10.10.12

الأحلام/ د. مصطفى محمود

كتاب مشوّق في أسلوبه، فبدءً من مُقدّمته المكثّفة والتي تجعلك تنظر إلى العالـمَين بالصورة الإبداعية التي أرادها الكاتب، فهي تنتهي إلى: "لقد فطرها (أي النفس) على البحث عن الحق والإيمان به وقال لنا في جميع كتبه إنه الحق، ولهذا كانت كل خطوة في سبيل معرفة الحق هي عبادة وهي دين وهي علم، وهي الفكر كما أراد له الله أن يكون".
وكما هي مؤلّفات مصطفى محمود الأخرى، الكتاب لا ينحصر فقط في أحلام النوم وإنما يتحدّث أيضا عن حقيقة الحب وعن محنة القلق وعن الوهم والفصل الأخير هو فصل لطيف، مسلٍ ورائع بعنوان أقوال غير مأثورة. خلاصة قول الكاتب فيما يتعلق بالأحلام هي:
أما فيما يتعلّق بالحب فهو يجمل قوله بالتالي:
 

وأما فيما يتعلق بالقلق فهو يخلص إلى:
وأما بالنسبة لفصل الوهم فإليكم هذه الاقتباسات المّلخِّصة:

خواطر شاب/ احمد الشقيري

الكتاب مقسّم إلى أربعة أجزاء وهي: خواطر للقلب والروح، خواطر لتطوير الذات، خواطر للعقل والفكر، خواطر عن أحداث. كتاب مُبسّط، يحوي مواضيع عديدة، معروضة بصورة عصرية على شكل خواطر قصيرة. الجزء الأول يحوي خواطر قلبية وروحية مثل: حديث عن القلب وأهميته، لقاء الأموات بالأحياء واقتباس من كتاب الروح لابن القيم، أهمية الإخلاص وأقوال للأم تريسا، كيف يملك كلنا أربع زوجات؟ ومن هي الزوجة الأهم والتي ننشغل عنها؟، وغيرها من المواضيع من مثل: النية، حب الله، الشكر يكون بالعمل...  
  
الجزء الثاني من الكتاب يحوي مواضيع مثل: السعادة الحقيقية، كيفية التحكّم بالغضب، كيفية الخشوع في الصلاة، كيفية تطوير العقول، التبرّع بالدم، التخلّص من العادات السيئة... الجزء الثالث يضمّ مواضيع فكرية مثل: الاختلاف، التواضع، الغرور، إنسانية المرأة، سنن الله في التغيير، الحرية والتبرّج، القراءة، التقاليد مقابل الدين، البيوت مقابل الحكومات... الجزء الثالث هو الأقصر ويشمل ثلاثة مواضيع: الإسلام دين الرحمة، كيف يكون زلزال آسيا رحمة؟، رد الفعل على رسومات الكاريكاتير المسيئة للرسول عليه الصلاة والسلام لا يكون بالمقاطعة وإعلان الحرب وإنما بالدعاء لأهل الدنمارك بالهداية وعرض الدين بالصورة الصحيحة.

6.10.12

مشكلة الأفكار في العالم الإسلامي/ مالك بن نبي

كتاب فكري من الدرجة الأولى، ثري ومثري ولكنه صعب في لغته وأفكاره، مما يتطلب من القارئ انكبابا تاما عليه أثناء قراءته، ولربما يحتاج إلى أكثر من قراءة حتى تبقى أفكاره حيّة داخلنا. لكنّ الجيّد في النسخة التي قرأتها أنها تحتوي على مختصر لكل فصل وإليكم مجموع هذه المختصرات:
 
 
 
 




 
 




بسيخولوجي! - الجزء الثاني

المرحلة التي تليها تشمل دمج مصطلح الـ"بسيخولوج" في حياتنا، حتى يصير الحديث عن الذهاب إليه أو التوجّه له حدثا طبيعيا، فيصبح الفرد يقول: "سأستشير بسيخولوجي في الأمر". إن ما نرنو إليه يبدو حُلُما بعض الشيء في مجتمع كمجتمعنا العربي، ولكن يمكن النظر إلى القضية بشكل مختلف، إذ أنّ الطبيب العام أو طبيب العائلة دارج في كلامنا وهو يُعالج الأمراض الجسدية، ولذا فمن المنطقي أن يكون الطبيب النفسي بالمثل لأنّ الفرق هو أن الثاني يُعالج الأمراض النفسية، ووفقا لهذا المنطق فإن المسألة مسألة وقت لا أكثر! لكن يبقى هناك قول شائع بين الناس أننا لا نحتاج أصلا إلى "بسيخولوج"، وعند بعض المتديّنين يظهر القول: أن القرآن هو علاجنا من كل مرض نفسي!
 
