5.9.12

ثقافتنا بين الإنفتاح والإنغلاق/ د. يوسف القرضاوي

فكر القرضاوي الوسطي يتكرر في هذا الكتاب، حيث يخلص إلى أنه لا ينبغي أن نرتدع من أخذ ما ينفعنا من عند غيرنا، أي من عند غيرنا من الثقافات، لأن الحوار الثقافي يساهم في بناء الأمم، ولأن الحكمة ضالة المؤمن، أينما وجدها فهو أحق الناس بها، ولأن سنة الله قد جرت بأن يتخلّل الباطل بعض الحق الذي لا ينتبه إليه إلا أولو الأبصار، ولكن علينا أن نحذر من انفتاح ما قبل النضج إذ كيف لمن لم يفهم ثقافته أن يفهم الثقافة الأخرى، وأن نحذر أيضا من الإنفتاح المتساهل في الأخذ، والإنفتاح المبهور بثقافة الغير.

فالثقافة كما يذكر تعريفها في الكتاب: "أفكار ومعارف وإدراكات، ممزوجة بقيم وعقائديات، ووجدانيات، تعبّر عنها أخلاق وعبادات، وآداب وسلوكيات، كما تعبّر عنها علوم وآداب وفنون متنوعات، وماديات ومعنويات"، والثقافة الإسلامية على وجه الخصوص تجسّد التنوّع في إطار الوحدة، وهي تدعو إلى حوار الحضارات والثقافات، ولكنها ترفض الغزو الثقافي ولا تحبّ النقل الثقافي الذي يتمثّل بالتلقين. ويختتم القرضاوي كتابه بمثالين يجسّدان الإنفتاح الحسن على الثقافات الأخرى وهما شخصيتان لهما ثقلهما في العالم الإسلامي: أبو حامد الغزالي وابن رشد. ولكن بالنسبة لإبن رشد: هل هو حقا مثال للإنفتاح الحسن لأنه يُصرّح بنفسه أن أرسطو قدوته، إلى درجة أنه قال "فسبحان الذي خصّه – أي أرسطو -  بالكمال الإنساني". 

إقتباسات من الكتاب:  




كتاب مشكلات في طريق الحياة الإسلامية/ الشيخ محمد الغزالي


إنه كتاب ثري بالمعلومات الدينية المعروضة بالشكل الذي يتلائم مع القرن العشرين، وهو يحوي سبع فصول وعناوينها: صور جديدة وعديدة للأعمال الصالحة، في الثقافة والتربية والأخلاق، كلام في الإسلام، محنة اللغة العربية والأخطار التي تكتنفها، بين الإعتدال والتطرّف، المتاجرة بالخلاف خيانة عظمى، فقه الدعوة الإسلامية ومشكلة الدعاة.

وأول موضوع يفتتح الكاتب به كلامه هو مشكلة الإنشغال بالعلوم الدينية والتعمّق بها وترك بقية العلوم الدنيوية والأخذ بالأسباب، ظانّين أن العلوم الشرعية هي السبيل الوحيد إلى معرفة الله، في حين أن الكيمياء والفيزياء وبقية العلوم تفتقر إلى من يُحسنها في العالم الإسلامي، وأحد أسباب هذا الإشكال هو قصور في فهم الأولويات. يقول الشيخ محمد الغزالي رحمه الله في كتابه: "كثير من الشباب يظنون التقوى بذل وقت أكبر في القراءات الدينية، والأخذ بقدر يسير من شئون الدنيا وعلوم الحياة، ولعمري إن الإسلام لا يكسب خيرا من هذا المسلك، ولا تنتصر عقائده إذا كان أهله في بلاهة الهنود الحمر، وكان أعداؤه يملكون "مكوك" الفضاء!!"

ويتطرّق الكتاب أيضا بشكل سريع إلى مواضيع عدة مثل: التغيير الذي جاء به الإسلام، علاقة الإسلام بالعروبة، الإسلام والمرأة، الأسرة وأهميتها، وظيفة المال الإجتماعية، الحكم كأمانة ومسؤولية، إلى أن يصل إلى العصر الحديث. ويصيح محذّرا: "اللغة العربية في خطر، أدركوها قبل فوات الأوان!"، فللقضاء على الإسلام يحاول الإستعمار القضاء على العربية، وعندهم وسائل شتى مثل الشعر المرسل الذي لا يصلك منه أي معنى (ليس هذا تعميما على الشعر المرسل ولكن كثير منه يفتقد المعنى المفيد). ويستمر الشيخ محمد في عرضه إلى أن يصل إلى أعماق الفقه الإسلامي، فيعرض وجوه الإختلاف بين الفقهاء ويحكي لنا عن المحكم والمتشابه وعن التأويل والتفويض، وعن مخاطر التجسيم وعن النص القرآني ورواية الآحاد وعن الإجتهاد والتقليد، ويخلص إلى ضرورة التعاون في الكثير المتفق عليه وترك الخلاف في الفرعيات.

