2.7.14

تأمّلات في الفطرة


الفطرة هي "الخِلقة التي يكون عليها كل موجود أَوّلَ خَلْقِه" أو "الطبيعة السليمة لم تُشَب بعَيْب" أو "ما ركَّزه الله في الإنسان من قدرة على معرفة الإيمان" (معجم الوسيط ومعجم اللغة العربية المعاصر). ورغم أنها تعريفات من جهات مختلفة، الا أن ما يجمعها هو اشارتها الى تلك التهيئة وذاك الاعداد اللذان يُطبعان في النفس ويولدان بمولدها. انه المبنى الأوّلي الذي يمكنه أن يستقطب اليه مبانٍ أخرى تدعمه أو تدحضه، تقوّيه أو تُضعفه، تُحييه أو تُميته.

هذه الفطرة طبيعية وغير مكتسبة، لأنها تكون مزروعة هناك من لحظات حياة الانسان الأولى. ورغم أننا لا نراها ولا نلتقطها بحواسنا في الغالب، بحكم قدرة التعبير المحدودة لدى الطفل، الا أننا نرى تأكيدا لوجودها في النصوص الدينية. يقول تعالى: "أَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ" (الروم، 30). يقول ابن كثير في تفسير هذه الآية: "إنه تعالى فطر خلقه على معرفته وتوحيده، وأنه لا إله غيره، كما تقدّم عند قوله تعالى: (وأشهدهم على أنفسهم ألست بربكم قالوا بلى) (الأعراف، 172)، وفي الحديث: "إني خلقت عبادي حنفاء، فاجتالتهم الشياطين عن دينهم"". وقَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: "كُلُّ مَوْلُودٍ يُولَدُ عَلَى الْفِطْرَةِ، حَتَّى يُعْرِبَ عَنْهُ لِسَانُهُ، فَإِذَا أَعْرَبَ عَنْهُ لِسَانُهُ، إِمَّا شَاكِرًا، وَإِمَّا كَفُورًا".

ولعلّ ما سطّره العالم دين هامر في كتابه The God Gene: How faith is Hardwired in our genes""، والذي نشره عام 2004، هو محاولة أولية للكشف عن هذه الفطرة المطبوعة في الانسان. هامر يتحدّث عن أن الإنسان يرث مجموعة من الجينات التي تجعله مستعدا لتقبّل مفاهيم الألوهية والدين، وذلك ما يُعرف بـ "God Gene Hypothesis".

ان الانسان ينطلق الى العالم مع ارشاد هذه الفطرة وتوجيهها، ولربما ذلك لئلا يكون للناس حجّة على خالقهم أن لم يهدهم اليه. الا أن هذه الفطرة تنولد الى بيئة، مما يُعرّضها للاحتكاك بموجّهات بيئية، تبدأ عادة بتربية الوالدين والبيئة المحيطة، لتنتهي الى التأثيرات المجتمعية وتأثيرات العولمة والاعلام وما شابه. من هنا فهي مُعرّضة للتشويه أو للتنمية تَبَعا للبيئة المحيطة، ودرجة التشويه أو التنمية تختلف أيضا. فذاك الطفل الذي يولد لعائلة سبّاقة في عالم الإجرام، تتعرّض فطرته لتشويه عنيف. ذاك الطفل الذي يولد في بيئة تقدّس حقوق الانسان ولكنها تُربّي على الانفلات الجنسي، تتعرّض الى تشويه أيضا الا أنه أقل شدّة من الأول. ورغم أنه من المنطقي حفظ ما ولدته لنا الطبيعة وتنميته، بدلا من تشويهه وتدميره، اذ أن ذلك يتلاءم مع النمو الطبيعي للإنسان، الا أن المشكلة تكمن في أن هناك من لا يعترف بوجود مثل هذا المركّب الذي نُسمّيه نحن فطرة. 