إن الرفض لـ "البسيخولوج" يشبه الرفض لأي عنصر من عناصر الحداثة ومثال ذلك هو رفض "الإنترنت" أو "التلفاز" عند بعض المتشدّدين. كما أننا نُجيب على من يدّعون أن القرآن هو علاج كل مرض نفسي بما يلي: إن الـ "بسيخولوج" هو حلقة الوصل وهو الوسيلة، مثله كمثل الطبيب العام فهو الوسيلة أيضا، وليس هو "الشافي"، فالله هو الشافي وكلامه تعالى في القرآن هو الشافي نعم، ولكنّنا نحتاج إلى من يُترجم كلام الله إلى طُرق علاج وإلى واقع عملي، ونضرب مثالا الصدمة الكبيرة التي حدثت عند اكتشاف الميكروسكوب عام 1595، إذ مكّنت العلماء لأول مرة من رؤية الجراثيم، التي ثبت بعد ذلك أنها المسئولة عن كثير من الأمراض. كيف ذلك؟! أليس الله (أو الشيطان) هو الذي يُنزل الطاعون والأوبئة بالبشر؟ إنها نفس الكرّة تعود لتظهر هنا، فكل مرة حين لا يجد بعض المتديّنين تفسيرا علميا يعجبهم، يرجعون ذلك إلى غيبيات لا يمكن فكّ لغزها، فهي أسهل الطرق للتنصّل من الواقع.
 
ما يُطمئن القلب أنه عندما يزيد الوعي لدى مجتمع معين فإنه من الصعب إرجاعه إلى الوراء في وعيه، فمن أدرك أنه مظلوم حقّ الإدراك فإنه سيستعصي على ظالمه القعود بهدوء لأن مظلومة فهم الوضع الذي يعيش فيه. إنّ إخفاء المشكلة النفسية الصغيرة يمكن أن تصل بصاحبها إلى درجات لا تُحتمل وعندها سينفجر البركان وربما يحدث ما لا يُحتمل عُقباه مثل حوادث الإنتحار والعنف، كل هذا بسبب التستّر والإنغلاق خشية العار!!! زد على ذلك أن مشكلة المجتمع العربي مزدوجة: فمن جهة واحدة الأفراد "فضوليون" ويحبّون أن يعرفوا ما جرى مع معارفهم وأن يتتبعوهم، ومن جهة أخرى هناك تكلّف إجتماعي يسعى لإخفاء أي زيارة لعيادة نفسية مهما يكن السبب.

4.10.12

بسيخولوجي! - الجزء الأول

شاب قروي: مرحبا، هل لي أن أسئلكِ كيف تم قُبولكِ للقب الثاني في علم النفس؟ ما هي الأشياء التي من المفضّل تواجدها في المرشّح للقبول؟
 
شابة من إحدى المدن المختلطة: أنا شخصيا تم إعلامي بالقبول في فترة متأخّرة، قبل بداية السنة الدراسية بفترة قصيرة، ولكني أنصحك بالتزوّد بتوصيات من أماكن عملت بها أو تطوّعت وكذلك توصية من محاضر أو محاضرة في الجامعة، فهي من أهم الطلبات. كذلك، إن أمكنك مرور سلسلة من اللقاءات العلاجية عند "بسيخولوج"، فهذا سيزيد من إحتمال القبول!
 
الشاب: نعم سمعت بهذا القول ولكن ألا يبدو لكِ الأمر سخيفا؟ بصراحة أنا لا أرى نفسي محتاجا لـ "بسيخولوج"!
 
الشابة: غريب قولك، فكلنا نملك إيجابيات وسلبيات، ولذا كل إنسان يستطيع أن يُطوّر نفسه، فالـ "بسيخولوج" ليس قصرا لمن يعاني من مرض نفسي وإنما يمكن تسميته "مُرشد للحيران".

إن هذه المحادثة القصيرة تعكس صورة فيها اختلاف بين أبناء المجتمع العربي، ذلك أن هذا المجتمع يُحاول التحرّر من المحافظة والإنغلاق إلى الحداثة والإنفتاح على العالم، ولكننا نرى تفاوتا في هذا التحوّل بين سكّان القرى، المدن العربية والمدن المُختلطة وتفاوتا آخر عند أبناء نفس البلد الواحد تبعا لمدى الثقافة الفردية والإطلاع. ولربما يرجع سبب سبق أبناء المدن المُختلطة لكونهم يعيشون في عالم قريب من الحداثة والذي يحوي التعددية الطائفية والدينية، ولهذا كان من السهل عليهم تقبّل الآخر والتأثّر به. إن هذا التحرّك في المجتمع العربي هو فعلا ملحوظ ولكنّه يحتاج إلى تحفيز دائم وتوجيه إلى الإتجاه السليم، فقبل سنين لم نكن نسمع أصلا بمصطلح "بسيخولوج"، عدد طلاب علم النفس كانوا أقل بكثير والخوف من الموضوع كان كبيرا، بإختصار لم يكن هناك وعي لأهمية هذا الموضوع في حياة كل واحد منا. 
 
إن المرحلة الثانية تتمثّل بتحرير العقول من ربط العيادات النفسية وربط الـ "بسيخولوج" بعالم الجنون، إذ أن الطبيب النفسي أو عالم النفس لا يتعاملون فقط مع "مجانين"، وإنما يصل العيادات أناس يعانون من خوف مُبالغ به من المرتفعات، أو أناس يُعانون من الخوف من الإمتحانات، أو أناس يُعانون من مرض الشك (Ocd)، أو أناس يُعانون من إكتئاب، أو أُناس يريدون إختيار زوجة وهم متحيّرون أو أُناس يريدون إختيار موضوع تعليم أو عمل مناسب، أو أب يريد أن يستشير "بسيخولوجه" بشأن أمر ما في تربية الطفل! لذا فإن هذه المرحلة تتطلّب تعديل الوعي العام بأن ليس كل من يذهب إلى عيادة نفسية فهو "معتوه" أو "مجنون" أو "انتهى أمره وذهب عقله"! فكما أن هناك كثير من الأمراض الجسدية التي تختلف بخطورتها وطرق علاجها، فكذلك هناك أنواعا وأصنافا كثيرة من الأمراض النفسية التي تختلف بدرجة تأثيرها على مسار الحياة العادي.