3.9.12

المُقتصَد في الإقتصاد - الجزء الثالث والأخير


في المطبوعات
الطرف الآخر من الحديث هو عن المطبوعات، ويشمل كل الإعلانات والمناشير والدعوات التي يبرع الإخوة في توزيعها بعد صلاة الجمعة أو في أي فرصة أخرى. لقد تأخّر المسلمون سابقا في استيعاب فكرة الطباعة بدعوى حرمة التصوير، وكما يبدو اليوم فإنهم يتأخّرون في استيعاب فكرة تكنولوجيا المعلومات ومدى فاعلية الشبكة العنكبوتية. بالطبع، لسنا بصدد تحريم الطباعة مرة أخرى، ولكن ينبغي النظر في كمية المطبوعات وضرورتها لأن كثير من المعلومات اليوم يمكن أن تُنقل بالإنترنت وبمكبّرات الصوت ومن خلال خطب الجمعة أو عبر لافتات كبيرة تُعلّق في مدخل المؤسسات الحيوية في كل بلد.

كثير من المؤسسات اليوم صارت تستعمل صفحات الإنترنت بدل الورق المطبوع وفي ذلك خير كثير بإذن الله، لأن الإقتصاد في الورق يعني جهد بشري أقل في صناعة الورق ومواد خام أقل، ومخلّفات بيئية أقل جراء عملية الإحراق وجهد بشري وتكلفة أقل في إعادة التدوير.

علينا أن نسأل أنفسنا قبل طباعة أي كمية من الأوراق: هل هي ضرورية؟ هل هناك إمكانية أخرى لتمرير نفس المعلومات بنفس النجاعة أو ربما بنجاعة أكبر؟ فما فائدة بطاقة تهنئة بالعيد إن كانت يمكن أن تكون كلامية؟ وما فائدة مطوية مليئة بالأحاديث والآيات الشريفة إن علمنا أن أغلب الناس لن يقرأها وإن كنا نستطيع أن نمرّر محتواها في خطبة الجمعة وفي المواقع المختلفة؟ فإن مثل هذه المطويّة ستجبرنا على ألّا نلقي بها في القمامة تعظيما لما تحوي من آيات قرآنية، وسنكدّسها في البيت وسنشعل بها النيران حين يكتمل النصاب وسينجم عنها تلويث للبيئة! المرحلة الأخرى التي يجب أن ننتبه إليها بعد أن نصل إلى أنه لا مناص من الطباعة هي: هل بالإمكان تقليل التكلفة كي لا يكون فعلنا إسرافا؟ ما حاجتي إلى منشور بطول نصف متر إن كانت ورقة صغيرة تكفي؟ وما حاجتي إلى طباعة ملوّنة وإلى أجود أنواع الورق إن كان الورق البسيط والطباعة بالأبيض والأسود يفيان بالحاجة؟ سيقولون لك: العين تأكل أيضا، لكن أليس من الحري بنا أن نغذّي الأفواه قبل تغذية العيون؟ ثم من قال أني لا أستطيع تنسيق منشور جذّاب بسعر قليل؟ أم إن فلان يقلّد علان ويزايد عليه ليريَ الناس مدى بأسه؟

هل ينبغي إلغاء الجرائد المطبوعة والكتب وإعلانات الحملات التجارية؟
لم نقل هذا، فلا شكّ أن للطابعات دور أساسي في ثورة ثقافية ملحوظة، وما قلناه أنه ينبغي التنازل عن الغير ضروري، ولا تدخل في الغير ضروري الكتب الثقافية لما فيها من النفع للقارئ، ولا الجرائد لكونها وسيلة إتصال حيوية بمستجدّات العالم، ولا إعلانات الحملات التجارية لكونها جزء من الدعاية التي يجب أن تصلّ إلى أكبر عدد من الجمهور وأن تبقى بيد الزبون لكي يعرف ماذا سيشتري بالتحديد. لكن مع ذلك يجب لفت النظر والإلتفات إلى الثروة الإلكترونية الموجودة على صفحات الإنترنت، فبدل أن تقتني كتابا بثلاثين شاقلا يمكنك أن تقرأه من ملف "PDF"، والمواقع الإخبارية والمحطّات التلفزيونية يمكنها أن تحتلنك بكل جديد على مدار الساعة، والمدوّنات بدل المقالات المطبوعة وشبكات التواصل الإجتماعي يمكنها أن تحلّ مكان بطاقات التهاني. 

