13.4.14

الانسان كأداة

ان مما يبخس قيمة الانسان هو اعتباره أداة من بين أدوات عدّة، فلا يكاد يُفرّق بينه وبين الآلة! بل هو أقل من آلة، فهو أقرب ما يكون الى البرغي الذي هو جزء من الآلة! ان هذا الانسان البرغي لا يدري بالبراغي الأخرى ولا يدري ما هي وظيفتها ولا يدري أي علاقة تربطه بها، ولذا هو عاجز عن فهم غائية الآلة وغائية المنظومة أو المؤسسة. انه يعرف شيئا واحدا فقط، وهو عالمه المحصور الذي رُسم له من قبل، دون أن تتم مشاورته! وبالطبع فلا يتم استشارته فيما يتعلق بمستقبل عمله ولا يتم سماع اقتراحاته، فهو المُنفّذ وأسياده هم الذين يرسمون ويُخطّطون. ان اسياده معنيون بهذه الدكتاتورية التي هي أشبه بالرعاة والغنم، لأنهم بذلك يُحافظون على مصالحهم، على سلطتهم، على دكتاتوريتهم وهم يوفّرون وجع رأس متوقّع وجدالات ونقاشات لها أول، ليس لها آخر. ويمنعون الانتقاد، يمنعون الأخذ والعطاء، يمنعون ضياع الوقت، يمنعون من الموظّف "المتفلسف" أن يُظهر تفلسفه ويُساهمون في زيادة الإنتاج وازدهار الاقتصاد، على حساب انسانية وقيمة الموظفين المبخوسين.
لكنّ هذا الكبت وهذا الاستغلال لا يدوم طويلا، ولا بدّ للموظفين المقهورين أن يصحو من كبوتهم وأن يطالبوا بحقوقهم الأساسية في المعرفة والسؤال واسماع آرائهم والتعبير عن امتعاضاتهم ومشاكلهم. ان هذا التحكّم بالإنسان والتنكّر لعقله، لحسّه ولإنسانيته، من خلال التعامل معه كبرغي في أداة، لا بدّ أن يؤدّي الى انفجار، لأن الكبت المستمر لا يمكن أن يدوم. ان الانسان العاقل لا يمكن أن يعيش في ظل هذا الاستعباد وفي ظل هذا الاستخراف (التعامل مع الموظّف كخروف مطيع)، ولا يمكن أن يبقى حبيس عالم رُسمت له حدوده من ذي قبل، ولا يمكن أن يبقى مُغفّلا ولا يمكن أن يبقى مضطهدا في سؤاله.

الموظّف: "لماذا يا سيّدي تريدني أن أفعل كذا"؟ السيد: "نفّذ ولا تسأل كثيرا، سيّدك يُفكّر بالنيابة عنك، افعل انت وستأخذ راتبك في آخر الشهر". إلا أن هذا المنع من الاطّلاع على الصورة الكاملة، يمكن أن يُخبّئ في ثناياه غايات خسيسة، فالموظّف الأول يُحضّر المركّب الأول، الموظّف الثاني يُحضّر المركّب الثاني، السيد يجمعها جميعا وتنتج قنبلة ذرية تُساهم في قتل ملايين البشر. هل وافق جميع الموظفين على مثل هذا المنتج؟! هل دروا بماهية المنتج أصلا؟!   

12.4.14

من ذا الذي يستغرب انحباس الأمطار ؟!

القتل مستفحل، لدرجة أنه بات مظهرا من مظاهر الحياة في بعض الدول (سوريا، مصر، العراق)، رائحة الدماء، الأرواح البريئة التي تُزهق، الكره، الحقد، العدوانية. أين الحب في الدول العربية؟ أين الإنسان؟ والاستعمار جاثم على صدورنا وهو يسعى للحفاظ على هيمنته ومصالحه وابقائنا على جهلنا وهمجيتنا، وقسم منا يتعاون مع هذا الاستعمار بشكل علني أو غير علني، بشكل واعٍ أو غير واعٍ. هؤلاء المتعاونين يُسلّمون ثروات البلد للمستعمِر، يُساندونه في سيطرته ويتآمرون معه (مع المستعمر) ضد اخوانهم. هذا الاستعمار هو في الحقيقة استعباد، إذ أنه يبخس قيمة انسان العالم الثالث، وبالتالي يُبرّر استباحته واستباحة ثرواته وكل المؤامرات ضده. انه استعمار يقسم العالم الى فريقين: الأقلية المُسيطرة والأغلبية المُسيطَر عليها، المغلوب على أمرها! ومن ثم نسأل أين العدل في هذا العالم؟! انه فعلنا وخيارنا نحن بني الانسان! 