1.10.12

رواية شرفة العار

إنها الرواية التي فيها يُشرف الكاتب على العار المُصطنع والمُبتدع بحكم عادات وتقاليد جاهلية توارثها المجتمع العربي جيلا عن جيل، حتى صمدت إلى يومنا هذا رغم انفتاح الناس على عصر العلم والمعرفة. في بداية الرواية ترتسم أمامنا صورة محافظة البيئة العربية التقليدية، فنرى منار تلك الشابة العفيفة والتي هي مركز الرواية، تلك الطالبة الجامعية التي هي حلم أبيها والتي لم يجرأ يوما على تركها وحيدة بين الذئاب، فقد كان حريصا على إيصالها إلى مدخل الجامعة يوميا، ولكنّ كبار العائلة دائما ما كانوا يثبّطون من عزيمة أبيها ويوحون إليه أن الجامعة تُفسد الشباب كما الشابات. إلا أن أبا أمين يُصر على تحقيق حلمه في ابنته ورغم قلة حيلته وقعوده من المرض، إلا أنه يخترع الحلول ويوكّل يونس في البداية ليقلّ منار إلى جامعتها، ومن ثم يتولّى الأمر أمين. خلال فترة الدراسة تتعرّف منار على *** وتبدأ بالإقتراب منه ولكنها مع ذلك تبقى تلك البنت الشريفة المُخلصة لأنّ التربية التي نشأت عليها ما انفكّت تؤتي أكُلُها، ولكنّ الفساد الإنساني يلتصق بالفرد من حيث لا يدري، وعندها لا يملك قوة ولا حيلة لمواجهة الشر لما صار في وسطه دون قصد منه ولا رغبة.
 
 
تبدأ فكرة يونس السوداء تجول في رأسه إلى أن تحين له فرصة، فيختطف العبدة الفقيرة منار إلى مكان لم تطئه قدمها يوما، ويهمّ هناك ليفعل فعلته النكراء، متّخذا من جسد منار ملكا شخصيا له لإشباع غريزته الجنسية فيتنكّر لروحها ونفسها ويُحطّم قداسة عفتها ويفض بكارتها ويخلّ نفسيتها لتخرج عن توازنها المعهود! يُغلّق عليها الأبواب فتُذعر هي وتُقاوم، ويهمّ بها ولكنها لا تهمّ هي وتتملّص، ويُضيف إلى قوته الجسدية قوة السلاح فيُخرج سكينا ويقرّبها من رقبتها لئلا تجرأ على المقاومة، يتعرّى بالكامل ويُعرّيها رغم أنفها، وينال منها بذكوريته المحمية في مجتمع ذكوري، ويكسّر نفسها قبل جسدها، وينتهك شعورها قبل طهارتها. إنها جريمة لا يُمكن للقارئ تجاوزها بسهولة وهو يسمع تفاصيلها بدقة، مما يحشد تعاطفه الكبير مع الضعيفة منار، المحكومة لمجرد أنها أنثى. ترجع منار إلى بيتها فتنقلب حياتها رأسا على عقب وتبقى أسيرة نفسها ومأساتها لمدة أيام، ويزداد جرحها النفسي يوما عن يوم بعكس أي جرح آخر، وتزداد مشكلتها تعقيدا بعد ظهور الجريمة على جسدها!
 
 
حبيبها الجامعي يفتقدها فلا يجدها، عملها يطلبها فتذهب أخيرا ولكنها تكون منار أخرى لدرجة أن اسمها يصير مهزلة مع مصابها، أهلها يُلاحظون حالها الكئيب فيحاولون مساعدتها، إلا أن الكل يجهل جرحها، وكيف لها أن تُفصح عنه في مجتمع يُخطّئ المرأة ويُذنّبها في كل حال؟! من أين لها تلك الجرأة لتشاركهم حُزنها؟! وهل سيصدّقونها؟! هل هي نفسها تصدّق روايتها؟! حتما سيقتلونها دون تفكير، فحادثة قتل قريبتها لنفس السبب لم يمر عليها كثير من الوقت! إلا أن الكتمان يثور نفسه على الظلم ولكن ثورة التعصّب للعادات تكون أكبر، فينتشر خبر فاجعتها من امرأة أمين إلى أمها وأخيها الأصغر ومن ثم إلى أمين نفسه إلى أن تجري القصة على لسان القاصي والداني، وعندها تُرفرف راية العار السوداء عالية غير مُكتفية بجرح منار العميق، ومما يزيد الطين بلّة ويؤكّد القصة هو انتفاخ بطنها لتدخل في مرحلة الحمل! كل جهود الإجهاض تبوء بالفشل لأن الأطباء يُعجزونهم، الحصار الإجتماعي يُفرض على عائلة أبو أمين، وجريمة الإغتصاب تُنسى وتتحوّل إلى فضيحة وعار والمغتصب فارّ ولا يُعرف له مكان! يا لغدر الزمان والأيام، أهذا هو جزاء المحسن؟! أهو جزاء تستحقّه من تطلب العفة؟! لكنها دنيا لا يتم عدل فيها، ويبقى هناك ظالم ومظلوم.
 