فرويد على سبيل المثال لم يلتفت الى مركّب الفطرة، بل ادّعى أن الأنا الأعلى وهو الذي يشتمل على الضمير والأخلاق والمثاليات يتطوّر في مرحلة متأخّرة وهو بهذا المعنى مُكتسب. ان الطبيعة وفقا لفرويد لا تمنح فطرة ولا أخلاقا، ولكنها تمنح شيئا واحدا ووحيدا وهو الغريزة. هذا التوجّه ينسجم مع النظرة المادية التي لا تعترف الا بما تلتقط عبر حواسها، فالتصرّفات الغريزية البيولوجية يمكن رؤيتها عند الطفل. ان مجتمع فرويد هو الذي يوجّه للأخلاق والقيم، في حين أن الطبيعة تمنح الغريزة ومطلب اللذّة. أما نحن فندّعي أن الطبيعة تمنح الغريزة وتمنح الفطرة الى جانبها (يقول تعالى: "فألهمها فجورها وتقواها")، والمجتمع هو الذي يوجّههما، فهو (المجتمع) يمكن أن يثير الغريزة ويضعف الفطرة، وكذلك يمكنه أن يضبط الغريزة وينمّي الفطرة. ولأن هذه الفطرة كلها حسن، فإننا نسعى الى احيائها والدعوة الى تنميتها منذ سنوات الطفل الأولى عبر التربية، بعكس ما تدعو اليه المادية التي تفطن لها في جيل متأخّر، وحتى وان فطنت لها فإنها لا تعيرها ذاك الاهتمام الذي يليق بقدرها. ولكننا نقول أن الطبيعة تبقى حيّة بدرجة معينة، مهما فعلت البيئة لاستئصالها أو لمحقها، وكما أن فرويد يقول أن كبت الغريزة لن يدوم وأن الطبيعة لا بد لها أن تنتصر، فكذلك نقول أن الفطرة لا يمكن أن تُكبت طويلا، ولا بد لطبيعتها أن تنتصر.

30.6.14

تأمّلات في الميلاد


عندما نتحدّث عن الولادة، فإن أول ما يتبادر الى الذهن هو ولادة الطفل، ولربما ثاني ما يخطر على البال هو ولادة كائن حي آخر غير الانسان. الا أن مفهوم الولادة لا ينحصر في مثل هذه الظواهر الطبيعية، ولكن يتعدّاه ليشمل ولادة شهر، ولادة كتاب وحتى ولادة مصلحة تجارية. هذا المفهوم يرمز الى البداية، الى الشروق، الى النقطة الأولى في الطريق. هذا الميلاد الذي يمنح الحياة والنبض، هذا الميلاد الذي يُخرِج من الحيز الغير موجود الى الحيز الموجود، يُعتبر نقطة فاصلة ولذا يحظى بأهمية في المنظار الانساني. وتُضفي هذه الأهمية نكهة خاصة على تواريخ الميلاد: ميلاد الانسان، ميلاد الحيوان، ميلاد التقويم الميلادي أو الهجري، ميلاد الحياة الزوجية وغيرها. 

هذا الميلاد يرتبط بالزمن، فهو ليس لحظة فارقة في الفراغ، وانما لحظة فارقة في الزمن. لذا، فإن هذا يعني وجود زمن ما قبل الميلاد ووجود زمن أثناء الميلاد (وقت الولادة) وزمن ما بعد الميلاد. الزمن ما قبل الميلاد يشمل الترقّب والتحضيرات التي تُبذل في سبيل اتمام عملية الولادة على أكمل وجه، فلولادة طفل، تتغذّى المرأة غذاء ملائما، تحافظ على صحتها وتُجري الفُحوصات اللازمة. ولبناء (لولادة) بيت، يهيئ الشخص قطعة أرض ويبدأ ببناء بيته لبنة لبنة حتى يُعلن اتمامه. في هذه الفترة (فترة ما قبل الميلاد) تظهر الثنائيات، اذ نرى مخاوفا وشكوكا من جهة وتشوّقات وآمالا من جهة أخرى. مخاوف وشكوك تتعلّق بمعيقات في الطريق الى الولادة، والتي يمكن أن تهدّد وجود الولادة، فتؤثّر عليها سلبا أو تجهضها. وتشوّقات وآمال جراء انتظار ميلاد فجر جديد وحياة جديدة.

