13.7.14

تأمّلات في الصلاة


اننا نؤمن بالغائية التي تعني أن لكل أمر غاية وحكمة، وأسئلة مثل، لماذا خُلق الكون؟ لماذا خُلقت الحياة؟ لماذا الشقاء والتألّم؟ هي أسئلة تبحث في الغائية. وأسئلة مثل، لماذا الصلاة؟ لماذا الصيام؟ هي كذلك أسئلة تسأل عن الغاية. واذا كانت الصلاة تتكوّن من عدة هيئات، فانه يمكننا أن نقول أن اذا كان للصلاة غايات كلية، فإن لهيئاتها غايات جزئية. ولسنا نبحث عن الغايات بشكل عام، ولكننا نتركّز في الغايات النفسية من الهيئات المختلفة. 

الصلاة ترمي الى احياء الروح وصيانة الفطرة وتهذيب الغريزة. وهي مدرسة روحانية، توجّه تفكير الانسان، احساسه وسلوكه. ويمكننا أن نضرب اليوغا كمثال مقابل للصلاة، رغم أنه لا مجال للمساواة بينهما، اذ أن الصلاة مؤيّدة بوحي رباني ولمصلّيها أجر. اذا تمعّنا في الاستقامة، وجدنا أنها بداية التعظيم، اذ أن الوقوف يعكس اهتماما واحتراما. فعندما يسقط شهداء نقف دقيقة صمت حزنا على فقدانهم، وعندما يريد مُستمع أن يسأل محاضرا فإنه ان وقف أعطى هيئة مختلفة للسؤال، واذا ما قدم شخص ذو أهمية فإن الجالسين يقفون لاستقباله. والوقوف بين يدي الله أعظم الوقوف لأنه يحمل هذه المعاني وأكثر. انه وقوف جسدي فالجسد منتصب والرأس مطأطأ اذعانا وتسليما لعظمة الخالق، ووقوف نفسي اذ نكفّ عن مجاملة من حولنا، ووقوف عقلي اذ يتعالى العقل عن الماديات، ووقوف روحي اذ الروح تُعلن قيامتها.

والركوع هو هيئة تزيد في التعظيم وتزيد في التسليم والاذعان. والممثل يركع أمام جمهوره في نهاية عرض المسرحية، ليعبّر عن شكره وامتنانه لهم، وليُظهر تقديره وتعظيمه لمجيئهم الى العرض ومكوثهم حتى آخره. والركوع بين يدي الله أعظم الركوع لأنه يحمل تسبيحات التعظيم، ولأنه يحمل شكرا وحمدا على ما لا يُحصى من النعم. أما السجود فهو غاية التعظيم وغاية الاذعان والخضوع، ولا نكاد نراه في أي نشاط آخر سوى التعبّد. انه نشاط خاص بالعبادة! وعندما يكون الانسان في الأسفل، عند الأرض، جميع أطرافه ملاصقة لها، يُطلق تسبيحات "سبحان ربي الأعلى"، الموجّهة الى السماء. انه عبر هذه الهيئة يدخل في أسمى معاني العبودية (عبر الالتصاق بالأرض)، وبالمقابل، يُظهر أسمى معاني التعظيم والتبجيل (عبر التسبيحات). انه في هيئة السجود يكون الانسان في مكانته الحقيقية في هذا الكون، انه يكون في مكانته الحقيقية أمام عظمة خالقه. ولذلك يقول النبي صلى الله عليه وسلم: "أقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد".

والصلاة تفعّل مركّبات الانسان الأربع الأساسية: الجسد، العقل، النفس، الروح. فالجسد غير جامد، وانما يستقيم، يركع، ينحني ويسجد. انه متواجد في حركة مُتناغمة مُنظّمة، وهو يعرف الخطوات القادمة، ويتذكّر الخطوات السابقة. والعقل يتفكّر ويتأمّل ويتدبّر في آيات القرآن، ويخاطبه ربه فيقول له في صلاته: "أفلا يعقلون"، "أفلا يفقهون"، "أفلا يتدبّرون". والنفس تتأثّر من وقع تلاوة القرآن والتسبيحات وذاك الصف المتكاتف وتلك الحركات المضبوطة. والروح - وهي المركّب الذي يأخذ مركزية في الصلاة - تتفعّل، لأن الانسان يخرج من دائرة الماديات، ويفرغ ذهنه من الأشغال الدنيوية، ليسيح في فضاء حرية الروح. انها لحظات يمكن للإنسان فيها أن ينسى الركض المستمر في هذه الحياة، ليقف وقفة ويأخذ فاصلا من عناء التفكير الدنيوي ومن عناء الركض. ان الصلاة بهذا المعنى تدريب للجسد، للعقل، للنفس وللروح.   

والصلاة هي ملك الجميع، ولا تختص بها فئة دون غيرها. فهي ليست كالزكاة يُعافى منها الفقراء، وهي ليست كالصيام يُعافى منه المرضى. انها لا تحتاج الى مهارات عالية، ولا الى تعليم أكاديمي، ولا الى دفع أموال كدورات اليوغا. ولكنها تحتاج الى انسان! ان كل انسان يمكنه أن يمارسها، غني أو فقير، معافى أو عاجز، أكاديمي أو فلاح، ولذا فهي تُظهر قيمة المساواة في أبهى صورها. فالغني والفقير، والرئيس والمرؤوس، والكبير والصغير، والأكاديمي والفلاح، كلهم متساوون عند وقوفهم بين يدي الله. ويأخذ العلماء درجة أو درجات على العامة اذا ما استعانوا بعلمهم في التفكّر والتأمّل، ولكن هذا لا يظهر في الصلاة بشكل جلي، فالتفضيل هنا يبقى سرا بين العبد وربه. 