 
ألسنة النار تستمر بإحراق قلب منار وأسنان الخناجر تُعلن تأهّبها لقتل الفضيحة قبل قتل المجرمة! مجرمة؟! أيترك المجرم الحقيقي الذي اغتصب وهدّد بالقتل دون عقاب وتنال الضحية عقابه؟! لكنّ جرم الضحية أنها رفعت الراية السوداء على مدخل بيتهم! في الحقيقة جرمها هو أنها وُلدت، وأنها أنثى، وأنها خرجت للتعلّم ومن ثم للعمل، وأنها لا تملك قوة جسدية ولا أداة تدافع بها عن نفسها، جرمها أنها وُلدت في عصر العقول المظلمة! تُنقل منار من سجنها إلى سجنها لتفادي بطش يد غدّارة تسلب حياتها الباقية، وتعيش هناك منار أقسى لحظات عمرها، فهل خُيّل لها أن تخرّ في هذا البئر العميق، وهل خُيّل لها أن ينتفخ بطنها قبل زواجها، أو أن تلد بلا أب أو أن تخرج من الجامعة إلى السجن ومن المجد إلى هذا الذل والهوان؟! أم هي حياة الأنثى لا يحقّ لها مجدا، وإن اعتلته يجب انزالها بقوة؟! وعندما يأتي الحلّ العبقري في نهاية الرواية وهو سفر منار مع أخيها القابع في دولة أخرى لتقضي بقية أيامها هناك، يعترض شرف العائلة ليُسقطوها قتيلة برصاصات أخيها أمين الذي لم يعد أخاها بفعلته القبيحة والمكمّلة لجرم يونس، وبذلك لتنتهي القضية بقتل الضحية وقتل المقتول لا لشيء إلا لكونها أنثى. أمين ذاك الذي أجرم مرتين بحقها، مرة عندما ترك يونس المنحرف جنسيا يقلّ أخته ورغم كونه على دراية بتاريخ يونس المُشبع بانتهاك الأعراض، والمرة التي فيها أرداها قتيلة ظانّا منه أنه بفعلته فإنه يغسل العائلة من العار وينتقم نقمة الرجال الأشراف. إنها جرائم الشرف التي لا شرف فيها! إنها جرائم الإنتقام التي تخدم سمعة رجال العائلة وإن كانت على حساب عذاب الأنثى! إنها الجرائم التي تُبرّر نفسها في مجتمع ذكوري مُغلق! وإن المنطق ليسأل: ما هي الفائدة من قتل المُغتصبة؟ هل سيُحصّل الرجال شرفا بالقتل؟ ثم ما هذه الأنانية التي تتنكّر للمرأة مهما كانت الظروف وحتى وإن كانت هي الضحية؟! وما هذا الإستبداد؟! إنها معالجة لمشكلة بمشكلة أكبر!
 
 
إن هذه الرواية تشدّ القارئ إلى أعماقها فلا تدعه يُفلت من حبكتها ولربما تدمع عينه عند احتدام أحداثها، إنها مكتوبة بأسلوب فنّي رائع وراق، فتلك الفقرات التي كانت تظهر في النص الروائي قبل حدوثها في عالم الرواية كانت تُشير إلى القادم وتزيد من التشويق لتتسلسل الأحداث فتصل إليها وتندمج معها في النهاية. أما رسالة منار في آخر الرواية فهي خاتمة تزيد الألم واقعية فيصير محسوسا بقلمها وخطّها المرسوم بالضنى والوجع، وهي مُلخّص ظلم مرفوض، عندما تُعامل الضحية معاملة المسؤولة عن جريمة لم ترتكبها، ولذا ولسبب انقلاب الموازين واختلال قانون "الصالح يستحقّ الجزاء الحسن والطالح يناله العذاب الأنكى" فإن الرواية تترك بالإنسان حُرقة وهمة كبيرة وعزم آخر لتغيير هذا الواقع البائس!
 

 

زوجتي أيضا تتكلّم!