وتستمرّ الثنائيات أيضا في فترة الميلاد نفسها - أي وقت الولادة - وما بعدها، ولذا تصطبغ الولادة بثنائية تحمل معنيين متضادين. فمن جانب أول، تُعتبر الولادة حدثا مُفرحا، اذ هي تمنح الحياة، وتُخرج مولودا جديدا وأملا جديدا الى هذا العالم. انها اضافة وبناء! ولكن من جانب آخر، الولادة تعني بدء مسيرة الحياة واستئناف الطريق المحفوفة بالمخاطر والأتعاب. فالطفل منذ الولادة يُقذف الى واقع الحياة، واقع غير كامل وهو بعيد عن أن يكون جنة الله على الأرض، ففيه النواقص وفيه الأخطار. الطفل يمكن أن يجوع، يمكن أن يتألّم، يمكن أن يمرض وهذه أمثلة على نواقص يُقذف الطفل اليها دونما اختيار منه. ويمكنه أن يتعرّض لأذى على أيدي من هو أقوى منه (اعتداء من انسان أو حيوان أو حتى كارثة طبيعية). بهذا المعنى تصير الولادة مرادفة لبداية مسيرة الكدّ والتعب. يتحدّث بعض الأخصائيين النفسيين عن ما يُسمّونه بصدمة الميلاد. أتو رانك "يعتبر الميلاد أول وأهم خبرة للانفصال تمر بالإنسان وتُسبّب له صدمة مؤلمة، وتثير فيه قلقا شديدا. وقد سمّى رانك هذا القلق الذي تُثيره صدمة الميلاد بالقلق الأولي. ويستمر هذا القلق مع الانسان فيما بعد، وتأخذ أجزاء منه في الانسياب طوال الحياة. ويفسر رانك جميع حالات القلق التالية، على أساس قلق الميلاد، فهي عبارة عن تنفيس أو تفريغ لانفعال القلق الأولي. والانفصال عن الأم هو الصدمة الأولى التي تثير القلق الأولي. ويصبح كل انفصال فيما بعد من أي نوع كان مُسبّبا لظهور القلق. فالفطام يثير القلق لأنه يتضمّن انفصالا عن ثدي الأم، والذهاب الى المدرسة يثير القلق لأنه يتضمّن انفصالا عن الأم، والزواج يثير القلق لأنه يتضمّن الانفصال عن حياة الوحدة" (د. عثمان نجاتي في تقديمه لكتاب فرويد بعنوان الكفّ والعرض والقلق). 

واذا ماثلنا ميلاد شهر رمضان بميلاد طفل، فإننا نصل الى رؤية مشابهة. فعندما يولد هذا الشهر الكريم، تتحمّس النفوس وتتأهّب مستقبلة اياه بكل حفاوة وترحاب. وتُبعث رسائل التهاني وتُطلق المفرقعات تعبيرا عن الفرح بقدومه. انه فرح بقدوم تغيير في الحياة. انه فرح بموسم تكثر فيه الخيرات والبركات. انه فرح بمناسبة منتظرة. الا أنه الى جانب هذا الشعور يترافق قلق من جرّاء اعلان بدايته. قلق يرتبط بمسيرة الكدّ التي يستوجبها حضوره، فبداية رمضان تعني صيام ثلاثين يوم، وربما تتراءى لنا ثقيلة في مثل هذا الجو الحار والنهار الطويل. وبدايته تعني تكثيف الطاعات وتكثيف الانتهاء عن المعاصي، وكل ذلك يحتاج الى جهد جهيد. فهي ثنائية تلازم الولادة أينما وُجدت، وكما أن ولادة الطفل تحمل مشاعرا ايجابية الى جانب تلك السلبية (كالقلق مثلا)، فكذلك ولادة شهر رمضان (كولادة أي شيء آخر) تحمل ذاك المزيج المشاعري، اذ أن الفرح بقدوم هذا الضيف الجديد، لا ينفي اشتعال القلق (محور من محاور القلق مثلا: هل سأتمكّن من اغتنام هذه الفرصة كما ينبغي؟!).

29.6.14

مواجهة التطرّف


انطلاقا من قوله تعالى: "إِنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ" (الرعد، 11)، لطالما آمنت أن التغيير يأتي من الداخل قبل قدومه من الخارج، إذ لو فرضنا جدلا أن تغييرا قد بدأ من الخارج، فإننا نحتاج بعد ذلك الى من يقود ويحفظ هذا التغيير. اذا لم يحدث تغيّر داخلي، فمن سيقوده ويحافظ عليه ويطوّره؟! لذا، من الحريّ بنا قبل أن نُلقي اللوم كل اللوم على الآخر ونحمّله مسؤولية تخلّفنا، أن ننظر الى داخلنا، الى الوهن الذي أصابنا، الى الأمراض التي أصابتنا، لنميّزها فنحاول معالجتها! احدى هذه الأمراض هو مرض التطرّف الذي أصاب بعض الشباب المتحمّسين، ظانّين بذلك أنهم يُعيدون مجد الإسلام والمسلمين، فخرّبوا أكثر مما أصلحوا، وساهموا في تشويه صورة الإسلام وبذلك ساعدوا من يفتري على الإسلام أنه دين الإرهاب والقتل!