10.7.14

تأمّلات في الكون


اذا تأمّلنا في الكون، وجدنا فيه آيات تنطق بالحق وتشير الى الحقيقة. ولقد زادت الاكتشافات العلمية من الآيات المُدركة، اذ عُدنا نرى كواكب لا يمكن رؤيتها بالعين المجرّدة، وصارت المراكب الفضائية تصل الى مناطق بعيدة خارج كوكبنا، والأقمار الصناعية تُلقي بالمعلومات الكثيرة الى العالم الانساني. رغم ذلك نرى مدّا الحاديا! أفهي الآيات توقّفت عن النطق بالحق أم أنها صارت لا تجد من لا يُلقي لها بالا؟! ان الآيات الكونية موجودة منذ خلق الله الكون، ولكن الذي يختلف هو تفسير الانسان لهذه الآيات، فبينما اعتبر ثلة من الأقدمين الشمس على أنها آلهتهم، نعتبرها اليوم نجمة واحدة من نجوم كثيرة، وهي أقرب النجوم الينا ولذا يصلنا ضوؤها وحرارتها. ان الآية ظلّت موجودة ولم تختلف ماهيتها، ولكن التفسير الانساني هو الذي اختلف. يقول تعالى: "وكأين من آية في السماوات والأرض يمرون عليها وهم عنها معرضون" (يوسف، 105). ورد في التفسير الوسيط: "العبرة والعظمة الدالة على وحدانية الله وقدرته، يمر بها هؤلاء المشركون فلا يلتفتون إليها ، ولا يتفكرون فيها ، ولا يعتبرون بها ، لأن بصائرهم قد انطمست بسبب استحواذ الأهواء والشهوات والعناد عليها".

انه عندما يذهب أحدهم الى معرض رسوم فنية، فتعجبه وتشدّ أنظاره لوحة من اللوحات، فإن ذلك يدفع به الى أن يسأل عن راسمها، عن مالكها، عن موجِدها. ان الانبهار أثار حبّ الاستطلاع عنده، مما دفع به الى البحث والتنقيب عن موجِد هذا الابهار. كذلك عندما تبهرنا البحار على ضخامتها وقوة أمواجها، وعندما تبهرنا الشمس التي تضيء كل شيء، وعندما تبهرنا الشلالات الضخمة، تطفو عندنا وعند كل عاقل أسئلة حول موجِد هذه الموجودات. من أوجدها؟! من أوجد هذه البحار والمحيطات؟! من أوجد الجبال المُخيفة؟! من أوجد الحيوانات الكثيرة أنواعها؟! من أوجد تركيبة الهواء التي تناسبنا؟! من أوجد الجاذبية التي تناسبنا؟! من أوجد الليل الذي يُسكِننا؟! من أوجد الحبّ؟!

أيمكن لهذا الكون المُحكم في تنظيمه، المُعجز في تركيبه، المبهر في مرآه، أن يكوّن نفسه بنفسه؟! انه لا يُعقل أن تقوم المادة العمياء، بهذا التخطيط وهذا التنظيم! هل يمكن لإنسان أن يوجد هذا الكون؟! هل يمكن لكائن حي آخر يعيش في زماننا ومكاننا أن يوجده؟! أرونا اياه ان كنتم صادقين! هذه الأسئلة التي تبحث عن موجِد لهذه الموجودات المصمّمة تصميما ذكيا، توصلنا الى برهان التصميم أو البرهان الكوني (Design/ Cosmic Argument)، والذي وفقا له: "بنية الكون وقوانينه تدل على وجود المصمم الذكي أو الإله الخالق" (كتاب رحلة عقل). كما أن التلاؤم والانسجام بين الانسان وعالمه، وكون الانسان يستطيع أن يعيش في هذا الكوكب، ليدلّان على وجود من هيئ الانسان وهيئ هذا العالم، ليكون بإمكانه العيش فيه. انه ليس حدثا اعتباطيا، ولكنه مصمّما ومحسوبا. وهذا يُوصلنا الى البرهان الثاني الذي يُدعى مفهوم المبدأ البشري (Anthropic Principle)، حيث يعني: "أن الإله قد صمّم الكون على هذه الهيئة ليكون مناسبا لنشأة الحياة بصفة عامة، ونشأة الانسان بصفة خاصة" (نفس المصدر السابق).

قسم من الناس يرى قدرة الخالق في هذه الآيات الكونية، وتزيده ايمانا كلما أمعن النظر فيها وتفكّر. انها بالنسبة له ذكرى، وكما أن القرآن عنده هو كتاب الله المسطور، فالكون بالنسبة له كتاب الله المنظور. يقول تعالى: "إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآيَاتٍ لِّأُولِي الْأَلْبَابِ (190) الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَىٰ جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَٰذَا بَاطِلًا سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ" (آيات 190+191 من سورة آل عمران). قسم آخر يُعرضون عن هذه الآيات كما قلنا سابقا، اما بوعيهم واما بغير وعيهم. والقسم الثالث هم من أقنعوا أنفسهم بتفسير غير منطقي، كقولهم أن كوننا قديم ولا بداية له، لكن العلم أقرّ بوجود بداية لهذا الكون! وعندها لجأ الملاحدة الى القول بأن لكوننا بداية ولكنه لا يحتاج الى موجِد أول! وكلما سُدّ عليهم باب فتحوا بابا آخر واستمروا يُطلقون الفرضيات الهشّة. ولكن لئن سئلت أحدهم من أوجَد تلك الصورة الفنية المعلّقة في المعرض، لقال لك مؤكّد أنه فعل انسان. أما حين تسأله وفقا لنفس المنطق، من الذي أوجد الموجودات في عالمنا، فإنه يسوغ حسب رأيهم أن لا يكون موجِد لها! 

8.7.14

تأمّلات في المجتمع الصناعي


المجتمع الصناعي هو ذاك المجتمع الذي يرفع من شأن الآلة ويقدّسها، وهو بتقديسه هذا يقدّس الانتاج. وهو نابع ولا ينفكّ يغذّي مبناه الاجتماعي من النظرة المادية، التي تُعلي الكمّ على الكيف، والمادة على الروح، والظاهر على الباطن. واذا نظرنا الى نقطة نشأة هذا المجتمع الصناعي، أي الى الثورة الصناعية، نرى أنها تنصبغ بالمادية بشكل واضح. فلماذا سمّوها ثورة صناعية؟! ألأنها تصنع أخلاقا؟! أم لكونها تصنع روحانية وتأمّلات فكرية؟! انها ثورة في صناعة الماديات.