صخر: هل لي أن أسأل سؤالا؟
يردّ الأستاذ خالد (المشرف على الندوة) ممازحا: مع أنك قد سئلت، ولكن تفضّل!
يضحك الحضور فيستشيط صخر غضبا ويقول: اتقوا الله عباد الله، فإن الضحك ليس من الإسلام، يقول صلى الله عليه وسلم: "وَلاَ تُكْثِرِ الضَّحِكَ ، فَإِنَّ كَثْرَةَ الضَّحِكِ تُمِيتُ الْقَلْبَ" ...
يردّ الأستاذ خالد مقاطعا: أخي الكريم لا وقت لدينا، نحن أردنا ترطيب الأجواء بعد محاضرة الدكتور عمرو. تفضّل ما هو سؤالك؟
صخر: سؤالي هو لماذا نلجأ إلى نظريات التربية الغربيّة في حين أن عندنا كل ما نريد وهما كتاب ربنا وسنة نبينا عليه الصلاة والسلام؟ صلوا على رسول الله يا إخوان!
الأستاذ خالد: اللهم صل وسلم على سيدنا محمد، د. عمرو و د. هبة ما هو ردّكما على سؤال أخينا الكريم؟
د. عمرو: سأترك المجال لزوجتي هبة لتجيب على هذا السؤال لأنه في مجال تخصّصها.
د. هبة: حسنٌ، إن هذا الإدعاء قد ...
تثور ثائرة صخر ويقول: أنا أريد جوابا من الأستاذ عمرو!
الأستاذ خالد: هو دكتور وليس أستاذا فحسب، ثم إن الدكتورة هبة على دراية عميقة في هذا المجال لأنه ببساطة مجال تخصصها. تفضّلي دكتورة وعفوا على المقاطعة!
صخر: شكرا لكم، لا أودّ سماع الإجابة!
الأستاذ خالد: لكنك سئلت سؤالا؟!
صخر: أنا قصدت توجيه سؤالي للدكتور عمرو لأنّ ديني لا يسمح لي أن أكلّم النساء!
يضجّ الجمهور فيدخل رجال الأمن إلى القاعة ويحاول الأستاذ خالد السيطرة على الوضع قائلا: دعوه يُلقي بالجواهر العتيقة التي يحملها في فمه!
صخر: معذرة من الجميع، لكنّ ديني يُملي عليّ أن أنهى عن المنكر!
الأستاذ خالد: عن أي منكر تتحدّث؟ ثم ما هو دينك أنت؟
صخر: صوت المرأة التي تقف أمامي هو عورة، ووقوفها أمام الجماهير هو منكر آخر!
الأستاذ خالد: أطلب من رجال الأمن أن يُخرجوا هذا الرجل ليستريح قليلا فيبدو أنه متوتّر كثيرا.
د. عمرو: دعه وشأنه فهذا رأيه وهو حر به، ولا عيب في النقاش!
الأستاذ خالد: ألتمس منك ومن الدكتورة المعذرة على هذا الموقف.
د. هبة: لا حاجة للإعتذار، فقد سبق أن التقينا بمثل هذه النماذج التي تحمل عقولا مُظلمة، وهي التي لم ولن تُساهم في بناء مجتمع حضاري، فإن قلت لهم أننا اخترعنا تلسكوبا لنرى هلال شهر رمضان، ردّوا عليك أن هذه بدعة ولا يجوز استعماله لهذا الغرض، وإن سئلتهم عن حال أزواجهم، يقولون لك هنّ في البيوت لا يعرفن من أين تُشرق الشمس ولا كيف يبدو البحر، وإن سئلتهم هل هناك تعاون بينكم، يقولون لك لا تعاون وإنما أمر وطاعة، تلك هي المرأة الصالحة المطيعة طاعة عمياء لزوجها. هم لا يُدركون الحقيقة ويقولون دوما: لقد حسمنا قناعاتنا ولملمنا أوراقنا فلا تزعجونا بحقائق جديدة، وهم نصيّون، يتعاملون مع النص ببرودة، ويُغفلون المعنى الجوهري العميق. تلك الشريحة أنا أعرفها جيدا ولذا فإني لست مندهشة!
د. عمرو: فعلا، إن هذا الصراع يظهر في كل وقت وحين بين المُقلّدين والمُجدّدين، ولا شكّ أن التخلّف الذي أصابنا هو نتيجة حاصلة لوجود مثل هذه النماذج، لأنهم يبحثون عن طرق ملتوية ليصلوا إلى مبتغاهم حذرا من المنكر، فيُشدّدون على حالهم وينصبون الحواجز التي ما أنزل الله بها من سلطان في طريقهم ويتنطّعون بحجة إقامة الدين على أصوله، ولئن سئلتهم من أنتم، ليقولنّ لك نحن أبناء الفئة الناجية!
صخر: قبل أن أُغادر القاعة أودّ أن أقول أني ما زلت متشبثّا برأيي وأنا على يقين أن هذا هو الحق ولكنه زمان الغرباء!
الأستاذ خالد: لكن لمَ قدمت إلى الندوة إن كنت تمقت كلام النساء في التربية ومع أننا نشرنا البرنامج قبل أسبوع كامل؟
صخر: هي ضرورة طلب العلم النافع دفعت بي إلى هنا، ولعلمكم أنه وقت محاضرة الأخت الواقفة أمامي كنت قد خرجت لكيلا أُفسد ديني! (يقولها ويخرج من القاعة)
الأستاذ خالد: نأسف على كل ما حدث، ونطلب من الحضور إلتزام الصمت لإستكمال فقرة الأسئلة.
د. هبة: لكن قبل أن نأخذ سؤالا آخر أريد أن أجيب على سؤال الأخ المنسحب. كنت قد بدأت قولي أن هناك تحفّظ دائم عند المتديّنين المتشدّدين على كل إنتاج غربي، وأقول أن من يشتري سيارة ألمانية لأنها تفيده وتُقلّه من بيته إلى عمله أو إلى المسجد، عليه أن يكون مُستعدّا لإستقبال أي نظرية من شأنها أن تُفيد البشرية. ولأنّ المسلمون في أيامنا تركوا مهمة التفكير والإنتاج إلى غيرهم ولم يُعملوا فكرهم في فهم ودراسة العلوم انطلاقا من النص المقدّس، كان حتما علينا أن ننهل من بحور الغرب ما ينفع أمتنا ونترك إختراعاتهم السلبية لهم.