يقول عليه الصلاة والسلام: "إيّاكم والغلو في الدين، فإنما هلك من قبلكم بالغلو في الدين"، ويقول أيضا: "هلك المتنطعون" قالها ثلاثاً، ويقول: "لا تشددوا على أنفسكم، فيُشدَّد عليكم، فإن قوماً شددوا على أنفسهم، فشُدد عليهم". ويقول تعالى: "قل يا أهْل الكتابِ لا تغْلوا في دينكم غيْر الحقِّ ولا تتَّبِعوا أهواء قومٍ قدْ ضلُّوا مِنْ قبل وأضّلُّوا كثيراً وضلُّوا عن سواءٍ السّبيل" (المائدة، 77). ولا حاجة بعد هذه الأحاديث والآيات الى اعادة التأكيد على خطورة التطرّف وضرورة معالجته، لأنه مرض فتّاك يمكن أن يُبقينا في الخلف رغم رغبتنا الجامحة بالتقدّم! ان المسألة التي تبقى مفتوحة هي كيف نعالج هذا التطرّف. وبكلمات قليلة تماشيا مع قصر المقالة، أودّ أن أقول أنه ينبغي معالجة هذا التطرّف عن طريق نقده، بيان هشاشته، التحذير منه، وفي نفس الوقت، طرح البديل الذي نرنو إليه، البديل المعتدل والوسطي. إلا أنه علينا أن نحذر من أن نواجه التطرّف بتطرّف آخر، فنبدأ نلعنهم أو نُشهّر بهم لينتهي الأمر بالاعتداء عليهم أو حتى اراقة دمائهم. اننا بذلك نُكرّر خطأهم، وانما الواجب ضمّهم ومحاولة تغييرهم، على أمل أن يعودوا الى رشدهم.

28.6.14

التاريخ المُنتقى، الحاضر المُصفّى


التاريخ يخدم مصالح المُسيطر في الغالب، وهو بعيد عن أن يكون مرويا بصورة حيادية. فكل دولة تُشبع مواطنيها الرواية التي تراها مناسبة، الرواية التي تراها تخدم مصالحها، لتحافظ على سيطرتها، هيمنتها، "هجمونيتها" (Hegemony)، وتُلغي كل الروايات الأخرى أو تعتبرها غير موجودة على الأطلاق! ان التاريخ صار يُتلاعب به، وبدلا من أن يكون غاية، أضحى أداة رخيصة بأيدي الحكّام والمسيطرين، ولهذا تعدّدت الافتراءات عليه. انه يُزرع به أشياء لم تكن موجودة، وينفى منه أشياء أخرى كانت موجودة أو يُتنكّر لها، ليصير تاريخا منتقىً! فما يخدم المصالح يدخل وما لا يخدمها يُلقى به في مزابل التاريخ دونما رحمة! ومثالنا على ذلك، الحضارة الغربية التي تُركّز على عصور الظلام حيث قُمع العلم في أوروبا وقُمع الفن في الاتحاد السوفييتي، وكيف أن النهضة التي جاءت، أسدت للبشرية كلها الخير كله، وأخرجت العالم من الظلام الى النور. وليس هذا تاريخا دقيقا! انه تاريخ مُنتقى يخدم مصالح المُسيطر، إذ في الوقت الذي كانت فيه أوروبا تعاني من عصور الظلام، كانت الحضارة الإسلامية في ذروتها! وعندما ينسبون اختراعا فإنهم يتغاضون عن الأصل، في حين كان لما توصّل إليه المسلمون دورا كبيرا في التقدّم الذي حدث في أوروبا. على سبيل المثال، خوارزميات الخوارزمي التي وضعت أساسيات علوم الحاسوب، القانون في الطب لإبن سينا وغيرها من علوم وفلسفات أُخذت أو سُرقت دون أن يُذكر مصدرها في أحسن الأحوال!

والحاضر كذلك يتم تصفيته من الشوائب التي لا تُعجب المُسيطر. الأكثرية لا تكاد تتعرّض للأقلية في حديثها الا عندما تُعطيها الشعور أنها درجة ثانية، كأن تُظهر شفقتها عليها أو أن تذكرها فقط في سياق الذمّ والسلبية! على سبيل المثال، في المحاضرات القائمة في الجامعات الإسرائيلية، المثال العربي لا يكاد يُضرب، في حين تعجّ المحاضرة بأمثلة من عالم المُسيطر، واذا ما ضُرب المثال العربي فإنه لا يُحسن إليه في الغالب وهو يُعرض بصورة مُشوهّة، ليُحطّ من قدره! ويمكن أن يكون هذا التشويه غير مقصود، إلا أن المُسيطر قد شُرّبه منذ صغره، مما يُصعّب عليه أن يتحرّر منه!  