الفيلسوف علي عزّت بيجوفيتش يوضّح لنا الفرق بين الثقافة والحضارة في كتابه "الاسلام بين الشرق والغرب"، فهو يرى أن "الثقافة تبدأ بالتمهيد السماوي بما اشتمل عليه من دين وفن وأخلاق وفلسفة، وستظل الثقافة تُعنى بعلاقة الانسان بتلك السماء التي هبط منها، فكل شيء في اطار الثقافة اما تأكيد أو رفض أو شك أو تأمّل في ذكريات ذلك الأصل السماوي للإنسان". أما الحضارة فهو يُعرّفها على أنها "استمرار للحياة الحيوانية ذات البعد الواحد، التبادل المادي بين الانسان والطبيعة. هذا الجانب من الحياة يختلف عن الحيوان فقط في الدرجة والمستوى والتنظيم. هنا لا نرى انسانا مرتبكا في مشاكله الدينية، أو مشكلة "هاملت" أو مشكلة "الإخوة كرامازوف"، انما هو عضو المجتمع الغُفل، وظيفته أن يتعامل مع سلع الطبيعة ويغيّر العالم بعمله وفقا لاحتياجاته". أي أن الثقافة تعلو على المادة وتتفوّق عليها، في حين أن الحضارة تبقى حبيسة الماديات. 

ان المادية تغلغلت الى القلوب وفي أحيان تمكّنت منها، وأثّرت على قراراتنا دون أن ندري حتى صارت موجّها لنا في كل مجالات الحياة. الشعائر الدينية نفسها لم تسلم من طغيان المادية! ولنضرب مثالا. أحيانا يفكّر الواحد منا، أن اذا كانت الصلاة في البيت تستغرق خمس دقائق، فلماذا نذهب الى المسجد ليأخذ ذلك ربع ساعة اضافية من الوقت؟! أليس من الصحيح الحرص على الوقت خصوصا وأننا في عصر السرعة؟! اذا أعدنا النظر في هذا التفكير وجدناه ماديا بحتا، اذ أن ما فعله العقل هو مقارنة كمّية بسيطة بين اقامة نفس العمل (في الظاهر) في البيت وبين اقامته في الخارج. ليستنتج أنه حيثما يوجد ربح أكثر (ربح أكثر للوقت) فذاك الخيار الأفضل.     

ولكن العقل المادي لا ينتبه الى عوامل أخرى تستعصي عليه، وربما يتجاهلها لأنها تُظهر عجزه. العقل المادي يستصعب فهم لحظات التأمّل ولحظات الخشوع. وهو يستغرب كيف لهذا الانسان أن يصفن ساعات في آية كونية دون أن ينتج شيئا محسوسا ودون أن يحقّق أرباحا ملموسة! ويستغرب كيف له أن يقف ساعات بين يدي خالقه متجاهلا عجلات الانتاج حوله! ولو تفكّر ذلك الشخص الذي فضّل صلاة بيته على صلاة المسجد لحساب مادي بسيط، لفهم أن حسابه خاطئ، اذ صحيح أنه يوفّر وقتا، ولكن عمله في كلا الحالتين غير متطابق وبالتالي لا يُثمر عن نفس النتائج. ثم لو أردنا أن نحسب الأمور حسابا ماديا خالصا، لوجدنا أن الصورة تبقى ناقصة. فعلى سبيل المثال، ما الذي يفسّر استغراق مهمة في حالة معينة وقتا أكثر بكثير، من استغراق نفس المهمة معنا في حالة ثانية؟! اننا نعلم أنه تدخل عوامل كثيرة في التأثير على مدى تركيزنا، من مثل، مستوى اليقظة، المزاج النفسي وغيرها، واننا لنعتقد بوجود عوامل أخرى لم يتم الكشف عنها الى الآن. وذاك مثل الذي صرف وقتا أكثر في صلاة المسجد، اذ يمكن أن يستعيض عن هذا الوقت وزيادة عليه اذا ما شرح الله صدره للمهمة التي يودّ تنفيذها. اننا لا نُلغي وجود عوامل نفسية يستطيع الانسان ادراكها ولكننا أيضا لا نلغي وجود عوامل ما ورائية نعجز عن ادراكها.   

اننا لا نرفض المادية ولا نقدّسها. اننا نرى أنها جانب واحد من هذه الحياة، ولذا فإن التركّز بها دون غيرها، يقلّص الصورة ويجعلها ضيّقة. ان المادية تدخل في غالبية الأمور حتى في الشعائر الروحانية (عدد ركعات الصلاة، ساعات الصيام، عدد ختمات القرآن وغيرها)، ولكنها لا ينبغي أن تسيطر عليها ولا أن تكون همّنا الأول والأخير. الطبيعة على طبيعتها كلها ماديات ولكنها اذا ما التقت مع الانسان ظهرت أمورا أسمى، كالتأمّل والتفكّر والتسامي الروحي، وظهرت الثقافة ولم تبقَ مجرّد حضارة.  

6.7.14

تأمّلات في الطبيعة


اذا تأمّلنا في الطبيعة، وجدناها مرآة لطبيعة هذا الكون. فالسهول الخضراء والينابيع الصافية والجداول والأنهار والشلالات التي تُبهر الأنظار وتدفع بنا الى التقاط كمّ هائل من الصور، والأشجار على أنواعها والغابات والحيوانات والطيور، والبحار والمحيطات والجبال والتلال، تدخل كلها في الوجه الأول للطبيعة، وهو الوجه الحسن الخيري. الوجه الآخر يشمل كل ما نُسمّيه كوارث طبيعية، من مثل، هزّات أرضية، زلازل، أعاصير، براكين وغيرها. هذا الوجه القبيح الشرّي هو الوجه الآخر للطبيعة. انها الطبيعة التي تحمل خيرا وشرا، كما أن هذا الكون يحمل خيرا وشرا، ولذا فهي مرآة لهذا الكون.