ثلاث كتب في مقال واحد: رواية شرفة رجل الثلج، رأيت رام الله، الهروب إلى الخطر


رواية شرفة رجل الثلج/ إبراهيم نصر الله

إنها رواية الإنسان العربي المقهور الذي يرى الويلات من حكومته، فبدل أن تكون الحكومة عونا للمواطن العادي، تكون عليه وبالا، ويبقى حاجز الخوف يحول بينه وبين المطالبة بحقه. إنها السياسة المخابراتية التي ترصد كل حركة يخطوها المواطن، فتفتح له الملفات الضخمة مذ قبل الولادة، إلى أن يصير الخوف من الحكومة كابوس يخطف الأمان والإطمئنان، ويخطف حب الأولاد، فما الذي يدعو الإنسان إلى قهر أبنائه كما قُهر هو؟! والخوف يرافقه كسر للطموح، وكبت للرغبات، فيبقى الإنسان في مكانه المجتمعي دون تقدّم، ولو تقدّم شيئا لأرسلت الحكومة له غرابا يفقأ عينيه لئلا ينعم أكثر من اللازم. 

إنها الرواية التي تعيد رواية نفسها ولكن بأسلوب آخر أكثر توسّعا وربما يُضفي هذا بعض الغموض على الرواية إذ أن نهايتها أسطر فارغة في فصل "ما ظلّ خفيا"، وربما يُضفي عليها بعض الملل. ويلخّص بطل الرواية بهجت حبيب معاناته في كلمات قليلة عندما يقول: "هذه أوطان أشبه بالفنادق، لن يسمحوا لك أن تحبها، الشيء الوحيد المسموح به هنا أن تكون قوي وتدّعي، مثلهم، حبها لتلتهمها أكثر فأكثر. هذه أوطان لثلاثه: ابن غني، وابن قبيلة، وابن نظام."

وقفة مع نصفية "رأيت رام الله"

كتاب رأيت رام الله يطرح قضايا مهمة جدا على الصعيد السياسي، والجميل في الأمر أن الكاتب يعرض لنا المعاناة والألم والشوق إلى الوطن من وجهة نظر من عاش هذا الواقع الصعب، فنراه يصف لنا عبور الجسر ونراه يصف المستوطنات كأنها جراثيم داخل الجسم الحي. لكني وددت لو كان أسلوب الكتاب أكثر تشويقا، وهذا كان يمكن أن يحدث لو طوّر الكاتب الحبكة القصصية أو جعل فيها خيطا دراميا يمر من خلال الصور التي يعرضها.

الهروب إلى الخطر/ أجاثا كريستي

لا أدري لماذا أطلقوا عليها اسم رواية في حين أنها في الحقيقة مجموعة قصص بوليسية. إنها قصص من عالم الإجرام، وهي نتاج للحضارة المادية التي تمتهن حياة الإنسان وتستبيحها فتقتل لأجل متاع في الدنيا قليل. القتل صار أهون شيء، والسيناريو صار أكثر تعقيدا بفعل تراكم الخبرة في الإجرام، ولذا فإن التحقيق يطول في كل قضية وأخرى، ولكن لا بدّ للمجرم أن يقع ولو بعد حين، ولذا فإجرام المجرم هو هروب إلى الخطر في حين يظن هو أنه يهرب منه. الترجمة إلى العربية في النسخة التي قرأتها لم تكن متقنة وهناك أخطاء لغوية ومطبعية تعيق على القراءة السلسة. 

2.9.12

المُقتصَد في الإقتصاد - الجزء الثاني


في المهرجانات 

لن أتكلّم عن الأعراس ولا عن الولائم ولا العزائم ولا المآتم لأن اللسان حفي من كثرة الكلام عنها، والغريب أن كثيرين يعرفون الإسراف ومن ثم يقترفونه لحجج واهية تقنعهم بها أنفسهم: "هي ليلة وحدة، هو كل يوم احنا فرحانين"، "بسيطة هو الولد الأول"، "كل الناس بتعمل طنّة ورنّة، ايش معنا احنا بالذات منعملش"! والواضح هو التبرير والتقليد لكن ليس هذا هو محور حديثنا فهو بالنهاية يبقى جهدا فرديا وهو لا يُمثّل إلا عائلة العروسين، أما عندما يُنظّم حزب ما مهرجانا فإنّ عمله لا يُمثّل فردا وإنما جماعة ينتمون إلى ذاك الحزب، ولذا ينبغي أن تكون الصورة حسنة وأن نبدأ بنقد العمل الجماعي الذي يتمثّل بالعمل الحزبي قبل العمل الفردي.