التمس لأخيك سبعين عذرا !


يقول جعفر بن محمد: "إذا بلغك عن أخيك الشيء تنكره فالتمس له عذرا واحدا إلى سبعين عذرا، فإن أصبته، وإلا، قل لعل له عذرا لا أعرفه"، ولا أدري لماذا اُختير الرقم سبعين بالذات (وليس هذا مبلغ همّنا في هذه المقالة) ولكنّ العبرة في التماس الكثير من الأعذار، لما يبان لنا من فعل من نعرف! عندما نبدأ اتصالا جديدا بإنسان، نتوهّم للحظات أننا صرنا نعرف كل شيء عنه، خلال شهرين، في حين هذا وهم جلي، إذ هل يمكن اقتضاب تجارب كذا وكذا من السنين في شهرين؟! ثم هل يكشف الانسان كل أسراره في أول شهرين؟! وانني لأعتقد أنه لو دام الاتصال سنينا، فإنه ستبقى هناك أمور مخفية وستبقى هناك أسرار، ولذا حتى لو ما زلتَ تحفظ اتصالا كثيفا مع صديق طفولة، وتعوده في بيته عشرات المرات في الشهر، ولا تفارقان بعضكما في الهاتف، فلا تتوقّع واهما أنك تعرف كل شيء عن أسرار صديقك، عن أسرار بيته، عن أسرار نفسه، فلربما هو نفسه غير واعٍ لهذه الأسرار! الله وحده هو من يعلم كل الأسرار وما ورائها، "وإن تجهر بالقول فإنه يعلم السر وأخفى" (طه، 7).

ومن ثم نصير نُطلق الشكوك والظنون السيئة، رغم قلة علمنا حتى بمن نعرف حقّ المعرفة.

لماذا لا يأكل من خبزنا؟ لأنه لا يحبّنا بالتأكيد! ولم يخطر على بالنا أنه يمكن أن يكون عنده حساسية من القمح.

لماذا لا يطرح علينا السلام؟ لأنه لا يطيق رؤيتنا بالتأكيد! ولم يخطر على بالنا أنه كان ماشيا كالمغشي عليه لأن أمرا ما يشغله، أو أن عنده خلل في النظر. لماذا لا يُجالسنا؟ لأنه غير اجتماعي، غريب الأطوار! ولا يخطر على بالنا أنه مشغول في أمر هام.

لماذا يقوم من نومه في وسط الليل؟ لأنه شخص غير مفهوم، "الله يعينه على حاله". ولم يخطر على بالنا أنه ذاهب الى موعده الليلي مع ربّه.

لماذا لا نلتمس الأعذار؟! لماذا نُصرّ على تفسير أولي يحتمل الخطأ والصواب؟! وفي الغالب يحمل هذا التفسير اتهاما، شكّا، ظنّا سيئا، استهتارا بالآخر. أنفعل كل هذا من أجل أن نكون راضين عن أنفسنا؟! لننكر جهلنا؟! لنظهر أننا نعرف كل شيء عن من نعرف؟! انه وهمٌ (أننا نعرف كل شيء عن من نعرف) متبوع بوهم (أننا نملك التفسير الأكيد للتصرّف الذي يبدو لنا غريبا)، آن لنا أن نستفيق منهما!

التحوّلات الفكرية


 لا يمكن للإنسان أن يعيش في معزلٍ عن بيئته المحيطة، كما لا يمكنه أن يعيش في معزلٍ عن ذاته، فمهما اتّجه نحو الرهبنة والاعتزال، فلا بدّ له أن يحتكّ مع الطبيعة وبعض الناس ليُلبّي حاجاته الأساسية! ولو فرضنا أنه اعتزل بيئته كل الاعتزال، فإنه لا يمكنه أن يعتزل نفسه التي بين جنبيه. والبيئة المحيطة والذات الانسانية هما ديناميتان، بمعنى أنهما لا تستقران على حالة معينة، فالبيئة يمكن أن تكون فقيرة لتتحوّل الى غنية، ويمكن أن تكون خانعة لتتحوّل الى ثورية ويمكن أن يكون جسم الانسان معافىً ليتحوّل الى المرض وهكذا. لذا فإن الانسان مُعرّض دوما لهذه التغييرات وتأثيراتها (تأثيرات التغييرات) على فكره، آرائه ومواقفه! خنوع البيئة يُساهم في الغالب في خنوع الانسان، تمرّد البيئة يُساهم في تمرّد الانسان!