ولا شكّ أن هذه التركيبة التي تحوي المتضادين (الخير والشر)، موجودة أيضا في الانسان، فهو يحمل نزعة الخير ونزعة الشر كذلك. الانسان بطبيعته (منذ خروجه الى هذه الدنيا في لحظة الولادة) يحمل هاتين النزعتين. نزعة الخير التي تتمثّل عنده بالفطرة، ونزعة الشر التي تتمثّل بالغريزة. والبيئة وحياة الاجتماع يُنمّيان كل واحد منهما ويُغلّبان أحدهما على الآخر. كذلك الطبيعة بطبيعتها (بدون تدخّل الانسان) تحوي تلك النزعة الخيّرة التي يمكننا أن نُسمّيها فطرة الطبيعة، وهي تشمل كل ذلك الحسن الذي وصفناه والذي يلمسه كلنا عند تجوالنا بين أحضانها. وأيضا تحوي النزعة الشريرة التي يُمكننا أن نُسمّيها غريزة الطبيعة، وهي تشمل الكوارث الطبيعية. أي أننا نجد تشابها ملحوظا بين طبيعة الانسان وطبيعة الطبيعة، مما يُشير الى الانسجام الطبيعي بين هذا المخلوق والطبيعة.

وكلما رجعنا أكثر في الزمن، وجدنا أن هذا الانسجام كان متواجدا أكثر. في الماضي، كان الانسان صديق الطبيعة ورفيقها. فالصداقة ظهرت في علاقة الإحسان المُتبادلة بين الانسان والطبيعة. الفلاح على سبيل المثال، كان يزرع أرضه ويعتني بها كما تعتني الأم بطفلها، وعندما يحين موعد الحصاد تردّ له الجميل بالجميل والاحسان بالإحسان من خلال محاصيل وفيرة وغنية (غنية بالمركّبات الطبيعية). والمرافقة ظهرت في تواجد الانسان اليومي الاعتيادي والعيش بين أحضانها، ويمكننا أن نقول أن الطبيعة حَوَت الانسان عندما قبلته ضيفا مُسالما بين أحضانها، وهو بادلها هذا الاحتواء، فحواها داخله أيضا ولم يكن يحتاج الى التقاط الصور الكثيرة ليُبقيها حيّة داخله. ولذا تأثّر الشعراء والكتاب بالطبيعة وكانت مُلهمتهم الأولى.

أما حين حدث الانفصال والابتعاد، وفي أعقابهما الجفاء وتضعضع العلاقة بين الانسان والطبيعة، قلّ الانسجام وصارت العلاقة صراعية أكثر منها انسجامية. لقد عزل الانسان نفسه عن الطبيعة وتمركز في المدن، وقلّ عدد الفلاحين بشكل ملحوظ، مما دفع بإنسان العصر الى أن يبحث عن وسائل لإعادة ذاك الرابط الطبيعي بينه وبين والطبيعة، من خلال رحلات ومغامرات طويلة في الطبيعة على سبيل المثال. هذه العلاقة الصراعية نجمت عن المجتمع الصناعي والنظرة المادية الخالصة للأمور، فعندما يضع الانسان نُصب عينيه زيادة أرباحه بكل وسيلة ممكنة، فإن ذلك يزيد من حدّة الأنانية والسيطرة السلبية. هذا المجتمع الصناعي يسمح لنفسه أن يستغلّ الطبيعة لمصلحته، كأن يُطلق كميات هائلة من الغازات السامة الى طبقة الأوزون وكأن يقطع غابات بأكملها دونما رحمة. ان العلاقة أضحت علاقة مُسيطر ومُسيطر عليه، فالإنسان يسعى الى امتصاص خير الطبيعة من جهة، والى كفّ أذاها عنه من جهة أخرى.   
بهذا المعنى، فإن الانسان صار يتعامل مع الطبيعة من دافع غريزي. ان اهتمامه محصور في ذاته وهو يسعى الى احكام السيطرة. انه يسعى لأن يكون الغالب في ما صوّره صراع بقاء أو قانون غاب. واذا تعامل الانسان مع الطبيعة من دافع غريزي، فإنها لن تتردّد بالردّ عليه بالمثل، اذ هي الأخرى تعامله من دافع غريزي. ولهذا نرى حالات الطقس المتطرّفة، التقلّبات الجوية، ازدياد الزلازل، ظاهرة الدفيئة وغيرها. لكن الفطرة الانسانية لا ينفكّ تأثيرها، ومهما سيطرت الغريزة فإن شيئا من الفطرة سيعلن انتصاره، ولذلك نرى جمعيات حماية الطبيعة ونسمع الأصوات التي تدعو للتفكير في الطبيعة. تماما كما أن فطرة الطبيعة لا تنفكّ تؤثّر علينا وتبهرنا بجمالها وسحرها!   

4.7.14

تأمّلات في التربية الأولى


منذ خروج الطفل من بطن أمه الى الحياة (وحتى قبل ذلك)، يبدأ يتشرّب ممن ومما حوله. انه ينطلق مع فطرة وغريزة الى عالم مليء بالتأثيرات المقصودة والغير مقصودة. هذا الطفل لا ينولد الى فراغ، وانما الى جوّ عائلي، وهو يؤثّر على هذا الجوّ ويتأثّر منه. وهو ينولد الى مجتمع، ويبدأ يجمع رويدا رويدا مسمّيات اجتماعية، فوالديه يُسمّيانه ابنا، ومجتمعه يُسمّيه مواطنا، ومدرسته تُسمّيه طالبا وغير ذلك من الوظائف الاجتماعية.

وللوالدين أن يتخيّلا أنهما يحصلان على هدية من السماء، هدية غالية، روح، وهما من يتوليّان رعايتها ويتحمّلان مسؤوليتها، ويستطيعان عبر أقوالهما وأفعالهما أن يبنياها من الأساس. وليست الرعاية تنحصر في تأمين مأكل ومشرب، فهذه أمور تتجّه الى الجسد، ولكن الرعاية تتجاوز ذلك. ان في الانسان أربع مكوّنات أساسية وهي: الجسد، العقل، النفس والروح. هذا الجسد هو فقط واحد منها، واهتمام حصري به هو بداية تشويه الصورة وبداية التربية الغير ناجعة.  