المهرجانات التي تُقام سنويا هي عمل رائع لأنها تجمع الكثير من الناس على أرض واحدة وتساهم في شحذ الهمم وحشد الجموع حول العمل الجماعي، لكننا نؤمن أنه قبل أي تنفيذ ينبغي أن تبزغ منظومة الأفكار، وهي التي يجب أن تقودنا في مسيرة العمل دونما إنحراف عن جوهرها، فإن كان المهرجان من أجل تجديد العهد مع نبينا الأكرم محمد صلى الله عليه وسلم، فإن الناتج يجب أن يعكس خُلُقا وإحسانا نبويّا، وأبعد ما يكون عن هذا الخُلُق هو الإسراف! وحري بنا ونحن نعيش في هذه الأيام التي تشرذمت بها أمتنا الإسلامية وقلّت حيلتها وهانت على الناس، أن لا ننسى من يعانون في سوريا وفي بورما وفي البلاد الأفريقية، وأن نقتصد في صرفنا، لأن من أمتنا من لا يملك ما يسدّ رمقه وعيشته بعيدة عن الكرامة.

هل نترك الفن إذا؟

لا، ليس هذا هو القصد، فالفن هو أداة مهمة في التأثير على الشعوب وتوعيتها وإحياء جذورها ودفعها نحو هدفها. والمنصة الجميلة الفخمة تجذب الأنظار، والمؤثّرات الضوئية والسمعية تستحوذ على الحسّ فتفجّر العاطفة، فتنشرح الصدور وتمر الأفكار إليها بيسر وبقبول. يقول ربنا جلّ وعلا: "يَا بَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ * قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ" (ألأعراف:31، 32).

لكن، فرق كبير بين منصة متنقّلة مع خلفية ضخمة وعليها لوحة رسام مُعبّرة وأضواء ومكبّرات صوت، وبين منصّة استغرق بناؤها أكثر من شهر كامل وجهود بشرية كبيرة وعمال كُثُر وفي كل سنة يتمّ فكّها فور إنهاء المهرجان. كل ذلك من أجل أن تحتوي المنصة على ثلاث خلفيات، فيُضطرون إلى بنائها بمساعدة الدعائم الحديدية الكثيرة واستعمال الكثير من الخشب وأدوات البناء الأخرى ويمكن أن يكون ذلك على أرض عشبية لملعب بلدي، فيذهب العشب إلى الجحيم. والسؤال الذي يعوم فورا: لم كل هذا التكلّف في حين كان يمكن أن يكون الأمر أسهل بكثير؟ هل حقا فرحة ثلاث ساعات تستحقّ هذه الجهود الجبّارة؟ وهل هذا العمل هو في رأس سلم أولوياتنا وكل ما عداه فهو في أحسن حال؟

إن من يقيمون المهرجانات الماجنة ليل نهار يتورّعون من المبالغة في الإنفاق المادي على منصّة، فما بالنا صرنا أكثر إسرافا منهم؟ أم لأن ذلك في سبيل الله وبإسم الدين فيجوز لنا المبالغة في الإنفاق؟ وهل كان الإنفاق الذي أُمرنا أن لا نسرف فيه وألا نقتر لغير الله؟ لا بل كله عمل لأجل هذا الدين في أصله، ولكن عليه أن يحافظ على روح الإسلام الوسطي المعتدل. ثم إن فقه الأولويات يحجمنا عن هذه المبالغة، لأن الأمراض والمشاكل كثيرة ومتنوّعة في هذا العصر، فكم من طالب علم لا يجد من يُعيله، وكم من عائلة تفتقر إلى حاجاتها الأساسية، وكم من قرية تفتقر إلى أبسط المرافق الحيوية مثل الحدائق العامة والملاعب التي تبعد الأطفال عن خطر الشوارع، وكم من قرية تعاني من مشاكل في الصرف الصحي ومن مشاكل وصول مياه صحية، وكم من شاب لا يملك مالا ليتزوّج، وكم من يتيم مُعدم، وكم من مشاكل تجثم على قلوب الناس!

سيقولون لك: نحن نعطي كل أمر حقّه، ولكن جوابهم هذا يُنقض ببساطة: فهل فعلا يُلبّون حاجات الناس الأساسية؟ لو كان الأمر كذلك لما رأينا ما نرى كل يوم من حالات تقشعّر لها الأبدان، ومن يزعم أنه لم يرَ فالحل أن يفتح شباك غرفته وينظر إلى الخارج، لينظر إلى شوارعنا البائسة ولينظر إلى مدارسنا المحطّمة وليسمع شكاوى الناس ومتطلباتهم.