واذا كان العنصران الديناميان (البيئة والذات) يؤثّران على عنصر ثالث، فإنه سيكون ديناميا هو الآخر لا محالة! ان الفكر الإنساني سيكون ديناميا في بيئة دينامية! الآراء، المواقف، وجهات النظر، ستكون كذلك! اذا، لماذا نستغرب تبدّل المواقف وتغيّرها عند الأشخاص؟! ونسارع الى اتهامهم بالتناقض وبالمراءاة وبالتلّون ولربما نخوّنهم وندّعي أنهم خائفون مهادنون! هذا التحوّل يمكن أن يكون تطوّرا حقيقيا في فهم الأمور، فعندما تحدث ثورة وتُؤتي ثمارا أولية، يبدأ الناس يؤمنون مجدّدا بإمكانية التغيير ويزول واقع الخنوع، وعندها يمكن للآراء والمواقف الثورية أن تظهر. ان الواقع قد أعطى درسا للناس، فمنهم من عقل هذا الدرس واستخلص المغزى، ولذا نرى عنده تغيّرا في المواقف! أفنعتبر هذا تلوّنا؟! أم نعتبره تراجعا؟! انه أقرب ما يكون الى التطوّر! واذا أخذنا مثال الشخص الذي حلّت به مصيبة (مات له قريب، مرض جسدي مزمن ...) وكنتيجة لذلك تحوّل الى الإيمان ورجع (أو بالأحرى تقدّم) الى الدين. أفنعتبر هذا تلوّنا؟! اننا بذلك نُجهض كل امكانية لتطوّر الفكر الإنساني دون أن ندري ومن ثم نسأل لِمَ لا نتقدّم، لِمَ لا نتطوّر؟!
 

أفكار أم أشخاص ؟


 نلاحظ كثيرا في النقاشات التي تدور في الحياة اليومية أو على صفحات التواصل الاجتماعي، كلاما فيّاضا عند الحديث عن الأشخاص، وان حدث وعرض أحدهم أفكارا، فإن المعقّبين يأخذون كتابته الى التشخيص، مُبرزين بذلك عجزهم عن نقاش الأفكار، وردّ الحجّة بالحجّة والدليل بالدليل والفكرة بالفكرة. وعندها يمكن أن نرى تعليقات مادحة مثل: "انت شخص عظيم"، "بطل"، "عظمة على عظمة يا كبير"، أو تعليقات ذامّه مثل: "انت انسان غبي"، "انت مش فاهم شو بتحكي"، "انت مريض نفسي" وغيرها من المسبّات والتّهم والادّعاءات الباطلة الموجّهة الى عين الشخص، متفاديةً بذلك كل الأفكار التي طرحها الكاتب من خلال مقالته.

واذا استمعتَ الى حديث نسوة أو رجال، فإن ذكر الأشخاص ومثالبهم وأحيانا قليلة مناقبهم، لا يكاد يفلت من الجلسة. وهنا يقع الجالسون في الغيبة والنميمة، وليس هذا فحسب، وانما ينحدر الحوار الى مستويات خفيضة، وأحيانا تُنتهك الأعراض وتعلو القهقهات على فلان وعلان، وعالم الأفكار لا يُطرق بابه! اننا لا نريد أن نجعل جلساتنا كلها حلقات فكرية، إذ أن النفس تملّ وتتعب وتبحث عن مُتنفّس، وانما يمكن أن تحتوي هذه الجلسات وتلك النقاشات الفيسبوكية على تجارب حياتية، على وصف ظواهر مُلفتة للنظر صناعية أو طبيعية، على حديث عن آلام، طموحات، آمال، ذكريات جميلة! ولكنّ المشكلة تبرز عندما نحرم أنفسنا من لذّة الفكر والتفكّر، عندما نحرم أنفسنا من تذوّق عالم الأفكار، عندما نحرم أنفسنا من النقاش الحضاري الراقي، ونجعل حواراتنا كلّها شحيحة، تافهة، وضيعة، في معزل عن الأفكار! ان هذه النقاشات وهذه الجلسات الفارغة لا يمكنها أن تصنع رجالا ليقودوا التغيير في مجتمعهم، انها لا يمكن أن تُعلي الهمّة، ولا أن تحرّك تغييرا في الأمة. إذ لا يمكن لمن هو عاجز عن انشاء نقاش حضاري ثقافي، أن يقود أمّته للتحضّر وللتثقّف. كيف يقود تغييرا مجتمعيا، ان كان عاجزا عن قيادة تغييرا شخصيا؟! يقول تعالى: "إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم" (الرعد، 11).