29.9.12

نزهتي في شوارع العقل: تلخيص لكتاب نزهة في شوارع العقل/ وائل عادل


لن أصفّق تصفيقا حارّا للكتاب لأسنح الفرصة للنقد للخروج إن أراد، ولكنّي سأصفه بالكتاب المليء بالأفكار، المقتضب في لفظه، المؤثّر في طرحه لأنه يعرض علينا الحدث الذي ينطلق من الواقع، ومن ثم يتسائل القارئ ماذا سيقول لنا الكاتب من خلال هذا المثال، لتتضّح الصورة الكاملة بعد صفحات قليلة. الكتاب ينقسم إلى فصول عدة ولذا سأذكر تعليقي على كل فصل على حده:
1- فصل "نزهة في شوارع العقل": إنه طرح رمزي لقضية الحجر على العقول ومن ثم قتل الأفكار الخلّاقة، مما سيؤدي حتما إلى قتل الفعل الإبداعي، وفعلا كثيرا ما نلمس تقييدا كهذا عندما يتكلّم بعض المشايخ عن كل تحديث وكأنه بدعة!
2- اكتشف عالم النقطة: كثيرا ما يغفل الإنسان عن جانب معيّن في الحياة لأنه لا يطيق الإحاطة بكل شيء، فترى أحدهم لا يعير النوتات الموسيقية أي اهتمام لأنه لا يفهم رمزها، أما الموسيقار فإنه يفهمها ويتفاعل معها ويترجمها إلى عمل، وكذا كل تخصص فالميكانيكي ينظر إلى السيارة نظرة الباحث عن الخلل بين تفاصيل أجزائها، أما الإنسان العادي فينظر إليها نظرة المستكشف.
3- تراشق الأسئلة: يريدنا الكاتب أن نبحث عن الأسئلة حولنا، لأن ذلك يساعد على تطوير التفكير.
4- أُذُنك في بطني: التجربة هي التي تقرر إن كان التفسير الذي أعطيناه للظاهرة صحيحا أم لا، حتى المسلمات يفحصها العلماء.
5- فلنقاتل اللحوم: الحقيقة المرة خير من الوهم المريح.
6- التصفيق الحار: المدح والوصف الشاعري يمكن أن يؤدّي إلى فقدان العنصر النقدي أثناء تصوير الواقع ولذا يجب الحذر.
7- ابدأ من الصفر: حياتك هي لك وحدك ولك حرية الإختيار فاجعلها كما تريد، أي إبدأ من الصفر دون موروثات غير مرغوبة لك، ومن الحري بك أن تأخذ بجهد من سبقوك، لأن المجتمع يبني نفسه عبر الأجيال عبر خطوات تراكمية.
8- "السوستة" مفتوحة: الأخطاء مهما صغرت أحيانا تكون قاتلة في مجتمعات تسعى لأن تكون الأفضل، لأن حجم التوقّعات يتفوّق على الواقع، أما في مجتمعات متأخّرة فإن وجود الصواب بين وابل من الأخطاء يكون إنجازا عظيما.
9- سينما دورة المياه: لا ينبغي الإستغناء عن المشروع الأساسي ولا ينبغي تغيير أهداف المشروع الأساسية بسبب الإستكفاء والرضى بتحقيق مشاريع داعمة وفرعية ونجاحها.
10- استراتيجية الذبابة: مقاومة الظلم يمكن أن تتم على مستوى الأفراد وذلك عندما يطفح الكيل ولا يجد الفرد من يدعمه في مقاومته للظلم، لكنّ المقاومة الفردية يمكن أن تكون عواقبها وخيمة رغم أنها يمكن أن تحمل نتائج عظيمة (البوعزيزي في تونس).
11- الأنابيب الشرعية: الشرعية هي ما يُفرض عليك من قوانين ويمكن أن تكون جائرة أو ناقصة، ولذا فإنك تحتاج إلى شيء آخر ألا وهو المشروعية، فمقاومة ظلم القوانين هي مشروعية وليست شرعية. لا ينبغي أن ينحصر تفكيرنا بالشرعية.
12- مسطول: قراءة الواقع بصورة خاطئة يمكنها أن تودي بالشخص إلى عرقلة نفسه بنفسه، وإلى نصب الحواجز في طريقه دون قدرة على تفاديها.
13- المتفاجئون على الطريق السريع: من الطبيعي أن يتفاجأ المجتمع من أزمة مستجدّة خاصة إذا كانت شيئا خطيرا، ولكن الغريب أن نجد من المجتمعات من يألف الأزمة فلا يُحاول تغيير الواقع رغم الأضرار المتكرّرة، ولكن كما يبدو أن المجتمع يألف حتى الأضرار المتكرّرة بسبب نفس الأزمة.
14- فلنحفر السماء: القائد هو المنفّذ والمفكّر هو من يمدّه بالأفكار (يمكن أن يجتمعان في شخص واحد). حفر السماء يرمز لأرقى درجات الإنسانية لأنه يختص بعالم الأفكار والعالم الروحاني، وليس ينحصر في عالم الأشخاص أو الأشياء. 
15- خربِش الواقع: الإقتحام الحذر للواقع بمعنى أن تصب أفكارك على الواقع، ولكن عليك أن تستمع أيضا إلى ردة فعل الواقع وإلى توجيهه وإرشاده مما يمكّن من تحسين الأفكار، وهذا ما نسمّيه تجربة حياة.
16- انتشروا: البحث عن حل يمكن أن يكون في البداية مبعثرا، ولكن إذا اشترك الهدف وتوفّرت الظروف المناسبة فإن كل المحاولات ستصبّ في مكان واحد وستجتمع كل الجهود.
17- أنا تُهت: عندما ندرك أننا في المسار الخاطئ نحن بحاجة إلى ثورة أي إلى تغيير جذري، أما إذا كنا في المسار الصحيح ولكن ينقصنا خطوات لنصل إلى الهدف فإننا بحاجة إلى تغيير تدريجي.
18- رقصة الأوتوبيس: مسؤولية التغيير ينبغي أن تكون مُلقاة على عاتق الأفراد وكذلك على المجتمع (أي السلطة)، فالسلطة عليها أن توفّر إحتياجات المواطنين الأساسية والمواطنون عليهم أن يحاولوا تحسين وتغيير المجتمع إلى الأفضل عبر أعمال تطوعية على سبيل المثال.
19- مغص عقلي: كبير السن يختلف بتفكيره عنا، فهي فترة ضعف يستعصي فيها على الكبير أن يستوعب الجديد، ولذا يجب أن نراعي الفجوة بين الأجيال، أما التمارض الفكري فهو الخطير لأنه يعني هرم الشباب في جيل مبكّر، فنرى عند الشاب رفضا لهمّة الشباب وثورتهم وكل محاولة للتغيير أو التجديد.
20- وحّدووه: لا تلق بمهمة جيلك الحالي على أجيال قادمة، وإنما اعمل على تهيئة ما ستقدّمة لأجيال قادمة، ليقدّموا هم بدورهم أشياء جديدة.