ولنسأل: هل نستحقّ المطر أصلا؟ أينزل علينا هذا الخير ونحن نرفع الشر الى السماء؟ أينزل لكي تختلط طهارته، نقاؤه، صفاؤه مع قذارة الدماء المسفوكة، فينتزع لونه وتذهب رائحته؟ أينزل لكي يروي القاتلين الظالمين فيزيدوا من فُحش قتلهم؟ انها تفسيرات الجزاء والعقاب ولكنّ التفسيرات المادية تُكمّلها أو تتوافق معها! ان ما يشغل الأمة العربية في أيامنا هي حاجات أساسية، مثل الأكل والشرب، الأمن والأمان، الراتب... وحيث هناك ثورات، هناك انشغال بقضايا أساسية، مثل الحريات والمساواة. ان كل هذا الانشغال بهذه الأشياء والقضايا الأساسية يمنع بالتالي التفكير في ومراعاة أمور أكثر تطوّرا وأكثر تركيبا (والتي لا شكّ أنها تصبّ في مصلحة الانسانية ككل)، مثل، المحافظة على البيئة. لو سألت أحدا من العالم العربي: هل تهتمّون بإعادة انتاج منتجات البلاستيك والورق، لسخر منك وقال: "نحن ما زلنا نُطالب بالأساسيات كالحريات والمساواة والعيش الكريم، الكماليات هذه ليست بالبال". القتل يأتي على حساب تطوير الانسان، فبدلا من بذل الطاقات الانسانية في سبيل تطوير العلم وأدوات العيش، تذهب الطاقات الى ما يساهم في هدم الانسان، الحضارة، أدوات العيش والعلم. صحيح أن الغاية بعيدة الأمد تستحقّ التضحية ولكنّ هذا لا ينفي انشغالنا بالأساسيات وعدم تفرّغنا لما نسمّيه كماليات. ان من بين هذه الكماليات أنه ينبغي الانتباه الى كميات الغازات السامة المنطلقة من البلد حتى نحافظ على طبقة الأوزون الجوية، فهل الانشغال بالقتل والاستعمار، يُتيح المجال لإنسان العالم الثالث أن ينتبه لهذه الأمور، وهل ذلك يتيح المجال لمراقبة الدول الصناعية العظمى (نظرا لأن الأضواء مُسلّطة على العالم الثالث)؟ ان هذه الأضواء تسمح للجلاد (المستعمِر) أن يمرق من تحت عين الرقيب وبالتالي تساهم الإنسانية في تدمير نفسها، وتدمير كوكبها، من خلال تدمير طبقة الأوزون، مما يزيد من ظاهرة الدفيئة (ارتفاع درجات حرارة كوكب الأرض، حالات طقس متطرّف ...). فهل ما زلنا نستغرب انحباس الأمطار؟! 

الترويض الحيواني في العالم الإنساني

أثناء ركوبي في احدى الحافلات، لفتت انتباهي بنت صغيرة، تحمل حقيبتها على ظهرها وكما يبدو أنها ذاهبة الى المدرسة. كانت البنت برفقة أمها وأخيها الصغير، ورغم الصمت النسبي الذي خيّم على الحافلة، عدا الأصوات الصادرة عن المحرّك والمكيّف، كانت الفتاة مُنسجمة مع عالمها الطفولي الخاص. لقد كانت تُغنّي ما تحفظ من أغانٍ طفولية بصوت خفيض مسموع، وشفتاها وقسمات وجهها كلها تتحرّك تبعا لكلمات الأغنية، واحدى الأغاني التي عزفتها بفمها كانت: "وقال الأرنب لأمه واسمحيلي رح العب"، إلا أن أمها لم تكفّ عن وكزها لتكفّ عن غنائها. انها تعيش في عالمها الطفولي الخاص متناسية كل من حولها، انها منسابة، منسجمة، طرِبَة في طفولتها، في أغانيها، في عالمها الخاص، فلماذا هذا الحرمان؟! ولماذا يجب أن تخرج الطفلة من طفولتها نحو عالم الكبار بسرعة البرق؟! ألا يحقّ لها أن تعيش طفولتها داخل البيت وخارجه؟! لربما هي منصة تودّ أن تستغلها لتُسمع من حولها صوتها الخفيض الرقيق الناعم! لربما هي محاولة للفت الأنظار الى قدرتها والى موهبتها! لماذا تُكبت مثل هذه المواهب؟! وكيف لو أنها لم تطلب من أمها اللعب من خلال الأغنية؟!
وهكذا يُروّض الطفل والطفلة وتصير موهبتهما حبيسة ذاتهما الى أن تنقرض، كونها لم تجد البيئة التي تنمّيها، وانما على العكس وجدت صدّا واستخفافا، فهذا غناء طفولي، وهذا رسم طفولي، وتلك كلمات طفولية، وتلك ألعاب طفولية، فأين الموهبة في الموضوع؟ ثم انها مواهب طفولية تُثير خجل الكبار وتُعكّر صفو مزاجهم، فالأولى اخفائها، دحرها أو اعدامها على مسرح الحياة! وعندما يشبّ الطفل يستغرب الأهل لماذا هو منغلق على نفسه؟ لماذا يخجل من الناس؟ أين مواهبه؟ هيا بنا ندخله دورة رسم أو موسيقى أو غناء أو دبكة، أي شيء، المهم أن يكون موهوبا! آلآن وقد كَبَتّ من قبل؟! والجدة تقول: "ماله صاير هيك، مبتحركش من محله، مهو كان وهو صغير يلفّ الحارة كلها"! وتستمر محاولات انعاش الموهبة بعد أن كُبتت، تماما كما يُريد أحدهم أن تثمر شجرته بعد أن قطعها! ان انباتها من جديد ليس بمستحيل، ولكنه يحتاج الى وقت وجهد، ولو استمر في انمائها (قبل القطع) لأثمرت خلال وقت قصير نسبيا ثمرا أنضج. كذلك الموهبة، لو نُمّيت من جيل صغير ولم تُكبت، لأثمرت مبكّرا ولما احتاجت الى جهد مُبالغ فيه.

