنتقال المفاجئ من مجتمع محافظ إلى مجتمع ليبرالي من شأنه أن يُثير الغرائز . هذه المسألة جدّ شائكة ولذا كان واجبا علينا أن نخترع الحلول التي توفّق بين طلب العلم والمحافظة على عفة وطهارة الفتاة المسلمة والشاب المسلم، وكعادتنا نقترح دراسة هذه المواضيع المحيّرة في ندوات تضمّ متخصصين من شتى المجالات بمن فيهم رجال دين، علماء نفس، علماء إجتماع وغيرهم، وليس أن نلغي مستقبل بناتنا بكلمة واحدة دونما دراسة وبحث . أما أن نحرم البنت من طلب العلم للمحافظة عليها من وساوس شيطانية فهذا هو مثال للإنسحاب التراجعي . إن تناولنا لهذه القضية بشكل خاص للإناث هو بسبب أنها تتواجد كثيرا في أجندة المجتمع العربي والإسلامي وكثيرا ما تعلو من وراء الكواليس، أما الذكور فإنهم معفيون من هذه الحسابات ولا ندري لماذا، فالشاب كالشابة مُعرّض أيضا للإغراءات وحتى أنه مُعرّض أكثر من الفتاة.

وللإنسحاب التراجعي سلبيات، منها: الإنسحاب من مجالات الحياة الُمباحة وبذلك إخلاء المجال لأهل الضلال ليبثّوا ضلالاتهم، وبالتالي التقليل من ظهور الإسلام وحصره في المساجد ودور العبادة، مما يُضعف تأثيره على المجتمع، والأوجب هو الدخول في كل المجالات المُباحة حتى يتم إتقان كل فنّ من فنون الحياة على حده، لأننا عندها ندمج الإسلام المتمثّل بالمسلمين الحقيقين في مُعترك الحياة التي تشمل الحق والباطل، الشر والخير، وعندها يمكن أن نتوقّع عودة السيادة الإسلامية. إضافة إلى هذا التأثير العام على الأمة كلها، فهناك تأثير سلبي على الأفراد لأنهم بذلك يشعرون أنهم مُقيّدون، مما يدفع بالبعض إلى الإتجاه إلى الأمور المُحرّمة، لأنهم لا يجدون تلك الفسحة والرحمة التي هي من سمات الإسلام الصحيح. من هنا واجب علينا أن نترك الإنسحاب التراجعي لإسقاطاته السيئة وأن نلتزم بالإنسحاب التقدّمي لإسقاطاته الحسنة.

أما الإنسحاب التقدّمي فهو يعني التنصّل وترك الأشياء المُحرّمة بشكل قطعي، لأنها لن تُساهم في تقدّم المجتمع وإنما في تدميره، لذلك فإن تركها يُعتبر تقدّما. ولقد اسميناه بالإنسحاب لأنه فعلا انسحاب وترك لبعض من الأمور التي يرتادها كثير من الناس ولكنها لا يجب أن تشدّنا أو تجذبنا إليها لأننا نؤمن أنها لن تنفعنا في الدنيا ولا في الآخرة وإن ظهر فيها نفع مؤقّت، ولذلك فهو تقدّمي لأن هذا الترك سيكون خيرا وإن بدا في ظاهر الأمر أنه تقييد. والأمثلة على مثل هذا الإنسحاب المطلوب كُثُر: الإنسحاب من شرب الخمر، من إرتكاب الزنى، من السرقة، من المراقص الليلية وغيرها الكثير، والعجيب في الأمر أن مقابل كل حرام هناك حلال مشابهة له ولكنه مختلف ومُفيد: فمقابل شرب الخمر هناك شرب ما لذّ وطاب من المشروبات الأخرى والعصائر، ومقابل الزنى هناك الزاوج، ومقابل السرقة هناك الكسب الحلال، ومقابل المراقص الليلية هناك السهرات العائلية الراقية. وفقا للرؤية الإسلامية فإن الله قد حرّم هذه الأمور لأنه هو أخبر بنا من أنفسنا لأنه خلقنا، ولذا فهو يعلم جل وعلا أنها لن تنفعنا في الدنيا ولا في الآخرة، فالخمر مثلا حرام لأنه يضر بالإنسان في الدنيا فهو يُبعد الإنسان عن الواقعية ويُغيّب زينته ألا وهي العقل وبالتالي يجرّه إلى فعل منكرات أخرى لأنه لا يدري ما يفعل في بعض الأحيان، كما أثبت العلم أضرارا أخرى للخمر كالتأثير السلبي الضار على النساء الحوامل وغيرها، وفي الآخرة ربما يمنعه من كسب رضى خالقه والفوز بالجنة والنجاة من النار لأنه لم يُطع أمره ولم يقف عند نهيه، وإنما خالف أمر خالقه! لذا فإن هذه الأمور المُحرّمة تعكس الشر الذي في العالم، مما يُوجب الإبتعاد عنها وتركها.

وللإنسحاب التقدّمي إيجابيات منها: أنه يُظهر تميّز المسلمين عن غيرهم وبالتالي يُساهم في إظهار الأفكار الإسلامية لتطفو فوق البحر، فيراها الجميع ناصعة، ولربما سيُعجب بها الكثيرون لأنها تتلاءم مع الفطرة الإنسانية. كما أن ذلك يُبرز قوة الإسلام وقوة الشخصية الإسلامية التي لا تتنازل عن مبادئها بسهولة ولا تركع ولا تخضع لغير الله، فإن أحسن الناس يُحسن المسلمون، وإن أساءوا نُحسن أيضا، وهذا يؤكّد أننا لسنا تَبَعا ولسنا عبيدا عند أحد من البشر ولسنا ننجرّ لأنّ عندنا دليل كل تائه ومُرشد كل حيران، ولسنا كذلك مُغلقين لأننا نأخذ ما ينفعنا في الدنيا والآخرة من الغير ونترك إليهم ما لا ينفعنا. إن الفهم الصحيح للإسلام والتقارب بين مصطلحي "الإسلام" و "المسلمين" يتحقّق عند ترك الإنسحاب التراجعي والأخذ بالإنسحاب التقدّمي.