وربما سيقولون: كل مصروفات المهرجان كانت من تبرّعات أهل الخير! إنها شهادتكم على أنفسكم وهي ليست لصالحكم! إن أموال الناس ليست لعبة ولا يمكن لأموال الصدقة أن تُستثمر في غير حاجة الناس وفي غير ما أمر الله به ورسوله، إنما ينبغي أخذها من الأغنياء إلى الفقراء وإلى أعمال خيرية يدوم نفعها على الناس، وليس لبناء منصّة لا تستقيم ثلاث ساعات! لربما يكون عملهم ضربا من ضروب التقليد أو المباهاة وكلاهما ليس ينفع لأن المطلوب هو الأصالة في الفكر والتنفيذ وأيضا الإعتزاز والإعتداد.

خلاصة القصد أن نفكّر بغائية قبل التنفيذ، ولا يجب أن نكون عفويين أو إعتباطييين في إقامة مهرجان، إنما أن نفكّر في كل أمر سنضيفه: هل فائدته تعدل ثمنه؟ أم أن فائدته لا تكاد تُذكر وثمنه باهض؟ وهل هناك إمكانية لتقليل المصاريف مع الحفاظ على نفس الميّزات؟ أكاد أجزم لك أن الجواب على السؤال الأخير هو إيجابي ولكن علينا ألا نرتدع من التساؤل والبحث فهذا من ضمن الأخذ بالأسباب.



1.9.12

المُقتصَد في الإقتصاد - الجزء الأول



بلاء عمّ هذه الأمة من أقصاها إلى أقصاها، وداء يُسمّى بالإسراف يجثم على صدورنا، فالأكل في الأعراس يفيض وحاويات القمامة تستوعب ما بقي من لحم ورز وخبز، المشتريات لا تعرف الحدود ولا تشبع الغرائز فكل شروة تُحفّز شروة أخرى، الخزائن لا تسع الثياب الموجودة ولكنّ الفتاة تطلب ثوبا آخر تماشيا مع الموضة، الشاب لا يرحم أباه من ولعه بالسيارة وقيادتها لسبب أو لعدمه، والكل يشكو ضيق العيش، وغيرنا لا يجد لقمة الأكل ولا يجد مسكنا ينام به في حين عمّرنا نحن الفيلات وما لسنا له بساكنين!

لكنّ الأنكى من ذلك أن نرى صرفا غير حكيم لأموال المسلمين على أيدي بعض الأحزاب والحركات الإسلامية التي تقيم حملات تبرّع وتُجنّد الأموال ولكنها لا تُحسن التصرّف بها للأسف. هذا هو محور الحديث في هذا المقال، ولكن قبل الخوض فيه يجدر بنا أن نأخذ لمحة سريعة عن المصطلحات المختلفة في باب الإقتصاد.

فمن اقتصد فِي نَفَقَتِهِ يعني أنه "صَرَفَ بِحِسَابٍ وَدِقَّةٍ ، وَفَّرَ ، اِدَّخَرَ"[1] ، والفرق بين الإسراف والتبذير، أنَّ الإسراف: تجاوز في الحلال، وأنَّ التبذير: إنفاق في الحرام، ولو أن رجلاً عنده مال قارون وأنفق درهمًا واحدًا في معصية، كان ذلك تبذيرًا، وهو محرَّم ومنهيٌّ عنه[2]، والترف زيادة عن السرف وهو المبالغة في التنعُّم والرَّفاهية، واستخدام الأدوات التي تفوق الوصف[3]. أما الإفراط في المأكل والمشرب والملبس والمسكن فهو من الإسراف، لأن هذه الأمور في أصلها حلال ولكنها عند المبالغة تدخل دائرة المنع لأن الله لا يحب المسرفين، وربنا جلّ وعلا يقول عند وصف عباده المخلصين: "وَالَّذِينَ إِذَا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَامًا" (الفرقان، 67(، أي حتى في الإنفاق ينبغي للمؤمن أن يتوسّط ويعتدل.



[1] المعنى اللغوي مأخوذ من معجم الغني.
[2] من مقال للشيخ الدكتور يوسف القرضاوي بعنوان: "من أمراض الأمة: الإسراف"
[3] من مقال آخر للشيخ الدكتور يوسف القرضاوي بعنوان: "من أمراض الأمة: الإسراف-2"