ان المواهب الطفولية يُمكن أن تظهر كبدائية وبسيطة، إلا أن المطلوب هو عدم إلقائها في مزبلة التاريخ وعدم التنكّر لها، وانما ينبغي الانضمام الى عالم الطفل (عن طريق اللعب معا، مثلا) ومحاولة فهم ما يفرحه وما يشدّه في فعله ومن ثم تطوير ذاك الفعل البدائي. على سبيل المثال، اذا كان الطفل يحبّ اللعب في الطين، فلا ينبغي توبيخ الطفل وحرمانه من هذا الفعل بحجّة أنه كَبُرَ، وانما يمكن فهم ما يجذبه في اللعب بالطين، عن طريق سؤال مثل: لماذا تحبّ اللعب في الطين؟ ومن ثم يمكن اقتراح أفعال أكثر قبولا وملاءمة اجتماعيا لجيله، مثل، النحت، التصميم والبناء وغيرها ... 

كبت التفكير!

ما ان ينبس الطفل كلماته الأولى وما ان يُثير علامات السؤال الأولى، حتى يصطدم بوابل من الإجابات الساذجة التي يستعملها الناس ظنّا منهم أن هذا تلائم حيوي مع سذاجة الطفل. الا أنه لدى الطفل ذكاء فطري مولود وحب استطلاع للبحث وللتجريب وللتفكير في ماهية الأشياء وفي العلاقات ما بينها وفي ما يرى حوله من ظواهر طبيعية وأخرى صناعية. الطفل يسأل: "لماذا يُصلّي بابا؟"، الأم: "لأنه اللي ما بصلّي بروح على النار!". الطفل: "لماذا يجب أن أنام مُبكّرا؟"، الأب: "الولد اللي ما بنام بدري بطلعله الغول وبوكله". الطفل: "كيف تمطر السماء؟"، الأم: "بتيجي الغيوم اللي زي الاولاد الشطورين وببلش المطر ينزل منها" أو "ربنا هو اللي بخلي الدنيا تمطر". اننا من خلال هذه الاجابات، نلحظ استخفافا بعقول الأولاد الصغار وهو استخفاف غير مقصود في الغالب، بل نابع من حسن نية كما يقولون، فما الداعي لأن نُدخل الأطفال الى تعقيدات كبيرة على عقولهم وعلى مستوى فهمهم! ويرافق هذه الإجابات، خرافات في القصص المحكية قبل النوم وخلال النهار وخرافات في أغاني الطفولة، من مثل ما يتردّد على لسان الأمهات عند تبديل الأسنان، إذ تطلب من ابنها أن يذهب الى الخارج وأن يقول للشمس: "يا شمس يا شموسة، خذي سني الذهبي واعطيني واحد ثاني".
لكنّ المشكلة الأساسية في هذه الإجابات، تكمن في أنها حاسمة وقطعية، فضلا عن كونها بعيدة عن الواقع وخرافية في أحيان أخرى، وإلا فما صحة الغول الذي سيخرج ان لم ينم الطفل مُبكّرا؟! انه أسلوب للتخويف من العقاب، وبشكل عام فإننا نرى استعمالا كبيرا للترهيب في التعامل مع الأطفال بدلا من الترغيب، أي استعمال لتهديدات (التهديد بالغول، بالنار، بالضرب...) بدلا من تشجيعات (الجنة، الحصول على جائزة ...). ان مهمة اعطاء أجوبة قريبة من الحقيقة من جهة، ومُبسّطة بشكل يتلاءم مع فهم الأطفال من جهة أخرى، هي مهمة ليست بالبسيطة، ولذا نرى الكثيرين يهربون من هذا التحدّي، ليُعطوا جوابا حاسما قاصما. انهم يُفضّلون أن يُحافظوا على صورتهم أمام الناس فلا يحرجون ولا يتلعثمون في الإجابة، ولذا يُعطون الجواب الطفولي المُستخفّ السهل: "يما ما أزكاه هلولد، بعرف يسأل عن كل شيء، حتى ليش لازم ينام بدري". الا أن هذا الحسم والقصم في الجواب يُعطّل ملكة التفكير المولودة ويترك الطفل مع أجوبة نهائية خدّاعة فيظلّ متخيّلا أن الغيوم هي بالونات طائرة، يتم وخزها بإبرة لتُسقط على رؤوسنا الماء، بدلا من أن يتمّ فتح المجال أمام الطفل لمعرفة وبحث كيفية نزول المطر، من خلال اجابة مثل: "الشمس اللي فوق البحر بتخلّي المي تسخن وتطلع لفوق علسما وهناك بتصير غيوم"، وممكن في كثير من الأحيان اضافة جملة مثل: "لما تصير زلمي كبير، راح تفهم منيح كيف بنزل المطر"، وذلك للتشجيع على مزيد من التفكير والبحث.  
ويطيب لنا أن نختتم حديثنا باقتباس من كتاب التخلّف الاجتماعي للدكتور مصطفى حجازي، حيث يقول فيه:

الاعتزاز بالأنا

في مساق بعنوان "معنى الحلم" أثناء دراستي للّقب الثاني في علم النفس، طُلب مني أن أسرد على المشاركين حُلُما من أحلامي، فما كان مني إلا أن تشبّثت بحُلُم واحد عزيز على قلبي لعظم معانيه وارهاصاته. بدأت حديثي حينما قلت أني قبل أن أدخل في تفاصيل الحلم، أودّ أن أعطي خلفية ومُقدّمة تساعد المحاضِرَة والطلاب الآخرين على فهم الحلم بصورة أفضل، فأنا العربي الوحيد بين الآخرين اليهود. أخذت أحدّثهم عن صلاة الجمعة ومبناها الأساسي، وكيف أنها تتكوّن من خطبتين، وما يليها من صلاة خلف الإمام والذي نتبعه بحركاته، وبيّنت أنه هو الذي يقرأ القرآن وقت صمت واستماع الجميع لتلاوته. كل تلك كانت مُقدّمة ضرورية للحلم الذي حدث في المسجد أثناء صلاة الجمعة. ثم أخذت أسرد الحلم، وخلال سردي له، كانت تأتيني أسئلة، تُظهر اهتمامهم بما أقوله، لدرجة أن تركيزهم ومحاولتهم لفهم ومعرفة المزيد عن الثقافة المختلفة، زادت من اعتزازي باعتزازي، وتركتني مع شعور بالافتخار والبهجة، وشعرت للحظة وكأنني مندوب أو ممثّل عن الأمة العربية كلها. ما أحسن هذا الشعور عندما تكون مفتخرا بذاتك بين المُختلفين! ما أحسن هذا الشعور عندما تشعر أنك المندوب عن الأمة العربية كلها وتُحسن عكس الصورة الواقعية دون خجل أو إخفاء!     

إنه الأنا المُختلف الذي يتواجد بين كثافة الأنا الأخرى والذي يقول أنا هنا موجود وأنا مُختلف وأفتخر باختلافي وأفتخر بأصلي وأفتخر بتاريخي وبعروبتي وبمن أنا، كما أنتم تفتخرون بأناكم وبتاريخكم ولربما أكثر بحاضركم. يمكن لهذا الاختلاف والاعتزاز والاعتداد أن يُساهم في تبادل الخبرات والثقافات وبالتالي يجعل الآخر منكشفا ومنفتحا على وجهة النظر الأخرى، فلا يعود الآخر مُبهما، غامضا، غير موجود وانما يصير مفهوما وموجودا! ان هذا التلاقي يُمكن أن يؤدّي الى التقريب بدلا من الإبعاد، اذا تحرّرت العقول من القوالب ومن الأفكار المُسبقة ومن الكراهية المزروعة، فإظهار الاستعداد لسماع وجهة نظر الآخر حتى النهاية والإنصات لها بكل شغف وحبّ مهما كان جنس صاحبها، أصله وفصله، يؤدّي بالنهاية الى البحث عن المشترك الإنساني (وما أكثره) والى حب الاستطلاع لفهم وربما تعلّم الأشياء المُختلفة.  