28.9.12

ثلاثية لغسّان كنفاني: عائد إلى حيفا، رجال في الشمس، أرض البرتقال الحزين

رواية عائد إلى حيفا/ غسان كنفاني

إنها الرواية التي توثّق نكبة 48 بأدقّ تفاصيلها وتجعلك تعيشها بمشاعر جيّاشة! إنها الذاكرة التي لم ولن تُنسى! إنها الأمل والألم معا!
سعيد ذاك الفلسطيني الذي طُرد من بيته ومن مسقط رأسه حيفا التي يعرفها كما يعرف أبنائه، يستجيب لنداءات زوجته المتكرّرة لزيارة حيفا بعد ترّدد كبير، إذ هل من جدوى من الرجوع كزائر إلى أرض الوطن التي سُلبت؟! لكنّ خلدون هو الشخصية المفقودة التي تُفجّر القضية، فكل الأمل الذي علّقه سعيد وزوجته صفية صار سرابا، وكل الألم الذين تكبّداه لأجله بان سخيفا وبلا معنى، فما بال خلدون مات وهو على قيد الحياة؟! وما باله نسي والديه ولم يُعرهما أيّ اهتمام؟! إلا أن خلدون الصغير صار "دوف"! وهيهات لـ"دوف" أن يرجع إلى أصله! ويصلنا من الرواية درسا مهما جدا ألا وهو أن نصرة فلسطين لا تكون بالبكاء على الذكريات التعيسة وإنما تكون بالتفكير في المستقبل والعمل الدؤوب للوصول إلى الهدف.
 
 
رواية رجال في الشمس/ غسان كنفاني
رغم أن بدايتها كانت بطيئة ورغم أن وسطها ارتكز على مشهد التفاوض حول ثمن التهريب، إلا أن النهاية هي التي فجّرت الأزمة فكانت مُحزنة ومُؤثّرة!
"
لماذا لم تدقّوا جدران الخزّان؟ لماذا لم تقرعوا جدران الخزّان؟ لماذا؟ لماذا؟ لماذا؟" 
إنها الجملة الأخيرة التي صرخ بها أبو الخيزران: فهل هي تعني اليأس الذي سيّطر على الباحثين عن لقمة عيشهم؟ أم أن طيبتهم لم تسمح لهم بفضح أبي الخيزران؟ إنها حياة الشقاء والعذاب بكل معانيها، إنها الدقائق التي تفصل بين الحياة والموت، إنها تفاهة حديث رجال الأمن التي أودت بحياة ثلاثة من الأبرياء، إنها حياة المخاطرة والخروج على القانون بسبب ضنك العيش.

 
أرض البرتقال الحزين/ غسان كنفاني
هي مجموعة قصصية تصف الفلسطيني المهجّر الذي طُرد من أرضه على أمل الرجوع بعد فترة قصيرة، وقلبها كإسمها قصة بعنوان "أرض البرتقال الحزين"، فلا يبقى البرتقال ولكن تبقى ذكراه ولا تبقى الأرض ولكن يبقى التشريد واللجوء ولا يبقى الإستقرار والأمن ولكن يبقى الحزن. فيها بعض الغموض والرمزية التي تستعصي على الفهم أحيانا، وفيها بعض الإشارات الإلحادية التي تستغلّ المحن من أجل التشكيك بوجود الله، وهو ما اسماه الفلاسفة معضلة الشر.

ثورة في المساجد - الجزء الثالث

السيطرة الحزبية على المساجد هي بداية الفرقة ونهاية البعد عن الدين، وهي من دخول الدنيا المنبوذ بين المسلمين في مكان التعبّد والروحانيات، إنه ضرب للروحانيات بسوط من حديد. لذا فإن الواجب هو تحييد الحركات والمصالح الحزبية عن الأماكن الروحانية، لتستقرّ في مكان عملها الطبيعي ألا وهو الساحة المجتمعية الواسعة، فالمنابر لا ينبغي أن تُستغلّ لدعاية حزبية رخيصة، وحرام علينا أن نستغلّ المنابر للتفريق بدلا من الجمع! وهاكم المقترح الأولي والخطوات العملية التي أراها:
 
1- إظهار الخطأ في السيطرة الحزبية على المساجد للرأي العام، ورفع مستوى الوعي لضرورة التغيير من أجل العودة للمنهج النبوي الأصيل في التعامل مع الفرق المختلفة، وترسيخ مفهوم الأمة الواحدة وأواصر الأخوة والوحدة القلبية ولو اختلفنا في قضايا كثيرة.  
 