السنوات الأولى تبقى هي الحاسمة، لأنه فيها تُبنى الأساسات التي تُشيّد عليها الثانويات لاحقا. انه ان كانت الأساسات معوّجة، فسنحتاج الى جهود مضاعفة لإعادة ترميم البناء، وأحيانا سنعجز عن ذلك بفعل قوة الغرس الأولي. ولذلك قيل "العلم في الصغر كالنقش في الحجر"، فالنقش في الحجر ممكن وسهل نسبيا، وهو متين وصامد، رغم الظروف البيئية المحيطة. كبار علماء النفس شدّدوا على السنوات الأولى لحياة الطفل، فذاك فرويد عبر نظريته التطورية، يركّز على المراحل الثلاث الأولى التي تمتدّ عبر السنوات الست الأولى من حياة الطفل. كذلك عالم النفس بولبي ومن خلال نظرية "الاتصال"، ادعى أنّ إنشاء رابط اجتماعي آمن مع الطفل هو الأساس للتطوّر السليم. هذا الرابط يحدث عادة مع شخصية الأم، فإن كان رابطا آمنا، انطبعت الشخصية الآمنة في جوف الطفل وصار ينظر الى الناس من حوله وفقا لهذا الانطباع الآمن. أما ان كان الرابط مع شخصية الأم غير آمن، فإن الطفل يمكن أن يفهم أن العالم كله غير آمن، ولذا لا ينبغي له أن يثق بأحد.

والتربية لا تنحصر في ارشادات وتعليمات، وانما هي تشمل كل ما يصدر عن الوالدين من قول أو فعل. انها واسعة جدا، أكثر مما نتخيل! حتى أنها تشمل الأقوال والأفعال ما قبل بداية حياة الزوجية، اذ أن أقوال الأب قبل أبوته وأقوال الأم قبل أمومتها، تنمّ عن شخصية معينة وعن أنماط تفكير، ولا يمكن قلب هذه الشخصية وأنماط التفكير رأسا على عقب، عند مجيء الولد. انها تستمرّ تُلقي بتأثيرها على المولود! ولذلك، عند اختيار شريك حياة، يجدر بنا أن نمعن النظر في أن شريك الحياة سيكون شريكا في تربية الأبناء أيضا وسيؤثّر بشخصيته وأنماط تفكيره عليهم. كما أن الأفعال قبل الحياة الزوجية تؤثّر، اذ أن لاختيار طريقة بناء البيت وديكوره على سبيل المثال أثر كذلك. فإن كان البيت آمنا، فهم الطفل أنه في هذا العالم يمكن بناء حيّز آمن رغم الأخطار المحيطة. وان كانت هناك حديقة أمام المنزل، تذوّت فيه جمال الطبيعة وحبّها. 

والتربية تشمل أيضا طريقة تعامل الزوجين مع بعضهما البعض لأنهما المثل الأعلى بالنسبة للطفل، وهي تشمل المحطّات التلفزيونية والإعلام الذي ينكشف اليه الولد، والألعاب والدمى التي ينكشف اليها، وألعاب الحاسوب والقصص التي يسمعها قبل النوم، وغيرها الكثير من الأمور، وبالتأكيد علاقة كل واحد من الوالدين بولدهما. ان التربية بهذا المفهوم تجربة تُعاش أكثر من دروس تُلقى. ثم ان هذه تأثيرات تطال الولد وهو قابع في بيته، فما بالنا بالتأثيرات التي ينكشف اليها في الخارج؟! الا أننا نؤمن أن اذا كانت التأثيرات الداخلية ايجابية وموجّهة لأهداف سامية، فإن التأثيرات الخارجية ستتذلّل كما تذلّلت الأولى. اذ أن التربية الأولى هي التي تبني الأطر الأساسية، الأفكار الأساسية والفرضيات الأساسية، وان كانت كل هذه حسنة وانسجمت مع الفطرة، فإن الأخرى ستكون منساقة للحُسن الأولي.

2.7.14

تأمّلات في الفطرة


الفطرة هي "الخِلقة التي يكون عليها كل موجود أَوّلَ خَلْقِه" أو "الطبيعة السليمة لم تُشَب بعَيْب" أو "ما ركَّزه الله في الإنسان من قدرة على معرفة الإيمان" (معجم الوسيط ومعجم اللغة العربية المعاصر). ورغم أنها تعريفات من جهات مختلفة، الا أن ما يجمعها هو اشارتها الى تلك التهيئة وذاك الاعداد اللذان يُطبعان في النفس ويولدان بمولدها. انه المبنى الأوّلي الذي يمكنه أن يستقطب اليه مبانٍ أخرى تدعمه أو تدحضه، تقوّيه أو تُضعفه، تُحييه أو تُميته.

هذه الفطرة طبيعية وغير مكتسبة، لأنها تكون مزروعة هناك من لحظات حياة الانسان الأولى. ورغم أننا لا نراها ولا نلتقطها بحواسنا في الغالب، بحكم قدرة التعبير المحدودة لدى الطفل، الا أننا نرى تأكيدا لوجودها في النصوص الدينية. يقول تعالى: "أَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ" (الروم، 30). يقول ابن كثير في تفسير هذه الآية: "إنه تعالى فطر خلقه على معرفته وتوحيده، وأنه لا إله غيره، كما تقدّم عند قوله تعالى: (وأشهدهم على أنفسهم ألست بربكم قالوا بلى) (الأعراف، 172)، وفي الحديث: "إني خلقت عبادي حنفاء، فاجتالتهم الشياطين عن دينهم"". وقَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: "كُلُّ مَوْلُودٍ يُولَدُ عَلَى الْفِطْرَةِ، حَتَّى يُعْرِبَ عَنْهُ لِسَانُهُ، فَإِذَا أَعْرَبَ عَنْهُ لِسَانُهُ، إِمَّا شَاكِرًا، وَإِمَّا كَفُورًا".

ولعلّ ما سطّره العالم دين هامر في كتابه The God Gene: How faith is Hardwired in our genes""، والذي نشره عام 2004، هو محاولة أولية للكشف عن هذه الفطرة المطبوعة في الانسان. هامر يتحدّث عن أن الإنسان يرث مجموعة من الجينات التي تجعله مستعدا لتقبّل مفاهيم الألوهية والدين، وذلك ما يُعرف بـ "God Gene Hypothesis".