قصص النجاح

ان مبالغة التنمية البشرية في عرض قصص النجاح للجماهير، ساهمت في خلق مفاهيم مغلوطة وتأثيرات سلبية، على عكس الهدف المرجو منها، فتلك القصص تعرض في الغالب نجاحا فرديا لشخص كان يعيش في ظروف صعبة. الا أن اصراره واستخدامه لمفاتيح النجاح، فجّرا طاقاته الكامنة وأخرجاه في مشروع انساني خلّاق. لكن هل فكّرنا في تعريف النجاح المقصود؟! ان النجاح الذي تعرضه تلك القصص هو في الغالب نجاح فردي ومادي، وهو خارق للعادة بمعنى أن الأقلية هم من يحالفهم الحظ ليكونوا من الناجحين بالمعنى المقصود. والأسئلة التي تُطرح كثيرة في ظل هذا التعريف: هل النجاح مادي فقط؟ ماذا مع النجاح الروحاني؟ ماذا مع النجاح الفكري (أن تكون مُفكّرا حقيقيا)؟ ماذا مع النجاح الثقافي (أن تكون مثقّفا حقيقيا)؟ ماذا مع النجاح العاطفي؟ وهل النجاح الذي يهمّنا هو فردي أم جماعي أم كلاهما؟ ماذا مع النجاح الجماعي الذي يصبّ في مصلحة العائلة\البلد\الشعب\الأمة، هل له وجود في تلك القصص؟ لماذا يُصوّر النجاح أنه ملك الأقلية وأنه صعب المنال وأن النجاح في تحقيق هدف صغير (صغير في النظرة المادية، كبير بأعين صاحبه) لا يُعدّ نجاحا يستحق أن يُسطّر من خلال تلك القصص؟ واضح لنا أن مفهوم النجاح قد تأثّر من النظرة الغربية المادية، الفردية وبالتالي يمكن التفكير بأنّ الأقلية الناجحة تسعى للحفاظ على هيمنتها على النجاح، ولذا فهي تعرضه على أنه صعب المنال وأنه من اختصاص الأقلية المحظوظة وأن نجاحا صغيرا لا يُعدّ نجاحا يستحق الإعجاب والتقدير، وهذا بحد ذاته نوع من الاستعمار.
اشكال آخر مع قصص النجاح هو عرض الواقع بصورة غير واقعية، فالقارئ لقصص النجاح يخال نفسه متواجدا في عالم وردي، فينطلق متحمّسا (كتأثير قصير الأمد) ليُطبّق ما تعلّم من تلك القصة، فإذا بالواقع المُركّب يصدمه ويعاكسه ولربما يرفضه، ما يؤدي الى أن يُصاب بيأس وإحباط كبيرين (التأثير بعيد الأمد)، ذلك أن توقّعاته، أحلامه وأوهامه انطلقت من عالم يعرض الواقع بصورة غير واقعية، لتصطدم بالواقع الذي لا يعرف قصص النجاح تلك.

لماذا ندّعي أن قصص النجاح تعرض الواقع بصورة غير واقعية؟ لأنها لا تعكس تركيبة الواقع والتنويعة الموجودة داخله، فهي تعرض قصص النجاح الفردي المادي الخارق للعادة، ولا تعرض نجاحات مرحلية، كما أنها لا تعرض الجانب الآخر: الفشل! لكي تكون الصورة واقعية، ينبغي عرض قصص النجاح الى جانب قصص الفشل، فالفشل يُعلّم أكثر من النجاح، إذ أنه يدفع الى إعادة النظر والى البحث والى تحريك التفكير الإبداعي، أما النجاح فيُعرض بصورة سلبية (passive)، والمستمع لا يحتاج الى أن يُعمل عقله كثيرا وانما يكفيه أن يُقلّد ما فعله السابقون علّه يكون من اللاحقين. 

تحت الطلب!