2- العمل على إنشاء مجلس أعلى يتولّى إدارة شؤون المساجد في كل بلد، حيث يتم إختيار أعضاؤه بالإنتخاب، وينبغي على الذين ينتخبون أعضاء هذا المجلس أن يكونوا مواطنين ممثّلين لعامة أهل البلد (يمكن أن يكونوا أعضاء المجلس المحلي)، ويضمّ هذا المجلس: رجال دين، أخصائي نفسي، أخصائي إجتماعي، مختص في اللغة العربية وآدابها، مختص في الصوتيات. ويكون على المجلس المُنتخب أن يختار من بين المُتقدّمين أئمة المساجد وخطبائها والمؤذّن والإدارة الخاصة بكل مسجد، ولا بأس أن يتمّ تعيين نائب للخطيب ونائب للإمام، ومن ثم الإشراف على حسن إدارة كل مسجد وآخر والمحافظة على إعادة إنتخاب الخطيب والإمام والإدارة كل فترة محدودة من الزمن. هكذا يمكن لأي خطيب أو لأي إمام يرى في نفسه كفؤا ولأي فرد عادي يحب أن يخدم دينه أن يتقدّم للوظيفة، وعندها نحافظ على إختيار الأفضل من بين الموجودين. إعادة الإنتخاب كل فترة من شأنها أن تُلغي الدكتاتورية التي سيطرت على مساجدنا، فترى الإمام يتشبث بالمسجد الذي وُلّي أمره حتى آخر أيام حياته ولا يهمه في ذلك إن ساء صوته أو قلّت حيلته أو كثرت تغيّباته عن صلاة الجماعة.
 
3- كل ذلك يهدف إلى وضع الشخص المناسب في المكان المناسب، فلا يُعقل أن يكون خطاب الخطيب متنافيا مع الواقع أو مع العلم أو هو في واد والواقع في واد آخر، ولذلك لا بدّ من النظر في أبعاد الخطاب الديني الإجتماعية والنفسية، ومن هنا كانت الحاجة إلى أخصائي إجتماعي وآخر نفسي، ولا يُعقل أن يؤمّ المصلّين من كان صوته نشازا لأنّ الجمال الصوتي مطلوب، والقرآن أولى بالجمال الصوتي من الأغاني الساقطة التي لا تحمل معنى فضلا عن فائدة، ونحن نعلم أيضا أن الجمال الصوتي ليس من أوّل المعايير التي تؤخذ بالحسبان عند إختيار الإمام (على أهميته)، ولذا كانت الحاجة إلى رجال الدين ليُحكّموا المعايير الشرعية. فلكلٍ دوره وهذه أمثلة تبيّن جزءا يسيرا من وظيفة كل متخصّص، فليس هذا تكلّفا ولا ترفا فكريا، وإنما هي حاجة لتحسين الخطاب الديني. 
 
4- الخطاب الديني وأهمّه ما يتجلّى في خطب الجمعة بحاجة إلى تحسين واضح لكل مثقّف، إذ كيف لخطبة جمعة في القرن الواحد والعشرين أن تفتقد حديثا عن العلم الحديث؟! إنه جُرم بحقّ المسلمين! ففي حين تباهينا أوروبا وأمريكا بالعلم وتصدّر إلينا معارفها وتستعمرنا بها، نقف نحن متجمّدين بعيدا عن سبل العلم في خطابنا، فنضيّع أحسن الفرص التي تجمع كثيرا من الناس (خطبة الجمعة)، وبالتالي نساهم في تجهيل شعبنا وأمّتنا. إنني أرى بخطبة الجمعة فرصة لتعليم الناس أمور دينهم ودنياهم، فكيف سنسبق أوروبا وأمريكا، إن كان مستوى الثقافة لدى شعبنا مخجلا، وكيف سنرقى إن كان عامة الناس لم يسمعوا بآخر ما توصّل إليه العلم الحديث فضلا عن أوّل ما توصّل إليه؟! سيقولون لك: عندها لن يفهم خطبتك أحد! وأنا أقول أنه مع التبسيط والأمثلة لن يستعصي الفهم على أحد بإذن الله، ثم إننا لا نطالب بقلب الخطبة كلها إلى فيزياء وكيمياء ومعادلات ومتغيّرات وإنما أخذ القليل الذي يدلّ على الكثير. إضافة إلى ذلك، فإن خطبنا تعاني من خلل في الأولويات، إذ كيف لنا أن نتكلّم عن الميراث ونحن ما زلنا غافلين عن المفاهيم الأساسية مثل الحرية والمساواة والعدل وما إلى ذلك من قيم؟! ثم لماذا يكتفي خطباؤنا بالنقل دون الشرح والتفصيل بما يتلائم مع واقعنا؟! ولماذا يكون ثلاث أرباع الخطبة قال فلان وقال آخر، في حين يتنكّر الخطيب لأقوال واقعه ولتحليله الشخصي وللثروة المعرفية التي تغمر مكتباتنا؟! لماذا لا يقتبس الخطيب أقوالا لمفكّرين جُدد؟! أسئلة كثيرة تُظهر لنا أن في خطابنا الديني الحالي خللا ينبغي الإنتباه إليه، وهذا لا يتمّ كما أرى إلا حين إختيار الشخص الأنسب من بين الموجودين.
هذا والله تعالى أعلم وأحكم ...