ان الانسان ينطلق الى العالم مع ارشاد هذه الفطرة وتوجيهها، ولربما ذلك لئلا يكون للناس حجّة على خالقهم أن لم يهدهم اليه. الا أن هذه الفطرة تنولد الى بيئة، مما يُعرّضها للاحتكاك بموجّهات بيئية، تبدأ عادة بتربية الوالدين والبيئة المحيطة، لتنتهي الى التأثيرات المجتمعية وتأثيرات العولمة والاعلام وما شابه. من هنا فهي مُعرّضة للتشويه أو للتنمية تَبَعا للبيئة المحيطة، ودرجة التشويه أو التنمية تختلف أيضا. فذاك الطفل الذي يولد لعائلة سبّاقة في عالم الإجرام، تتعرّض فطرته لتشويه عنيف. ذاك الطفل الذي يولد في بيئة تقدّس حقوق الانسان ولكنها تُربّي على الانفلات الجنسي، تتعرّض الى تشويه أيضا الا أنه أقل شدّة من الأول. ورغم أنه من المنطقي حفظ ما ولدته لنا الطبيعة وتنميته، بدلا من تشويهه وتدميره، اذ أن ذلك يتلاءم مع النمو الطبيعي للإنسان، الا أن المشكلة تكمن في أن هناك من لا يعترف بوجود مثل هذا المركّب الذي نُسمّيه نحن فطرة. 

فرويد على سبيل المثال لم يلتفت الى مركّب الفطرة، بل ادّعى أن الأنا الأعلى وهو الذي يشتمل على الضمير والأخلاق والمثاليات يتطوّر في مرحلة متأخّرة وهو بهذا المعنى مُكتسب. ان الطبيعة وفقا لفرويد لا تمنح فطرة ولا أخلاقا، ولكنها تمنح شيئا واحدا ووحيدا وهو الغريزة. هذا التوجّه ينسجم مع النظرة المادية التي لا تعترف الا بما تلتقط عبر حواسها، فالتصرّفات الغريزية البيولوجية يمكن رؤيتها عند الطفل. ان مجتمع فرويد هو الذي يوجّه للأخلاق والقيم، في حين أن الطبيعة تمنح الغريزة ومطلب اللذّة. أما نحن فندّعي أن الطبيعة تمنح الغريزة وتمنح الفطرة الى جانبها (يقول تعالى: "فألهمها فجورها وتقواها")، والمجتمع هو الذي يوجّههما، فهو (المجتمع) يمكن أن يثير الغريزة ويضعف الفطرة، وكذلك يمكنه أن يضبط الغريزة وينمّي الفطرة. ولأن هذه الفطرة كلها حسن، فإننا نسعى الى احيائها والدعوة الى تنميتها منذ سنوات الطفل الأولى عبر التربية، بعكس ما تدعو اليه المادية التي تفطن لها في جيل متأخّر، وحتى وان فطنت لها فإنها لا تعيرها ذاك الاهتمام الذي يليق بقدرها. ولكننا نقول أن الطبيعة تبقى حيّة بدرجة معينة، مهما فعلت البيئة لاستئصالها أو لمحقها، وكما أن فرويد يقول أن كبت الغريزة لن يدوم وأن الطبيعة لا بد لها أن تنتصر، فكذلك نقول أن الفطرة لا يمكن أن تُكبت طويلا، ولا بد لطبيعتها أن تنتصر.

30.6.14

تأمّلات في الميلاد


عندما نتحدّث عن الولادة، فإن أول ما يتبادر الى الذهن هو ولادة الطفل، ولربما ثاني ما يخطر على البال هو ولادة كائن حي آخر غير الانسان. الا أن مفهوم الولادة لا ينحصر في مثل هذه الظواهر الطبيعية، ولكن يتعدّاه ليشمل ولادة شهر، ولادة كتاب وحتى ولادة مصلحة تجارية. هذا المفهوم يرمز الى البداية، الى الشروق، الى النقطة الأولى في الطريق. هذا الميلاد الذي يمنح الحياة والنبض، هذا الميلاد الذي يُخرِج من الحيز الغير موجود الى الحيز الموجود، يُعتبر نقطة فاصلة ولذا يحظى بأهمية في المنظار الانساني. وتُضفي هذه الأهمية نكهة خاصة على تواريخ الميلاد: ميلاد الانسان، ميلاد الحيوان، ميلاد التقويم الميلادي أو الهجري، ميلاد الحياة الزوجية وغيرها. 

هذا الميلاد يرتبط بالزمن، فهو ليس لحظة فارقة في الفراغ، وانما لحظة فارقة في الزمن. لذا، فإن هذا يعني وجود زمن ما قبل الميلاد ووجود زمن أثناء الميلاد (وقت الولادة) وزمن ما بعد الميلاد. الزمن ما قبل الميلاد يشمل الترقّب والتحضيرات التي تُبذل في سبيل اتمام عملية الولادة على أكمل وجه، فلولادة طفل، تتغذّى المرأة غذاء ملائما، تحافظ على صحتها وتُجري الفُحوصات اللازمة. ولبناء (لولادة) بيت، يهيئ الشخص قطعة أرض ويبدأ ببناء بيته لبنة لبنة حتى يُعلن اتمامه. في هذه الفترة (فترة ما قبل الميلاد) تظهر الثنائيات، اذ نرى مخاوفا وشكوكا من جهة وتشوّقات وآمالا من جهة أخرى. مخاوف وشكوك تتعلّق بمعيقات في الطريق الى الولادة، والتي يمكن أن تهدّد وجود الولادة، فتؤثّر عليها سلبا أو تجهضها. وتشوّقات وآمال جراء انتظار ميلاد فجر جديد وحياة جديدة.