ان هذا المطبّ واقع فيه كثير من الناس، فالكل يواجههُ في حياته، ويمكن أن يكون الواحد واعيا له أو غير واعٍ. انه صراع ما بين الوجود الذاتي وما بين الوجود الجمعي في أصله، وهو يأخذ صورا وأشكالا عديدة، وهنا سأتناول الحديث عن واحد منها. ان هذا الصراع الوجودي يُثير تساؤلات عميقة في النفس الانسانية: هل مصلحتي الوجودية مُقدّمة على المصلحة الجمعية أم أن المصلحة الجمعية مُقدّمة؟ أم أن كلاهما في نفس المقام من حيث الأهمية؟ ان التعبيرات عن هذا الصراع الوجودي كثيرة في حياتنا، فالأم يمكن أن تقول لأولادها في ساعة غضب: "حرمت حالي من كل شيء من أجلكم"، أي أنها قدّمت المصلحة الجمعية (العائلة) على مصلحتها الذاتية. ويمكن أن يفكّر الواحد: هل يهمّني نهوضي الشخصي وبالتالي أضحّي بالغالي والنفيس من أجل تطوير نفسي، فهمها أكثر، تثقيفها وكل ما يتّصل ببنائها، أم تهمّني نهضة الأمة، تطوّرها وتثقيفها أم أن الاهتمام الأول يخدم الثاني أم أن الثاني يخدم الأول أم كلاهما متواجد في نفس الوقت؟
لكنّ شكل نفس هذا الصراع الوجودي الذي أريد أن أتحدّث عنه هنا هو آخر. انه يتمحور حول من يبيعون أنفسهم للجماهير وبالتالي ينساقون لرغباتهم ولما يحبّ أن يسمعه الجمهور، تاركين بذلك رسالتهم الشخصية وما يودّون ايصاله وربما الحقيقة وراء ظهورهم. انه تنكّر للوجود الذاتي وانسياق وراء الوجود الجمعي في الظاهر، لكن اذا عمّقنا النظر في هذه الظاهرة نكتشف أن العكس هو الصحيح. فذلك الشيخ أو العالم أو الفنان أو الكاتب أو الناقد الذي يُسمع جمهوره ما يودّون سماعه وما يطمئنون إليه من مثل: "والله انكم خير الناس، بحبكم"، "النصر حليفنا وكل من يعادينا سيذهب الى مزابل التاريخ"، يظهر وكأنه حريص على الوجود الجمعي أكثر من حرصه على الوجود الذاتي، إلا أن وجوده الذاتي في الحقيقة هو الأهم وهو المقدّم في نظره، إذ أن هذه التعابير الشاعرية الشعبية التي تُحبّ الجماهير سماعها، تهدف الى تنمية شهرته وتعظيم تقديره وحبّه بين الجماهير، ولو كان ذلك على حساب خداع الناس وعلى حساب اخفاء الحقيقة عنهم والمساهمة في تغفيلهم وابقائهم على جهلهم! ان هؤلاء يمكن تسميتهم: "مشايخ\علماء\فنانون تحت الطلب"، فإن ثار الناس ثاروا، وان خمد الناس خمدوا، مما يُولد فيهم تلوّنا ونفاقا، تستطيع الجماهير أن تلمسه بعد وقت طال أو قَصُر.     

لكنّ من يقوم فيُعلنها مخالفا لرأي الأغلبية (لأنه يرى أن الصواب مُختلف وليس لغرض الخلاف)، يُتّهم بأنه "مجنون" أو "مارق" أو "زنديق"، ويُرمى باللعنات والضربات أحيانا، ولو كان صادقا في قوله! ويُتّهم أنه يريد مصلحته الشخصية وأنه يريد البروز على حساب تفريق الجماهير وتمزيق وحدتهم وأنه يهدف الى إثارة الفتنة. أي أنه يُتّهم بتفضيل وجوده الذاتي على الوجود الجمعي، رغم أنه في الحقيقة (ان كان صادقا في نيته) يسعى الى التضحية بوجوده الذاتي (هو يعلم أنه سينال وابلا من الشتائم واللعنات ولكنه يُضحّي بنفسه) في سبيل الوجود الجمعي (احداث تغيير في المجتمع الغافل)، وان ظهر ذلك في البداية على أنه سيفتح المجال لإثارة الفتنة وللإخلال بالنظام، إلا أن السبات لا يمكن أن يستمرّ، ولا بد لمن يقوم بوظيفة ايقاظ وتوعية الجماهير، وذلك سيتطلّب مجهودا ووقتا وربما ازهاقا لأرواح، لكنّ النتيجة المرجوّة تصبّ في المصلحة الجمعية.   

23.2.14

الجمع بين الأضداد


في النظرة السطحية القاصرة، يصعب رؤية التركيبة والتأثيرات المختلفة والتي تظهر كأنها متضادة في أحيان كثيرة. ان هذه الحياة مركّبة بطبيعتها وكل محاولة لتبسيطها تؤدّي حتما الى اختزال الصورة والى الابتعاد عن الواقع، لكننا نضطر الى ذلك في أحيان متقاربة وذلك لغرض التبسيط ومحاولة بحث بعض جوانب الظاهرة بصورة علمية (منهج البحث العلمي). لكن المشكلة الأساسية تكمن في محاولة التغافل عن التركيبة وعدم الوعي لإمكانية تواجد جوانب مختلفة للظاهرة (أحيانا مُتناقضة). النظرة القاصرة للإنسان تفترض أنه مُسطّح، فإما هو صالح وإما طالح، إما خيّر وإما شرير، إما كريم وإما بخيل، لكن اذا قلت أن عنده نزعة الصلاح ونزعة الفساد، عنده ميل للكرم وميل للبخل، عنده حبّ وكره، صَعُب ذلك على الفهم والاستيعاب.