ويصف مالك بن نبي في كتابه "مشكلة الأفكار في العالم الإسلامي" الفكر الجاهلي المحصور بعالم الأشخاص والذي وان كان فيه من عالم الأفكار (كما في المعلقات)، إلا أنه يبقى يستقي أفكاره من عالم الأشخاص:

أضعف الايمان: الطريق حقه!


انه لمن دواعي حزني أن أرى اهمالا لأضعف الإيمان واهتماما (أو اظهارا بالاهتمام) بدرجات أعلى من الإيمان. كيف يمكن أن ينبني الهرم دون القاعدة؟! كيف يمكن صعود السلم دون الدرجات الأولى؟! هل هي استهانة بالدرجات الأولى؟! هل الدرجات الأولى للصغار، للمبتدئين؟!

يقول عليه الصلاة والسلام: "الْإِيمَانُ بِضْعٌ وَسَبْعُونَ أَوْ بِضْعٌ وَسِتُّونَ شُعْبَةً, فَأَفْضَلُهَا قَوْلُ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ, وَأَدْنَاهَا إِمَاطَةُ الْأَذَى عَنْ الطَّرِيقِ, وَالْحَيَاءُ شُعْبَةٌ مِنْ الْإِيمَانِ". ان اماطة الأذى عن الطريق هي أدنى شعب الإيمان وفقا لنص الحديث، أي أن أدنى درجات الإيمان اماطة الأذى عن الطريق. والأذى يمكن أن يكون كل ما يُؤذي الناس، بدءً بقشرة موز أو حجر، وانتهاءً بسيارة تُغلق الطريق الداخلة الى فناء المنزل. كيف يمكن لمن يأتي الى الصلاة مهرولا، أن يُغلق فناء منزل؟! ألا يخطر على باله، أنه يمكن أن يحدث أمر طارئ أثناء الصلاة حتى لو استمرّت عشر دقائق؟! ان اماطة الأذى عن الطريق أدنى شعب الإيمان، فكيف بمن وضع الأذى في الطريق؟! كيف بمن أغلق طريقا؟! انه ذاهب الى تحقيق أعلى شعب الإيمان، الى المسجد، ليقول: لا إله إلا الله، وفي نفس الوقت، يعجز عن تحقيق أدنى شعب الإيمان؟! هل يستقيمان؟!

ان الانسان يمكن أن يغفل أو أن ينسى أو أن يسهو (فالسهو يمكن أن يحدث في الصلاة)، الا أن تكرار الخطأ وتكرار اضافة الأذى الى الطريق ينمّ عن مشكلة معينة! انها مشكلة في فهم الدين! في الاستهانة بالناس، تعظيما لرب الناس (خلل في التعظيم)! في حصر الدين في المسجد، وجثوم الدنيا على الخارج! انه زرع (أو محاولة لزرع) الايمان في المسجد، لا يؤتي أُكُله خارجه! انه ايمان نظري، بعيد عن التطبيق العملي! ألسنا نُقرّ أنْ "ليس الإيمان بالتمنِّي ولكن ما وقَر في القلب وصدّقه العمل". الايمان تربية، قول وعمل، فيه تهذيب للسلوك وهو حالة ملازمة للإنسان، يؤتي أُكُله في كل موقف. الفطرة، التربية الايمانية من شأنها أن تدفع بالإنسان الى نبذ مثل هذا التصرّف: اغلاق مداخل البيوت ووضع الأذى على الطرقات!

ان غدا لناظره بعيد!