30.8.12

فرقة ناجي عطا الله: هل يستحقّ المشاهدة؟


أحسست وأنا أشاهد هذا العمل الدرامي أنني أمام فيلم مُطوّل، فالحبكة لا تكاد تنحدر من ذروة حتى تعتلي ذروة أخرى، أما من الناحية الفنية فهو عمل متقن، مما يترك في المشاهد آثارا إنفعالية قويّة وتعاطفا مع بعض الشخصيات. لكنّ فكرة المسلسل تقوم على سؤال أخلاقي كبير وهو: هل الحل يكون بأن نسرق من سرق؟ وأن نعتدي على من اعتدى علينا؟ أو بالأحرى أن نثأر لأخوتنا؟ إن المسلسل من أوله إلى قُبيل النهاية يتعامل مع هذا السؤال وكأنّ جوابه مفروغ منه وواضح للعيان، خصوصا وأن الشيخ حسن مندوب الرأي الديني يساند هذا الرأي، إلا أنه في النهاية عندما تثور ثائرة كاميليا وتطرح السؤال المُخيف: هل فعلتك يا ناجي بعيدة عن السرقة؟ هل كل من سرق مني فسأسرقه لأن العين بالعين والسنّ بالسنّ؟ إذا ستعمّ الفوضى ولن يكون هناك إستقرار وأمن وستستمر سلسلة السرقة التي هي أشبه بقانون الغاب، ويمكن أن نطبّق نفس المبدأ على القتل فنبرّر الأخذ بالثأر ومسلسل كامل من الدماء!

ومن ثم نسأل: هل استرداد الحق هو مسؤولية الحكومات أم مسؤولية الأفراد؟ وكيف لأفراد أن يواجهوا حكومات؟ إن المعركة المتصوّرة تبدو خاسرة من أوّلها ولكنّ الخيال الفنّي يجعلها غير ذلك! نحن لا ننكر أن للأفراد تأثير، فكم من قلم غيّر سياسات وكم من فعل فردي أحدث ثورات، ولكن أن يواجه أفراد حكومة أخرى وينتصرون عليها فإن العقل لا يطيق هذا التصوّر! ومن ثم فهل الحل يكون بالعنف والهجوم المُباغت وبالسرقة أم يكون بالتفاوض والسياسة الحكيمة أم بغير ذلك؟

لقد شاهدت المسلسل من حلقته الأولى إلى الأخيرة والصحيح أنه ممتع وفيه حسّ فكاهي ملموس، إلا أن النهاية لم تكن مُتوقّعة ولم تكن منسجمة مع روح المسلسل! إذ كيف لقائد حكيم مثل ناجي عطا الله أن يتّخذ قرارا سريعا بتغيير هدف العملية التي قام بها، فيُقرّر في آخر عشر دقائق من المسلسل أن يتبرّع بملايين الدولارات لشعب الصومال، وبذلك تحطيم آمال الشباب التي لطالما أطلعونا عليها في طيّات الحلقات. إنه بهذا الموقف يخرج من شخصيته الحكيمة التي تحسب حسابا لكل خطوة عندما نفّذ عملية من أخطر ما يكون، ليتّخذ قرارا بعيدا عن الحكمة وبذلك فهو يوقظنا ويلفت انتباهنا للنفس الديكتاتوري الذي ما زال مُسيطرا على العقل العربي ولو بشكل غير واعي، فهل ينبغي للقائد أن يفرض رأيه على الناس؟ أم يأخذ بمشورتهم ومن ثم يُقرّر بناء على رأي الأغلبية؟ وهل للقائد الحقّ في الإستئناف على رأي الأغلبية؟ ونكتشف أمرا آخر من خلال هذا الموقف وهو أن الدكتاتورية لا تقشعّر لها الأبدان إلا حين اتخاذ القرارات غير الحكيمة، أما طالما فعل القائد منطقي وحكيم فإن الغالبية لا ينتبهون للنفس الدكتاتوري.

إنني لا أعلن اعتراضي على واجب تقديم المساعدة لأهل الصومال المنكوبين، وقد أعجبني عرض مأساتهم للرأي العام ولفت أنظار العرب إليهم وبذلك فهي رسالة ليستيقظ العالم فيهبّوا لتقديم العون، إلا أن أسلوب المساعدة لم يكن أسلوبا جيّدا، فلا يمكن لأحد أن يفرض على الآخر أن يتبرّع بحصّته من الأموال دون رغبة وعن غير طيب خاطر! هذا إن سلّمنا أنها حقا حصته من الأموال! ولكنّ التبرّع لأهل الصومال لا يُضفي مشروعية على العمل كما شعرت كاميليا! ويعود نفس السؤال: هل واجب الأفراد أم الحكومات أم الإثنين معا تقديم المساعدة للصوماليين؟ لماذا يُسترخض المواطن العربي وحكومته لا تفتديه في حين حكومات العالم كلها تُسارع إلى إنقاذ أبنائها من أي خطر؟ هل واجب المواطن العربي أن يقوم بواجب حكومته؟ إن الآمال التي تصوّرنا أن نراها مع تحقّق أحلام الشباب على أرض الواقع، فارقت المشاهد بطرفة عين، بل وأودت بالفريق إلى التهلكة فهم لم يجدوا ما يدفعون عندما أكلوا وجبتهم الأخيرة في مصر! إن التضحية واجبة لكن الحكمة أيضا واجبة، وكل التعب والشقاء والأخطار التي حاقت بفرقة ناجي عطا الله لم يجدوا لهم مكافأة عليها!