على سبيل المثال، اذا قلت أنك تحبّ شيئا وتكرهه في ذات الوقت، أو أنك تحترم شخصا وتحتقره في ذات الوقت، أو أنك تفرح وتحزن لنفس الشيء، رأيت كثيرا من الناس ينظرون اليك بعيون مُبهمة، ولربما يدفعهم ذلك الى رميك بالتهمة التقليدية: "ما ترسالك على برّ، وضّح حكيك، خلينا نفهم شو موقفك، انت شكلك متردد وبتعرفش اتحدد موقفك". لكن هذه هي الطبيعة البشرية، انها مركّبة! فيمكن أن تحبّ نفس الشخص لأشياء وأن تكرهه لأشياء أخرى، وربما يطغى أحد الإحساسين على الآخر ولكن يبقى الآخر متواجدا في الخلفية، في اللا واعي، إلى أن يُؤذن له فينفجر في أزمة بين المحبّيْن.

في هذا الصدد يطيب لنا أن نقتبس قولا من كتاب التخلف الإجتماعي للدكتور مصطفى حجازي مفاده أن:





أي أن الجوانب المتعدّدة للظاهرة والمتناقضة في أحيان كثيرة، هي التي تُنتج لنا الصورة التي نراها للظاهرة. فالإنسان الذي نلقاه ونتحدّث معه ونقول أنه: كريم وشجاع لكنه متكبّر، تعتمل في داخل لا وعيه قوى شد وجذب من شأنها أن تُنتج لنا الصورة التي نرى فيها الشخص، كما أنه عند تحضير كثير من أنواع الطعام، نُدخل أحيانا أطعمة متضادة، مثل ملح وسكر، حامض وحلو، لتنتج لدينا ظاهرة أكلية جديدة.

22.2.14

تجديد الفكر الديني


ظروف الحياة المتغيّرة تكاد تكون معروفة للجميع. ابن التسعين يُقارن بين الظروف المعيشية التي كانت سائدة في ريعان شبابه وبين ظروف اليوم، فيصرّح: "الله على أيام زمان"! زمان؟ هل انقلبت الحياة خلال سبعين عاما؟! لكنّ هذا التصريح على بساطته، يُعبّر عن احساس داخلي بتغيير كبير في ظروف الزمان، ولنا أن نتخيّل ما كان قبل سبعين عاما وما نحن عليه اليوم، فهل كان هناك حاسوب قبل سبعين عاما؟ هل كانت هناك كهرباء أصلا؟ هل كانت هناك ثلاجة؟ غسالة؟ تلفاز؟ هل كان هناك انترنت؟ هل كانت هناك أجهزة السمارتفون؟ هل تمكّنوا من الاتصال بآخر العالم بالصوت والصورة ومن دون أن يدفعوا شاقلا واحدا (عبر السكايب)؟ هل شاهدوا ما يحدث في العالم كله وهم جالسون في البيت؟ هل طلبوا منتجات من دول الشرق الأقصى من خلال كبسة زر؟

ان هذه التغيرات التي حدثت خلال سبعين عاما، ما هي الا مرآة للتغييرات التي تحدث في ظروف الحياة المعيشية طوال الوقت، فما استمرت الحياة، استمرت التغييرات والتطوّرات، واذا كان هذا التغيير قد حدث في سبعين عاما، فكيف بالتغييرات التي مرّت على الانسانية منذ أكثر من ثلاث أو أربع قرون الى يومنا هذا؟ هل يُعقل أن نقف مكتوفي الأيدي ونقول: "ان فحول الأمة قد قدّموا لنا كل ما نحتاج اليه من علوم، فلا حاجة الى مزيد من البحث في علوم الفقه والحديث، ولا حاجة الى مزيد من تطوير علوم الطب والكيمياء والفيزياء"؟ واذا تركّزنا في الفكر الديني نظرا للجمود الذي أصابه بشكل خاص، فهل يُعقل أن نقول: "ان سلف الأمة قد فهموا هذا الدين فأحسنوا فهمه، فلا حاجة الى مزيد من الاجتهادات ولنُغلق باب الاجتهاد حرصا على هذا الدين من القاصرين في العلم". المسألة ليست مسألة أنهم هم أحسن منا أو أفقه منا أو أعلم منا ولذا لا ينبغي علينا أن نتكلّم في حضرة فهمهم واجتهاداتهم، ولكنها مسألة تغيّر الزمان والظروف المعيشية، فلو فرضنا أن علماء الأمة اليوم أعجز من السلف أو أقل منهم علما (وليست هذه هي المسألة المهمة، ولكن تماشيا مع منطقهم)، فإن ذلك لا ينفي الحاجة ولا يُلغيها الى أننا نحتاج الى تجديد، تعديل، تطوير وملائمة الفكر الديني للظروف المعيشية المتغيّرة.