يقول قراد بن أجدع الكلبي: "فإن يك صدر هذا اليوم ولى، فإن غدا لناظره قريب"، ومعنى لِناظِرهِ أي لِمُنتَظرِه، يُقال: نَظَرْتُه أي انتظرته. أي أن من ينتظر غده بفارغ الصبر، فإنه سيأتي مُسرعا مُقبلا غير مُدبر، ومن يعدّ الدقائق، فلن يستشعر الوقت، إذ سيأتيه المُنتظَر على بساط من ريح! أليس يبدو هذا المعنى غريبا؟! ألا تفوح منه رائحة التناقض؟! كيف يمكن لمن يعدّ الدقائق منتظرا، أن ينسى الوقت فيبان له قُرب الغد؟! وفقا لمبلغ علمنا، فإننا نعرف أن الإحساس بالزمن يختلف من وضع الى آخر، تَبَعا للتقلّبات النفسية والمزاجية، فعندما نكون في قمة السعادة، يمكن أن ننسى الساعة، لنتفاجأ بمرور خمس ساعات على ما نعمله. ذلك يمكن أن يحدث في لحظات الاندماج القوي والانسياب مع ما نعمل. وأحيانا أخرى، عندما نملّ أو نحزن، نشعر وكأن عقارب الساعة لا تتحرّك، وأن النهار لن ينتهي. في هذه الحالة، نكون متركّزين في أنفسنا، في ساعتنا البيولوجية، في ساعتنا اليدوية.

قائل هذا البيت (قراد)، كان قد كفل الطائي، ليتمكّن (ليتمكّن الطائي) من توديع أهله قبل أن يقوم النعمان بقتله، وما حدث أنه ظلّ واقفا ينتظر الطائي، ولما اقترب الأجل وقبل ساعات من تنفيذ الحكم، قال بيت الشعر أعلاه. انه كان ينتظر قدوم الطائي، حتى لا يُنفّذ عليه حكم القتل، ولأن من عادة العرب الوفاء بالعهد، إذا بالطائي يأتي ما قبل نفاذ الوقت. بالعادة، من ينتظر ويعدّ الثواني، يكون متركّزا في نفسه، في ساعته كما أسلفنا، ولذا يشعر بتثاقل الوقت وبطئه، لتصير الساعة، ساعات في شعوره الداخلي، وليصير اليوم أياما والشهر شهورا. انها حالة مراقبة الوقت وانتظاره. قراد كان منتظرا الفرج، كان منتظرا النجاة من الموت، من الإعدام، ويمكننا أن نقول أنها نوع من المواساة استعملها قراد ليُصبّر نفسه على ضيقه وعلى مصيبته. ونحن نستعمل هذه الأيام أقوالا قريبة من قول قراد، عندما نقول: "اللي مضى من الوقت أكثر من اللي بقى"، "صبرنا كل هالوقت، ومش راح نقدر نتحمّل هلساعتين"! أي ان قولا مثل: "إن غدا لناظره قريب"، يكشف عن آلية من آليات الدفاع عن النفس (المواساة)، في حين أن ذلك لا ينفي الاحساس الباطني بتثاقل الوقت "ان غدا لناظره بعيد!".

شاهدني ودعك من أين أتيت!


كثيرا ما ردّدنا بيت الشعر: "لا تقل أصلي وفصلي يا فتى، إنما أصل الفتى ما قد حصل"، الذي يتوجّه الى المتكلّم، وغفلنا عن الطرف الثاني في العلاقة الإنسانية وهو المستمع، إذ كان من الأحرى تسطير بيت شعر للطرف الثاني من مثل: لا تنظر الى أصلي وفصلي يا فتى، إنما أصل الفتى ما قد حصل! فكما نطلب من المتكلّم أن يدع أصله وفصله، وأن يُحدّثنا عن مجموعه (ماضيه، حاضره وطموحاته)، نطلب كذلك من المستمع أن ينظر الى المتكلّم، تاركا كل الخلفيات وكل الآراء المُسبقة وكل القوالب التي من شأنها أن تُصنّف بصورة مُستعجلة قبل أن تتم مشاهدة كيان الشخص، انفراده، شخصيته المميّزة! ان هذه المعلومات المُسبقة يمكنها أن تعمي، أن تصمّ الآذان قبل مشاهدة الكيان الإنساني، لأن تأثيرها قوي وغالبا ما تتسرّب الى اللا واعي وأحيانا الى الواعي لتؤثّر على حكمنا على الأشخاص! لذا، لكي نتمكّن من الدخول صافيين الذهن، مُنصتين، مُشاهدين للإنسان الذي أمامنا، فإنه يجدر بنا أن نسمع منه أولا، أن نراه بثّا حيّا ومباشرا، دونما واسطات، حتى اذا أخذنا عنه صورة أولية، يمكننا وقتها النظر في ما يُقال عنه (مع الحذر من التلفيقات والتحريضات المبنية على أهواء شخصية). باختصار، اسمع مني قبل أن تسمع عني!