وتستمرّ الثنائيات أيضا في فترة الميلاد نفسها - أي وقت الولادة - وما بعدها، ولذا تصطبغ الولادة بثنائية تحمل معنيين متضادين. فمن جانب أول، تُعتبر الولادة حدثا مُفرحا، اذ هي تمنح الحياة، وتُخرج مولودا جديدا وأملا جديدا الى هذا العالم. انها اضافة وبناء! ولكن من جانب آخر، الولادة تعني بدء مسيرة الحياة واستئناف الطريق المحفوفة بالمخاطر والأتعاب. فالطفل منذ الولادة يُقذف الى واقع الحياة، واقع غير كامل وهو بعيد عن أن يكون جنة الله على الأرض، ففيه النواقص وفيه الأخطار. الطفل يمكن أن يجوع، يمكن أن يتألّم، يمكن أن يمرض وهذه أمثلة على نواقص يُقذف الطفل اليها دونما اختيار منه. ويمكنه أن يتعرّض لأذى على أيدي من هو أقوى منه (اعتداء من انسان أو حيوان أو حتى كارثة طبيعية). بهذا المعنى تصير الولادة مرادفة لبداية مسيرة الكدّ والتعب. يتحدّث بعض الأخصائيين النفسيين عن ما يُسمّونه بصدمة الميلاد. أتو رانك "يعتبر الميلاد أول وأهم خبرة للانفصال تمر بالإنسان وتُسبّب له صدمة مؤلمة، وتثير فيه قلقا شديدا. وقد سمّى رانك هذا القلق الذي تُثيره صدمة الميلاد بالقلق الأولي. ويستمر هذا القلق مع الانسان فيما بعد، وتأخذ أجزاء منه في الانسياب طوال الحياة. ويفسر رانك جميع حالات القلق التالية، على أساس قلق الميلاد، فهي عبارة عن تنفيس أو تفريغ لانفعال القلق الأولي. والانفصال عن الأم هو الصدمة الأولى التي تثير القلق الأولي. ويصبح كل انفصال فيما بعد من أي نوع كان مُسبّبا لظهور القلق. فالفطام يثير القلق لأنه يتضمّن انفصالا عن ثدي الأم، والذهاب الى المدرسة يثير القلق لأنه يتضمّن انفصالا عن الأم، والزواج يثير القلق لأنه يتضمّن الانفصال عن حياة الوحدة" (د. عثمان نجاتي في تقديمه لكتاب فرويد بعنوان الكفّ والعرض والقلق). 

واذا ماثلنا ميلاد شهر رمضان بميلاد طفل، فإننا نصل الى رؤية مشابهة. فعندما يولد هذا الشهر الكريم، تتحمّس النفوس وتتأهّب مستقبلة اياه بكل حفاوة وترحاب. وتُبعث رسائل التهاني وتُطلق المفرقعات تعبيرا عن الفرح بقدومه. انه فرح بقدوم تغيير في الحياة. انه فرح بموسم تكثر فيه الخيرات والبركات. انه فرح بمناسبة منتظرة. الا أنه الى جانب هذا الشعور يترافق قلق من جرّاء اعلان بدايته. قلق يرتبط بمسيرة الكدّ التي يستوجبها حضوره، فبداية رمضان تعني صيام ثلاثين يوم، وربما تتراءى لنا ثقيلة في مثل هذا الجو الحار والنهار الطويل. وبدايته تعني تكثيف الطاعات وتكثيف الانتهاء عن المعاصي، وكل ذلك يحتاج الى جهد جهيد. فهي ثنائية تلازم الولادة أينما وُجدت، وكما أن ولادة الطفل تحمل مشاعرا ايجابية الى جانب تلك السلبية (كالقلق مثلا)، فكذلك ولادة شهر رمضان (كولادة أي شيء آخر) تحمل ذاك المزيج المشاعري، اذ أن الفرح بقدوم هذا الضيف الجديد، لا ينفي اشتعال القلق (محور من محاور القلق مثلا: هل سأتمكّن من اغتنام هذه الفرصة كما ينبغي؟!).

29.6.14

مواجهة التطرّف


انطلاقا من قوله تعالى: "إِنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ" (الرعد، 11)، لطالما آمنت أن التغيير يأتي من الداخل قبل قدومه من الخارج، إذ لو فرضنا جدلا أن تغييرا قد بدأ من الخارج، فإننا نحتاج بعد ذلك الى من يقود ويحفظ هذا التغيير. اذا لم يحدث تغيّر داخلي، فمن سيقوده ويحافظ عليه ويطوّره؟! لذا، من الحريّ بنا قبل أن نُلقي اللوم كل اللوم على الآخر ونحمّله مسؤولية تخلّفنا، أن ننظر الى داخلنا، الى الوهن الذي أصابنا، الى الأمراض التي أصابتنا، لنميّزها فنحاول معالجتها! احدى هذه الأمراض هو مرض التطرّف الذي أصاب بعض الشباب المتحمّسين، ظانّين بذلك أنهم يُعيدون مجد الإسلام والمسلمين، فخرّبوا أكثر مما أصلحوا، وساهموا في تشويه صورة الإسلام وبذلك ساعدوا من يفتري على الإسلام أنه دين الإرهاب والقتل!

يقول عليه الصلاة والسلام: "إيّاكم والغلو في الدين، فإنما هلك من قبلكم بالغلو في الدين"، ويقول أيضا: "هلك المتنطعون" قالها ثلاثاً، ويقول: "لا تشددوا على أنفسكم، فيُشدَّد عليكم، فإن قوماً شددوا على أنفسهم، فشُدد عليهم". ويقول تعالى: "قل يا أهْل الكتابِ لا تغْلوا في دينكم غيْر الحقِّ ولا تتَّبِعوا أهواء قومٍ قدْ ضلُّوا مِنْ قبل وأضّلُّوا كثيراً وضلُّوا عن سواءٍ السّبيل" (المائدة، 77). ولا حاجة بعد هذه الأحاديث والآيات الى اعادة التأكيد على خطورة التطرّف وضرورة معالجته، لأنه مرض فتّاك يمكن أن يُبقينا في الخلف رغم رغبتنا الجامحة بالتقدّم! ان المسألة التي تبقى مفتوحة هي كيف نعالج هذا التطرّف. وبكلمات قليلة تماشيا مع قصر المقالة، أودّ أن أقول أنه ينبغي معالجة هذا التطرّف عن طريق نقده، بيان هشاشته، التحذير منه، وفي نفس الوقت، طرح البديل الذي نرنو إليه، البديل المعتدل والوسطي. إلا أنه علينا أن نحذر من أن نواجه التطرّف بتطرّف آخر، فنبدأ نلعنهم أو نُشهّر بهم لينتهي الأمر بالاعتداء عليهم أو حتى اراقة دمائهم. اننا بذلك نُكرّر خطأهم، وانما الواجب ضمّهم ومحاولة تغييرهم، على أمل أن يعودوا الى رشدهم.