ابن تيمية على جلالة قدره، عاش من 1263 الى 1328م، فهل يُعقل أن نجمد على فكره؟ هل يرضى هو ذاته أن نأخذ كلامه فنقدّسه ومن ثم لا نعيد النظر فيه؟ تلميذه ابن القيم رحمه الله عاش في نفس الفترة تقريبا. الإمام الشافعي عاش من 767 الى 820م، الإمام أحمد من 780 الى 855م، الإمام مالك من 711 الى 795م، الإمام أبو حنيفة من 699 الى 767م، وغيرهم من الأئمة العظام. ان هؤلاء الأئمة الأجلاء قد سطّروا أفهامهم واجتهاداتهم في مجلدات كثيرة، وهي أفهام بشرية واجتهادات منذ أكثر من 1200 عاما في حال الأئمة الأربعة! وأكثر من 700 عاما في حال ابن تيمية وتلميذه ابن القيم! هل جمد الزمان منذ ذاك الوقت؟ لا وألف لا! فلماذا يجب أن نُجمّد الفكر الديني اذا؟! انه ينبغي عدم الجمود على هذه الأفهام والاجتهادات التي جاءتنا منذ زمن بعيد، كما أنه لا ينبغي التنكّر لها والقائها جانبا، وانما الصواب أن يتم بحثها ومراجعتها والانطلاق منها الى تطوير الفكر الديني والدخول في مسائل العصر التي لم تكن موجودة في ذاك الوقت.

الاعتباطية المُكتسبة


ان الناظر الى الأمة العربية يدرك مدى العفوية والاعتباطية التي تعاني منها. المشاريع القومية والشخصية لا تحمل رؤية مستقبلية، ولذلك نرى الحماس الزائد في بداية كل مشروع، فتور بعد فترة، ومن ثم اندثار لكل الجهود التي بُذلت ولم تُثمر! نستورد الآلة من الغرب، ننتج بواسطتها موادا استهلاكيا بسيطة، ومن ثم يذهب صيت تلك الآلة ولا يدري صاحبها ماذا يفعل بها، لأن موضتها قد فاتت (الغرب يستمر بتطوير الآت أحدث، أنجع وأسرع وانتاجا) والمنتجات التي تُنتجها قد باتت من الماضي! وبالتالي نحن في حالة جري مستمر وراء اختراعاتهم وانتاجاتهم، ونستمر على حالنا هذه ونحن نرُدّد: "اسعَ يا عبدي وأنا بسعى معك". أهذا يُعدّ سعيا؟! أم لحالقا بالرّكب؟! لماذا نُصرّ على البقاء في الخلف؟! هل طبيعتنا تُحتّم علينا أن نبقى في الخلف؟! اذا كان الجواب نعم، فكيف حدث أن ازدهرت حضارتنا في العصور الوسطى؟!

ان هذا حال، وليس طبيعة مولودة ولا صفاتا موروثة، فالتخلّف والجهل ليسا من مميزات صنف معين من الناس، ولكن تلك الأيام يداولها الله بين الناس. ورغم أن هذا الحال دام وقتا طويلا وربما يدوم سنوات أخرى، الا أننا على يقين من أن دوام الحال من المحال. ان الانسان العربي يشعر بالعجز عن السيطرة على مصيره، فهو غير ضامن لمستقبله! واحساسه بانعدام الأمان والاستقرار، يؤكّدان عجزه عن السيطرة على يومه وغده. ذلك أن مصيره ليس بيده، وانما بيد من هم أقوى منه: بيد المتسلّط الداخلي (الذي يكون في الغالب ديكتاتورا) وبيد المتسلّط الخارجي (الذي يصبّ استعماره على الدول العربية وثرواتها). ان الشعور بفقدان السيطرة، يُصوّر للإنسان عالما اعتباطيا، عفويا، غير مُنظّما، مما يدفع بالفرد الى مزيد من الاعتباطية ("أحسن اشي اللي بعيش علبركة"، "ما في حاجة نحدد موعد، وينتا ما بيجي عبالي بمرق تلاك"). إذا كان العالم اعتباطيا، فلماذا الاجتهاد والسعي الى النظام والتخطيط والتفكير في المستقبل الغير مضمون (الرؤية المستقبلية)؟! اذا أعطاني العالم فوضى، فسأرجع له فوضى بدوري. هذا هو واقعنا وهذا هو المنطق الذي نتعامل به معه.