إلا أن تصوير الصراع العربي الإسرائيلي يبقى عملا إبداعيا، وكذلك، الفقر والمشاكل التي يعيش تحت وطأتها أبناء الشعب المصري، والأنفاق في رفح وكآبة غزة ومن ثم رغد العيش في إسرائيل، ويتبعها تصوير العراق بعد الغزو الأمريكي وما آلت إليه البلاد من فتن طائفية تحول بين المواطنين والأمن، والفقر المدقع في الصومال، إنها كلها مآسي إنسانية تحتاج إلينا.

29.8.12

قصة وصورة حقيقيتان: من سيُنقذ القطة ؟


الزمان: ثاني أيام عيد الفطر لعام 2012
المكان: منطقة وادي عيون قرب الحدود الإسرائيلية-اللبنانية

سعيد: إنه حرش نظيف كما يبدو والرياح ستساعدنا في إشعال النار بسرعة ..
مروان: يا إلهي، تعالوا إلى هنا، إنها قـ، قطة!
سعيد: هههه، هل يُشاهد مروان القطط لأول مرة، يا له من أعجوبة، هيا بنا نرى ما خطبه ..
جميلة: يا حرام، ساعدوها، إنها مسكينة!
سعيد: ماذا هناك؟
مروان: سعيد افعل شيئا، هل ستبقى واقفا كالشجرة التي بجانبك؟
جميلة: حسبنا الله ونعم الوكيل، أصبحنا وأصبح الملك لله، استفتحنا بمنظر هذه القطة ..
سعيد: إنها تختنق، يا ويلتاه، لا أريدها أن تتعذّب أمامي، فضلا عن أن تموت!
مروان: سأمسكها من العلبة بكل ثمن ..
سعيد: نعم افعل!

مروان: لا، لا أستطيع، إنها عنيدة، تظنني أريد إيذائها، يا لها من غبية!
جميلة: إنها تتقافز كالمجنونة، لا بدّ أنها تنازع!
سعيد: أترون يا أولادي هكذا يموت الإنسان أيضا ..
أنغام: هل أحضرتم اللحم؟ ماذا تفعلون؟ قطة عالقة، دعكم منها وشأنها!
سعيد: فعلا يا مروان دعك منها وشأنها، لن تستطيع مساعدتها، هذا هو قدرها ..
مروان: لكنها روح ..
سعيد: ماذا بوسعك أن تفعل؟
مروان: بوسعي أن أفعل الكثير، إن تركتموني لوحدي، يمكنني أن أبلّغ عن حالتها لجهات تُعنى بشؤون الحيوان إن استلزم الأمر ..
سعيد: ربما تريد دخول الجنة من مساعدتك لها، حاول يا أخي، ولا تتأخّر علينا ..

مروان لم ييأس سريعا وأخذ يفكّر بطريقة يخرجها بها من مأزقها وتسائل: كيف علق رأسها بمثل هذه العلبة؟ إنها حقا قطة غبية! هناك بيوت قريبة، هل يا ترى بحوزة أحدهم أداة تساعدنا؟! وهناك أيضا خمسة عشر يهوديا في الجهة المقابلة قدموا الحرش سائحين كما يبدو. وجدتها! إنهم يهود!

وبما أن حيوانهم المفضّل هو كلب، فمن المنطقي أن يعرفوا كيف يمكن مساعدة هذه القطة التي لا تعضّ، وهرع مروان إلى اليهودي الذي فارق قطيعه وسأله المساعدة فلم يستجب بادئ الأمر، إلا أنه قرّر الذهاب بنفسه ليستطلع الأمر وعندما وصل حنّ قلبه لها ودفع بابنه لينتشل العلبة من رأسها.

مروان: نعم أيها الولد استمرّ، نعم هكذا، نعم، نعم، لقد فعلها! (قالها بالعبرية)
سعيد: أحييك يا ابني فقد نالك شرف إنقاذها من موت مُحتّم في عجز الكبار، هنيئا لك على فعلتك! (بالعبرية)
جميلة: الحمد لله يا رب، مكتوب لها عمر جديد ..
أنغام: تأخّرنا على اللحمة لعيون قطة تعبانة!

28.8.12

65 دقيقة!


إنها البشارة التي تأتي من إشارة، وهي الحكاية التي تأخذك إلى النهاية، رغم أنك ما زلت في البداية! إنها العلم بعد الجهل!