28.6.14

التاريخ المُنتقى، الحاضر المُصفّى


التاريخ يخدم مصالح المُسيطر في الغالب، وهو بعيد عن أن يكون مرويا بصورة حيادية. فكل دولة تُشبع مواطنيها الرواية التي تراها مناسبة، الرواية التي تراها تخدم مصالحها، لتحافظ على سيطرتها، هيمنتها، "هجمونيتها" (Hegemony)، وتُلغي كل الروايات الأخرى أو تعتبرها غير موجودة على الأطلاق! ان التاريخ صار يُتلاعب به، وبدلا من أن يكون غاية، أضحى أداة رخيصة بأيدي الحكّام والمسيطرين، ولهذا تعدّدت الافتراءات عليه. انه يُزرع به أشياء لم تكن موجودة، وينفى منه أشياء أخرى كانت موجودة أو يُتنكّر لها، ليصير تاريخا منتقىً! فما يخدم المصالح يدخل وما لا يخدمها يُلقى به في مزابل التاريخ دونما رحمة! ومثالنا على ذلك، الحضارة الغربية التي تُركّز على عصور الظلام حيث قُمع العلم في أوروبا وقُمع الفن في الاتحاد السوفييتي، وكيف أن النهضة التي جاءت، أسدت للبشرية كلها الخير كله، وأخرجت العالم من الظلام الى النور. وليس هذا تاريخا دقيقا! انه تاريخ مُنتقى يخدم مصالح المُسيطر، إذ في الوقت الذي كانت فيه أوروبا تعاني من عصور الظلام، كانت الحضارة الإسلامية في ذروتها! وعندما ينسبون اختراعا فإنهم يتغاضون عن الأصل، في حين كان لما توصّل إليه المسلمون دورا كبيرا في التقدّم الذي حدث في أوروبا. على سبيل المثال، خوارزميات الخوارزمي التي وضعت أساسيات علوم الحاسوب، القانون في الطب لإبن سينا وغيرها من علوم وفلسفات أُخذت أو سُرقت دون أن يُذكر مصدرها في أحسن الأحوال!

والحاضر كذلك يتم تصفيته من الشوائب التي لا تُعجب المُسيطر. الأكثرية لا تكاد تتعرّض للأقلية في حديثها الا عندما تُعطيها الشعور أنها درجة ثانية، كأن تُظهر شفقتها عليها أو أن تذكرها فقط في سياق الذمّ والسلبية! على سبيل المثال، في المحاضرات القائمة في الجامعات الإسرائيلية، المثال العربي لا يكاد يُضرب، في حين تعجّ المحاضرة بأمثلة من عالم المُسيطر، واذا ما ضُرب المثال العربي فإنه لا يُحسن إليه في الغالب وهو يُعرض بصورة مُشوهّة، ليُحطّ من قدره! ويمكن أن يكون هذا التشويه غير مقصود، إلا أن المُسيطر قد شُرّبه منذ صغره، مما يُصعّب عليه أن يتحرّر منه!  

التمس لأخيك سبعين عذرا !


يقول جعفر بن محمد: "إذا بلغك عن أخيك الشيء تنكره فالتمس له عذرا واحدا إلى سبعين عذرا، فإن أصبته، وإلا، قل لعل له عذرا لا أعرفه"، ولا أدري لماذا اُختير الرقم سبعين بالذات (وليس هذا مبلغ همّنا في هذه المقالة) ولكنّ العبرة في التماس الكثير من الأعذار، لما يبان لنا من فعل من نعرف! عندما نبدأ اتصالا جديدا بإنسان، نتوهّم للحظات أننا صرنا نعرف كل شيء عنه، خلال شهرين، في حين هذا وهم جلي، إذ هل يمكن اقتضاب تجارب كذا وكذا من السنين في شهرين؟! ثم هل يكشف الانسان كل أسراره في أول شهرين؟! وانني لأعتقد أنه لو دام الاتصال سنينا، فإنه ستبقى هناك أمور مخفية وستبقى هناك أسرار، ولذا حتى لو ما زلتَ تحفظ اتصالا كثيفا مع صديق طفولة، وتعوده في بيته عشرات المرات في الشهر، ولا تفارقان بعضكما في الهاتف، فلا تتوقّع واهما أنك تعرف كل شيء عن أسرار صديقك، عن أسرار بيته، عن أسرار نفسه، فلربما هو نفسه غير واعٍ لهذه الأسرار! الله وحده هو من يعلم كل الأسرار وما ورائها، "وإن تجهر بالقول فإنه يعلم السر وأخفى" (طه، 7).

ومن ثم نصير نُطلق الشكوك والظنون السيئة، رغم قلة علمنا حتى بمن نعرف حقّ المعرفة.

لماذا لا يأكل من خبزنا؟ لأنه لا يحبّنا بالتأكيد! ولم يخطر على بالنا أنه يمكن أن يكون عنده حساسية من القمح.

لماذا لا يطرح علينا السلام؟ لأنه لا يطيق رؤيتنا بالتأكيد! ولم يخطر على بالنا أنه كان ماشيا كالمغشي عليه لأن أمرا ما يشغله، أو أن عنده خلل في النظر. لماذا لا يُجالسنا؟ لأنه غير اجتماعي، غريب الأطوار! ولا يخطر على بالنا أنه مشغول في أمر هام.

لماذا يقوم من نومه في وسط الليل؟ لأنه شخص غير مفهوم، "الله يعينه على حاله". ولم يخطر على بالنا أنه ذاهب الى موعده الليلي مع ربّه.

لماذا لا نلتمس الأعذار؟! لماذا نُصرّ على تفسير أولي يحتمل الخطأ والصواب؟! وفي الغالب يحمل هذا التفسير اتهاما، شكّا، ظنّا سيئا، استهتارا بالآخر. أنفعل كل هذا من أجل أن نكون راضين عن أنفسنا؟! لننكر جهلنا؟! لنظهر أننا نعرف كل شيء عن من نعرف؟! انه وهمٌ (أننا نعرف كل شيء عن من نعرف) متبوع بوهم (أننا نملك التفسير الأكيد للتصرّف الذي يبدو لنا غريبا)، آن لنا أن نستفيق منهما!