أنطلق في مسار بين أكناف الطبيعة متحمّسا ومنسجما مع أول سحور الأشجار والوديان، وإذ بي أتذكّر أني لا أدري! فمن يُعلمني؟! فلست أدري كم هو طول المسار الذي سأمشيه! هل سأمشي ساعة أم ساعتين أم سأبيت ليلتي هنا؟ يا إلهي ما أبغض الجهل! وبينا أنا كذلك إذ طالعتني لافتة شامخة لتخرجني من حيرتي ومن جهلي ومن الظلام إلى النور! هل سقطت من السماء في هذه اللحظة لتطمئن فؤادي أم إنها سئمت ركودها في نفس المكان؟

إنها 65 دقيقة باقية والسهم يؤكّد مسيرتي الفطرية، فهل يُعقل أن يكون لمثل هذه اللافتة الحقيرة مثل هذا الأثر في نفسي؟ من وضعها في مكانها؟ كيف حسبوا الدقائق إلى نهاية المسار؟ هل هي بسرعة شاب أم بزحف شيخ عجوز؟ أوف، ما بالي أحيد عن صلب الموضوع!

من الجدير ذكره أني رأيت لمثل هذه اللافتة شقيقات كثيرات على طول الطريق، وإنها بمثابة علامات يهتدي بها السائر في طريقه، ولا بأس أن يُضيف الإنسان علامات يهدي بها الناس إلى سواء الصراط، وليس القصد مضاهاة علامات النجوم وإنما الإحسان هو المراد. الأسهم هي إشارات بدائية لا تسقطنا أرضا من وَقْعها على أهميتها، ولكنّ وجود 65 دقيقة على اللافتة هي شيء آخر، فلولا أهمية الوقت عند هؤلاء القوم لما اهتمّوا بموضوع الدقائق المتبقيّة لنهاية المسار، ولو لم يفهموا معنى كل دقيقة في حياة الإنسان لما أضاعوا وقتهم في حساب الدقائق المتبقية.

ومن ثم فلماذا وضعوا الدقائق ولم يضعوا المترات المتبقية؟ إن القصد من ذلك التيسير والتبسيط ومراعاة النفس الإنسانية، فالنفس تحبّ العلم وتكره الجهل وتحب السيطرة على الأمور وتكره أن تكون ضائعة، فلو أنهم كتبوا بقي 500 متر لما استفدنا شيئا ولاحتجنا إلى أن نعرف سرعتنا وورقة وقلم لحساب الزمن المتبقي. علينا أن نتذكّر أخيرا أن الزمن يرافقنا في كل وقت وزمن، ولذا فمن الطبيعي أن يكون معنا في رحلاتنا كما في جلساتنا.   

26.8.12

خاطرة: مياه في الطريق!


كثيرا ما تشدهنا المناظر العملاقة الخلّابة، ولكن في أحيان كثيرة وَقْع ما دقّ وحَسُن لا يقلّ أثره على النفس من لوحات فنية ضخمة! فكما أن دقّة صنع الخالق في الجسيمات دون الذرية تبهرنا، وكما أن مبنى الشيفرة الوراثية في الخلية تلفتنا، فكذلك دقة النظم على مستوى الكواكب والأجرام تأسرنا.

أثناء تجوالي في الجولان قرب نهر البانياس، شدّت انتباهي ثمرة إحسان مع الطبيعة يغفل عنها كثيرون إلا أنها تعكس ثقافة تأبى مجاوزة صغائر الأمور. إنه واد صغير يوازي عرض الطريق، عرضه لا يتعدى الثلاثين سنتيمترا، تفيض فيه مياه قليلة من جانب الطريق الأول إلى الآخر، لكي لا تُترك سائبة فتُغرق الطريق بأسره وتخرّ أقدام المارّة بالوحل.

إنه عمل بسيط ولكنّه يقول لنا أن من يهتمّ بتلك المحمية الطبيعية يلتفت إلى صغائر الأمور ويُصلحها، لذا فمن المؤكّد أنه عالج المشاكل الكبرى قبل ذلك وبالتالي نستنتج أنه مسؤول أتقن عمله بشكل كامل، إنه يقول لنا أيضا أنهم يحبون البيئة والطبيعة ويحسنون إليها كي تُحسن إليهم بالمقابل، فلولا هذا الواد لتبعثرت المياه ولما تم تجميعها في مكان واحد وبالتالي لما استفدنا منها، بل ولأضرّتنا، إنه يقول لنا أن المياه يمكن أن تكون نعمة بحسن إستعمالنا لها ويمكن أن تكون نقمة كذلك، فهي مُسخّرة للإنسان ويمكنه أن يتلاعب بمجراها كيفما شاء فينتج لنا لوحة مائية تستقطب السياح من كل بقاع الدنيا، إنه يقول لنا أيضا أن إيذاء الطبيعة غير وارد بالحسبان وإنما هي عملية مساعدة وتقويم يقدّمها الإنسان لبيئته، إنه يقول لنا أن الجهد بسيط ولكنّ الناتج مستمر وكثير!